علي بن عطية بن الزقاق
وقد حدثني بديوانه، جماعة من أخدانه. منهم الأديب الوزير، أبو بكر يحيى ابن محمد الأنصاري الأركشي، أتحفه الله برداء عرفانه،. فمن بديع شعره ومنظوم دره قوله:
لعمرُ أبيهَا ما نكثتُ لها عَهْدَا ولا فارقتْ عَيني لفُرقتها السُّهْدَا
أتأمرني سُعدي بأن أهجرَ الكَرى وأعصِي على طَوْعِي لأجفانِها سُعدي
بَرئتُ إذا من صُحبة الرّكب والسُّرى ولا عَرفَت إبْلى ذَميلا ولا وخْدا
وليلٍ طرقتُ الخِدْرَ فيه وللدُّجى عُبَابٌ تَراهُ بالكواكِبِ مُزْبِدا
[ ١٠٠ ]
أجاذبُ عِطْفَ الملكيّة تَحته وأسحبُ من ضافي العفاف به بُردا
نعمتُ بها واللّيلُ أسودُ فاحمٌ يغازل منها الأسودَ الفاحِم الجَعْدا
فلم أرَ أشهَى من لَمَاهَا مُدامة ولم أر أذكى من تَنُّفسِها نَدَّا
تبسَّمُ عمّا قُلّدتْه فأجتَلى بمْبَسمِها دُرّا ولَبَّتها عِقْدا
ويَعبقُ ريَّاها إذا هَّبت الصَّبا فيحملُ عنها نشُرها العنبَر الوَرْدا
سلِ الرّيحَ عن نَجد تخبِّرْك أنَّها معطَّرةُ الأنفاس مذ سكَنت نَجْدا
وأنّ الغَضا والسِّدر مُذ جَاوَرتهما بطيب شذَاها أشبَها البانَ والرَّندا
وله في غلام يكسف نور البدر إذا طلع نور طلعته، وقد رمي بحجر فأنشق شقيق وجنته:
وأحْوى رُمِي عن قِسيِّ الحَوَرْ سِهامًا يفُوِّقهنّ النَّظَرْ
يقولون وَجْنته قُسِّمت ورَسْمُ محاسنه قد دَثر
وما شّق وجنَتَه عابثٌ ولكنّها آيةٌ للبشر
جلاهَا لنا الله كيما نَرى بها كيف كان انشقَاقُ القمرِ
[ ١٠١ ]
وله في خود مهتصر الخصر، خدلجة المعصم والساق، تطالع من طلعتها مقاتل الفرسان ومصارع العشاق:
وخَودٍ ضَّمِ مِئَزُرها كَثِيبًا يُهالُ وبُردُها غُصنًا يَراحُ
لها قُلُبٌ أبي النُّطَق اكتتامًا وسُّر نِطاقِها أبدًا مُبَاحُ
وقد أمرتْهُما بالكَتْمِ لكن أطاعَ سوِارُها وعصَى الوشاحُ
وله في ساق كأنما اعتصر من خده ما بيمينه، وأطلع في مشرق كأسه ما أشرق من جبينه:
وساقٍ يحثُّ الكأس وهي كأنَّما تلألأ منها مثلُ ضوءِ جبينِهِ
سقاني بها صرفَ الحُمَّيا عشيَّةً وثَنَّى بأخرى من رَحيق جُفُونه
هضيمُ الحشا ذو وَجْنةٍ عَندميّة تُريك قِطاف الورد في غير حِينه
فأسرب من يُمناه ما فوق خدّه وألثَم من خدّيه ما بيمينه
وله في محبوبة له، ودعها واستودعها قلبه، فاستصحبته معها:
أأنْدبُ رَسْمَ دَارِهُم المَحيلاَ وأسأل عنهم الرّيحَ البليلاَ
وبِي هيفاءُ من ظَبْيات نجد تُضَاهِي الغُصن والحِقْفَ المَهِيلاَ
[ ١٠٢ ]
أقول وقد تَوارت يومَ حَزْوَي بِكلَّتها وأشغَفَتِ الحُمولاَ
كرْهِت بأن يَنالكِ لحظُ عَيني فكيف رَضِيتِ أحشائي مَقبلاَ
وقال أيضا:
بأبِي وغيرِ أبِي أغنُّ مُهفهفٌ مَهضومُ ما خَلْفَ الوشاحِ خَميصُهُ
لبسَ الفؤادَ ومزَّقتْه جُفُونه فَأتى كيُوسفَ حين قُدَّ قميصُه
وله في الإشارة إلى دقة الخصر:
وآنسةٍ زَارتْ مع اللَّيل مَضجَعِي فعانقتُ غُصنَ البان منها إلى الفَجْرِ
أسائلُها أين الوِشاحُ وقد سَرت مُعطَّلَةً منه معطَّرةَ النَّشْر
فقالت وأومتْ للسِّوار نَقَلْتُه إلى مِعْصمي لما تقَلْقَل في خَصْري
قال ذو النسبين ﵁: ومن مليح ما سمعت في دقة الخصر ما أنشدنيه صاحبنا الفقيه القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر السلمي لنفسه:
لها رِدْفٌ تعلَّق من ضَعيفٍ وذاك الرّدفُ لي ولها ظَلُومُ
يُعذِّبني إذا فكرتُ فيه ويُتعبُها إذا رامَتْ تَقُوم
[ ١٠٣ ]
رجعنا إلى شعر الأديب أبي الحسن علي بنم عطية بن الزقاق:
ومرتَجّةِ الأعطافِ أمّا قَوامُها فلَدْنٌ وأمَّا رِدْفُها فَرَداحُ
ألّمت فباتَ اللّيلُ من قِصَرٍ بها يَطير ولا غيرُ السّرور جَناح
