الأندلسي الدار، وإن كان قبيح الغلو، شهير الاستهتار، فربما صدرت عنه درر تلحقه بالشعراء الكبار:
فُتِقًتْ لكم ريحُ الجِلاَد بَعْنبَرِ وأمدُّكم فَلَق الصَّباحِ المُسْفِرِ
وجَنَيْتُمُ يَمَرَ الوقائع يانِعًا بالنَّصْر من وَرَق الحَديد الأخْضَر
[ ١٩٢ ]
قال ذو النسبين، ﵁، هذا بيت بديع زاد فيه على قول البحتري:
حَملتْ خمائلُه القديمة ثِقْلَهُ من عَهْد عادٍ غَضّة لم تَذْبل
وضربتُمُ هامَ الكُماةِ ورُعتُم بِيضَ الخُدورِ بكُلِّ لَيْث مُخدِرِ
أبنَيِ العَوالِي السَّمهريِةّ والسّيو فِ المّشْرفيةِ والعَديدِ الأكثر
مَن منكُم الملكُ المُطاعُ كأنه تحت السّوابغ تُبَّعٌ في حِمْيَر
القائد الخيلِ العتاقِ شَوازبًا خُزْرًا إلى لحظ السِّنان الأخْزَر
ومنها يصف الممدوح:
نَحَر القَبُولَ من الدَّبُور وسار في جَمْع الهِرَقْلِ وعَزْمةِ الإسْكندرِ
في فتْيةٍ صَدَأ الدّروعِ عَبيرُهُم وخَلوقُهم عَلقُ النَّجيعِ الأحْمِر
لا يأكلُ السّرحانُ شِلوَ عَقيرهم مما عليه من القَنَا المتكسّر
قوله: لا يأكل السرحان شلو عقيرههم. . . البيت. أي لو يمت لشجاعته حتى تحطم عليه من الرماح ما لا يصل معه الذئب إليه، ولو كان العقير هو الذي عقروه هم لكان البيت هجوا، لأنه كان يصفهم بالتكاثر على واحد.
ومن قوله أيضا يمدح الأمير أبا الفضل جعفر بن علي الأندلسي:
ألَيلتَنَا إذ أرسَلَتْ واردًا وَحْفَا وبتْنا نَرى الجوزَاء في أذنها شَنْفَا
وباتَ لنا ساقٍ يَصُول على الدُّجَى بشَمْعة صُبح لا تُقَطُّ ولا تُطْفَا
[ ١٩٣ ]
ومن مليحها قوله:
يقولون حقْفٌ فوقه خَيْزُرانةٌ أمَا يَعْرفون الخَيزرانَة والحقْفَا
جَعلنا حَشَاياَنا ثِيابَ مُدامِنا وقَدَّت لنا الظلماءُ من جِلْدها لُحْفا
فَمن كَبِدٍ تدُنِى إلى كبدٍ هَوىً ومن شَفَة تُوحِي إلى شَفَةٍ رَشْفا
وقوله منها يشبه نجوم الليل:
فولّت نُجومٌ للثّريّا كأنهّا خَواتيمُ تَبْدُو في بَنان يد تَخْفَى
ومرّ على آثارها دَبَرانُها كصاحب رِدْء كُمِّنَتْ خَيلهُ خَلْفا
وأقبلت الشِّعْرى العَبُوُر مُكبَّةً بِمْرزَمها اليعبوبِ تجنُبه طِرفاْ
وقد بادرتْها أختُها مِن ورائها لِتَخْرق من ثِنْيَيْ مَجرَّتِها سِجْفا
تخَافُ زئيرَ الليثِ يَقْدُم نَثْرًه وبَرْبرَ في الظَّلماء ينِسفُها نَسْفا
كأنّ السّماكَين اللذين تظاهرا على لِبْدَتيه ضامِنان له حَتْفا
فذا رامٌح يُهْوى إليه سِنِانَه وذا أعزلٌ قد عَضَّ أنمُلهَ لَهفا
كأنَّ رقيبَ الليل أجَدُل مَرْقَبٍ يُقَلِّبُ تحت اللّيلِ في ريشه طرْفَا
كأن بني نَعْشٍ ونَعْشا مَطافلٌ بوَجرة قد أضلَلْن في مَهْمَه خَشْفا
كأنّ سُهيَلًا في مَطالع أفْقه مُفارقُ إلفٍ لم يَجِد بعدَه إلفْا
كأن سُهاهَا عاشِقٌ بين عُوَّدٍ فآونةُ يَبْدو وآونةُ يَخْفى
كأنّ مُعلَّى قُطْبها فارسُ له لِواءان مركُوزان قد كَره الزّحْفا
[ ١٩٤ ]
كأنّ قُدامَي النَّسْر والنَّسْرُ واقعٌ قُصصْنَ فلم تَسْمُ الخَوافِي به ضُعْفا
كأنّ أخاهُ حِين دوَّم طائرًا أتَى دون نِصْف البدرِ فاختطف النِّصفا
كأنّ الهَزِيعَ الآبنُوسي لَوْنُه سَرَى بالنَّسيج الخُسْروانّي مُلتفّا
كأنّ ظلامَ اللّيل إذ مال مَيْلَةً صَريعُ مُدَام بات يَشْربها صِرْفا
كأنّ عَمُودَ الفَجْر خاقانُ مَعْشر من التُّرك نادىَ بالنجاشي فاسْتَخفى
كأنّ لِواء الشّمس غُرّةُ جَعفرٍ رأى القِرْن فازدادَت طَلاقَتُه ضِعْفا
وبقية شعر هذا الرجل قعاقع وجعاجع، وثالثة الأثافي والرسوم البلاقع.
والخسرواني: الحرير الرقيق الحسن في الصنعة، منسوب إلى خسرو، أحد ملوك الأكاسرة.
ومنهم الأديب، الشاعر الأريب: