أحمد بن عبد الله بن أحمد
فمن قصائده التي ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعًا قصر عنه حبيب وابن الجهم:
أضحى التنائي بَديلًا من تَدانينا وناب عن طِيب لُقْيانا تَجافينَا
بِتْمُ وبِنِّا فما ابتلَّت جوانحُنا شَوْقاُ إليكم ولا جَفَّت مآقينا
تكاد حين تُناجيكم ضمائُرنا يَقْضي علينا الأسَى لولا تأسِّينا
حالتْ لفقدكُمُ أيّامُنا فغَدتْ سُودًا وكانتْ بكُم بيضًا لَيالينا
إذ جانبُ العَيْشِ طَلْقٌ من تألِّفنا ومَوْرد اللَّهو صافٍ من تَصافِينا
وإذ هَصَرنا غُصون الأنس دانيةً قُطوفُها فجنينَا منه ماشِينَا
لِيُسق عهدُكُم عهدُ السرور فما كُنتم لأرواحِنا إلاّ رياحِينا
مَن مُبْلغُ المُلبِثينَ بانتزاحِهمُ حُزنًا مع الدّهرِ لا يَبلى ويُبْلينا
أنّ الزّمان الذي ما زال يُضحكنا أنسًا بقُربهمُ قد عادَ يُبكينا
غيظَ العِدَا من تَساقينا الهوَى فدعَوْا بأنْ نَغَصَّ فقالَ الدهرُ آمينا
[ ١٦٤ ]
وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فقال:
وليلٍ أدمْنا فيه شُربَ مُدامةٍ إلى أنْ بدَا للِصُّبح في اللَّيل تأشيرُ
وجاَءت نُجومُ اللَّيل تَضربُ في الدُّجى فولّت نُجومُ اللّيلِ واللّيلُ مَقْهور
فَجُزْنَا من اللَّذات أطْيبَ طِيبها ولم يْعرُنَا هَمٌ ولا عاق تَكْدير
خَلا أنّه لو طالَ دامتْ مَسرَّتي ولكنْ ليالي الدّهِر فيهنَّ تقصير
ومن قوله:
بيني وبينَك ما لو شئتَ لم يَضِعِ سِرٌّ إذَا ذَاعت الأسرار لم يَذعِ
يا بائعا حظَّه منّي ولو بُذلت لِيَ الحياةُ بحظي منك لم أبعِ
حَسْبي بأنّك إنْ حَمَّلت قلبيَ ما لا تَستطيع قُلوبُ الناس يَستطِع
تِهْ احتمِلْ، واستَطل أصْبرْ، وعِزَّأهُنْ وَوَلِ أقبِلْ، وقُل أسمِعْ، ومُرْ أطع
هذا أحسن ما قيل في هذا الباب، لما فيه من ذكر الجواب لكل حرف من حروف الأمر، وخلو بيت أبي الطيب المتنبي:
أقِل أنِل اقْطع احْمِل عَلِّ سَلِّ أعِدْ زِدْ هَشَّ بَشَّ تَفضَّلْ ادْنُ سُرَّصيل
[ ١٦٥ ]
ولبعض أهل ذلك العصر، وهو أقل تكلفا وأيسر تعسفا:
فَدُم وابِقَ واسلَم واستطلْ عزَّةً وصِلِ وسُدْ وارْقَ واغْنَم واستزِدْ رفعةً واسْمُ
فلن يَتنافَى اثنانِ رأيُك والنُّهي ولن يتَلاقى اثنان فعلُك والذَّمُ
ولأبي الفرج الأصبهاني مؤلف كتاب الأغاني:
يا فرحةَ الهِّم بعد اليأسِ من فرجٍ يا فرحةَ الأمن بعد الرَّوع والوهَلَ
اسلَم ودُمْ وابقَ واملك وانمُ واسمُ وزِد وأعْطِ وامْنَع وضُر وانْفَع وصِل وَصُلِ
وكان الأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر، ذي اليمينين:
يا من يُحاول أن تكونَ صِفاتُه كخِصال عبد الله أنْصِتْ واسمعِ
أصدُق وعِفَّ وَجُد وأنصفْ واحْتَمِل واصفَح وكافِ ودَارِ واحلُم واشْجُع
وكان مجلس ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون منحطًا عن مجلس السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد، ابن السلطان أبي عمرو عباد، في القعود لإنقاذ أوامر أبيه، إذ كان لما هاجر إليه من قرطبة تلقاه بأعلى المحل، وعول عليه في العقد والحل، فكتب إليه المعتمد:
أيُّها المنحُّط عني مجلسًا ولَه في النَّفسِ أعلى مَجْلسِ
بِفؤداي لك حبٌ يقتضي أن تُرى تُحملُ فوق الأرؤُسِ
[ ١٦٦ ]
فراجعه ابن زيدون:
أسقيطُ الطلِّ فوق النَّرجِس أم نَسيمُ الرَّوض تحت الجِنْدسِ
أم قريضٌ جاءني عن ملك مالك بالبِّر رِقَّ الأنفس
يا جمالَ الموكب الغادِي إذا سارَ فيه يا بهاَء المجلسِ
شرُفَتْ بِكْرُ المعالي خِطبةً بكَ فانْعم بسرُور المَغْرس
وارتشفْ مَعْسُول ثغرٍ أشتنبٍ تَجتنيه من مُجَاج اللُّعس
واغتبق بالسَّعد في دَسْت المُنَى يصبحُ الصّنعِ دهاق الأكؤُسِ
فاعتراضُ الدّهر فيما شِئتَه مرتَقًى في صَدره لم يَهْجس
وكان ابن زيدون زعيم الوزراء القرطبية، ونشأة دولتها السنية؛ حتى صار ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها. وكان بينه وبين رئيسها الحسيب أبي الحزم ابن جهور ائتلاف الفرقدين، واتصال الأذن بالعين؛ فلما صار تدبير ملك قرطبة إليه، ومدار أمرها عليه؛ طلب ابن زيدون طلبًا أصاره إلى الاعتقال؛ وقصره عن
[ ١٦٧ ]
الوخد والإرقال؛ وكان له فيه أمداح بهرت بنظامها، وظهرت كالبدور عند تمامها. فكتب إليه:
بَني جَهورٍ انتُمْ سماءُ رياسةٍ مَنَاقبكم في أفْقها انجمٌ زُهْرُ
طريقتكُم مُثْلَى وهديُكُم رِضًا ومَذهبُكم قَصْدٌ ونالمكم غَمْر
عطاءٌ ولا مَنٌ وحُكْمٌ ولا هَوىً وحِلْم ولا عَجز وعزّ ولا كبْرُ
وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه:
بني جَهورٍ أحرقُتُم بجفائكم ضمِيري فما بالُ المَدائح تَعْبَقُ
تعدّونني كالعَنْبِر الوَرْد إنما تَطيب لكم أنفاسُه حين يُحْرَق
ثم كتب إليه:
قُل للوزير وقد قَطعتُ بمَدْحه عُمري فكان السِّجن منه ثَوابي
لم تَعْدُ في أمري الصّوابَ مُوفَّقًا هذا جزاء الشَّاعِر الكذَّابِ
ثم إنه أعمل لنفسه في الخلاص من سجنه حيلا، واتخذ الليل للهرب جملا. فقطع في ليلة واحدة ما بين قرطبة وإشبيلية من المفاوز والمراحل، ومسافتها ثلاثة أيام لو أخذت الرواحل. ولما اتصل خبر وصوله بأبي عمرو عباد، وهو يومئذ سلطان تلك البلاد؛ تلقاه في جماعة من جماهير الكماة، ومشاهير العلماء والقضاة؛ فألقى مقاليد وزارته وجميع أمور دولته إليه، وأفاض الحلع والسوابغ عليه.
[ ١٦٨ ]