وبِتُّ وقد زارت بأنعَم ليلةٍ تُعانقني حتى الصّباح صباحُ
على عاتِقي من ساعدَيْها حَمائلٌ وفي خَصْرها من ساعديَّ وشَاح
وله أيضا:
سَقْتنِي بيمُناها وفيها فَلَمْ يزلْ يُجاذِبُني من ذا ومن هذه سُكْرُ
ترشّفتُ فاهَا إذ ترشَّفتُ كأسَها فلا والهوى لم أدر أيُّهما الخَمر
وله:
عذِيريَ من هَضِيم الكَشْح أحْوَى رَخيمِ الدّلِ قد لَبِس الشَّبابَا
أعدّ الهجْر هاجرةً لقَلْبي وصَيّر وعدَه فيها سَرابا
وله:
وعشيّةٍ لَبِستْ رداَء شَقيقِ تُزهَي بلونٍ للخُدود أنيقِ
أبقتْ بها الشَّمسُ المُنيرةُ مثلَ ما أبقى الحياءُ بوَجْنة المَعشوقِ
لو أستطيع شربتُها كَلِفًا بها وعدَلتُ فيهات عن كُئوِس رَحيق
[ ١٠٤ ]
وله:
كتبتُ ولو أنَّني أستطي ع لإجلال قدرك دُون البَشْر
قَددْتُ اليراعةَ من أفُلي وكان المِدادُ سوادَ البَصَر
وله:
وحبَّبَ يومَ السّبت عنديَ أنَّه ينادُمنِي فيه الذي أنا أحْبَبْتُ
ومِن اعجب الأشياء أنّيَ مُسلٌم حَنيفٌ ولكنْ خير أيّامَي السّبتُ
وله:
ومُقلةِ شادِنٍ أودتُ بنَفْسِي كأنَّ السُّقْمَ لي ولها لِباسُ
يَسُلّ اللحظُ منها مَشْرفيًّا لِقتْلى ثم يُغمده النُّعاسُ
وله:
وقفتُ على الرُّبوع ولي حَنينٌ لساكنهنّ ليسَ إلى الرُّبوعِ
ولو أنّي حَنَنْتُ إلى مَغاني أحبَّائي حننُت إلى ضُلوعي
وله:
يا ثاويًا بضُلوِعي ما يُفارقُها وإنْ تَحمّل عن أكنافِ أربُعهِ
لأنتَ إنسانُ عَيني فأعجبَّن لمنْ إنسانُ مُقلته ما بين أضلُعه
[ ١٠٥ ]
وله:
رقَّ النَّسيمُ وراق الرّوضُ بالزَّهَرِ فَنِّبه الكأسَ والإبريق بالوتَرِ
ما العيشُ إلا اصطباحُ الرّاحِ أو شَنبٍ يُغني عن الرّاحِ من سَلسالِ ذي أشُر
قُل للكواكب غُضّي للكَرى مُقلا فأعين الزُّهر أولى منك بالسَّهر
وللصَّباحِ ألا فانشُر رداَء سنًا هذا الدُّجى قد طَوتْه راحةُ السَّحر
وقام بالقهوة الصهباءِ ذو هَيَفٍ يكادُ مِعْطَفُه يَنقدّ بالنَّظر
تطفُو عليها إذا ما شَجَّها دُررٌ تخالُها اختُلِستْ من ثغرهِ الخَصِر
والكأسُ في كفّه بالرّاح مُترعةٌ كهالة أحدقَت في الأفْق بالقَمر
وله في صفة فرس أغر:
وأغرَّ مَصقوِل الأديم تخالُه برقًا إذا جَمع العِتَاقَ رِهانُ
يطأ الثّرى متبخترًا فكأَنَّه من لَحْظ من في مَتْنه نَشوان
فكأنَّ بدر التِّمِّ فوق سَراته حُسنًا وبين جُفونه كِيوان
[ ١٠٦ ]
وله:
يا ضياَء الصُّبح تحت الغَبَش أطرازٌ فوق خدَّيك وُشىِ
أم رياضٌ دبَّجتها مُزنةٌ وبدا الصُّدْغ بها كالحَنَش
لستُ أدري أسهامُ اللّحظ مَا أتَّقِى أم لدغُ ذاك الأرقش
بأبي منك قِسِيٌّ لم تَزَل رامياتٍ أسْمهمًا لم تَطِشِ
رشَقَتْ قلبًا خَفوقًا يلتِظى كَضِرامٍ بيدَيْ مُرْتَعِش
رُبَّ ليل بِتُّه ذا أرَقٍ ليس إلا من قَتَادٍ فُرُشي
سابحًا في لُجج الدَّمع ول كنَّني أشكُو غَليل العطَش
وبُروقُ اللّيل في أسْدافه كسُيوفٍ بأكفّ الحَبَش
وسماءُ الله تُبدِي قَمرا واضحَ الغُرة كابن القُرشي
ليس فرقٌ في السَّنا بينهما والبَها إن طلَعا في غَبش
غير أنّ الأفْقَ مغمورٌ بذا وبذا حومةُ باب الحنش
[ ١٠٧ ]
وهو أحد أبواب بلنسية، وهي مطيب الأندلس، وفيها يقول:
بلنسيةٌ إذا فكّرتَ فيها وفي آياتها أسنَى البلادِ
وأعظمُ شاهدي منها عليها بأنَّ جَمَالَها للعَين بادي
كساها ربُّنا ديباجَ حُسن له عَلَمان من بحر وواد
وأنشدني سلطانها - كان - أبو عبد الملك مروان بن عبد الله بن عبد العزيز:
كأن بلنسيةُ كاعبٌ وملبسُها السّندس الأخضرُ
إذا جئتَها سَترت نفسها بأكمامها فهي لا تَظْهَر
وهذه تورية مليحة، فإن الأكمام ها هنا أكمام الأزهار والأشجار.
ولأبي الحسن بن الزقاق أيضا، وهو في الرقة يمتزج بالنسيم، ويعد في أنواع البديع من نوع مليح التقسيم:
تضوعن أنفاسًا وأشرقْن أوجهًا فهّن منيراتُ الصِفاحَ بَواسمُ
لئن كُنّ زُهْرًا فالجوانح أبرُجٌ وإن كنّ زهَرًا فالقُلوب كمائم
[ ١٠٨ ]
وأنشدني جماعة من شيوخي، منهم سيدي أبي الفقيه الفضل أبو علي حسن ابن علي، وشاعر المغرب الأقصى ومفخرة في صناعة المحاكاة والتخييل أبو عبد الله محمد بن حسين بن حبوس، قالا: أنشدنا الوزير أبو عامر بن الحمارة:
لله يومٌ كان فيه مُنادِمي وجهُ الحبيب وزهرةُ البستانِ
صرعتنَي الّلّذاتُ فيه مَصارعًا ما شئتَ من رَوح ومن رَيحان
يا صاحبيَّ تَمتَّعا من ساعة شُغِل الزَّمان بها عن الحدَثَان
وله:
لو كنتُ آملُ أن ألقاك في الحُلمُ لما قَرعتُ عليك السِّنَّ من نَدمِ
يَحمي وصالكَ أعداءُ لهم رَصَدٌ ويصرفُ الطَّيفَ أنِّي بتُّ لم أنَم
يا مُرسلًا سَهْمَ عينيه ليقتُلنَي من ذا أباحَ لذاك اللحظِ سفكَ دمي
وله وقد أهدت إليه امرأة موصوفة بالجمال مسكًا:
أتانا فَتِيتُ المسك يَعْبَق عَرْفُه ويُثنى على ذاك النَّدى والتَّكَرُّمِ
فأشعَرني رَيَّا حَبيبٍ أعيرُه على رِقْبةٍ لَحظَ المَشوق المتيَّم
فو الله لولا أن تقول لِي المُنَى وراءكَ لا تَقْدَم على غير مَقْدَم
لحدَّثْت نفسي عند ذلك أنني أشَمُّ الذي ما بين عينيك والفم
[ ١٠٩ ]
وأهدت إِليه أخرى تُفّاحة فقال:
بعثتْ إِلىّ كخدّها تُفّاحةً وكطَعمِ ريقتها رَحيقًا سَلْسلاَ
فصرفتُ وجهي عنهُما ولقد أَرى مُترشَّفًا عَذْبَ الجَنى ومُقبَّلا
كي لا يَغَار على الحبيب حبيبهُ فيقولَ بات بغيرنا متَعِلِّلاَ
وله:
لم أَعشق الشَّمس سماويّةً بعيدةً عن مركز العالَمِ
إلاّ لأُضحِى في غَرامي بها أُعجوبةً بَين بني آدم
أنشدني الشيخ الفقيهُ الأديبُ القاضي بمدينة فاس أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد ابن عيسى التَّادَلُّي ﵀، قال: أنشدني الوزير الأديبُ الشاعرُ المصيب أبو القاسم المَنيشِي لنفسه في زُرزور:
أمِنبرٌ ذاك أم قضيبُ يَفْرعه مِصقعٌ خَطيبُ
يختالُ في بُردتَي شَباب لم يتوضَّح بها مَشيب
أخرسُ لكنّه فصيحٌ أبْلَه لكنّه لَبيب
[ ١١٠ ]
ومن فحول شعراء الأندلس؛ مالكُ أزمّة القريض، وماسك راية التَّصريح فيه والتَّعريض؛ شعرهُ أرقّ من النّسيم، وآنقُ من المُحيَّا الوسيم، الوزير: