ابن الوزير الكبير، الطبيب النحير، أبي مروان عبد الملك؛ ابن وزير ذلك الدهر وعظيمه، فيلسوف ذلك العصر وحكيمه؛ أبي العلاء زهر، ابن الوزير الكبير أبي مروان عبد الملك، الراحل إلى المشرق، وبه تطبب زمانًا طويلا وتولى رياسة الطب ببغداد، ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن مدينة دانية، وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بذ أهل زمانه. ومات بدانية. وأبوه الوزير الفقيه العالم أبو بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي النسب العالم بالرأي والحافظ للأدب. وكان حاذقًا في الفتوى، مقدما في الشورى، متفننا في العلوم، وسيمًا فاضلا، جمع الرواية والدراية. توفي بطليرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة. حدث عنه جماعة من علماء الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل، والجود والبذل.
حدثني شيخنا المبدأ بذكره، وهو الوزير أبو بكر، عن جده الوزير أبي العلاء بجميع تواليفه وشعره. وتوفي الوزير أبو العلاء بمدينة قرطبة، ممتحنًا من نغلة. بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة.
[ ٢٠٣ ]
والذي انفرد شيخنا به وانقادت لتخيله طباعه، وأصارت النبهاء خوله وأتباعه: الموشحات، وهي زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته. وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق. وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق، فمن ذلك قوله:
سَدلْنَ ظَلامَ الشُّعورْ على أَوْجهٍ كالبُدورْ
سَفَرَن فلاح الصباحْ
هَزَزن قُدودُ الرِّماحْ
ضِحِكن ابِتَسامَ الأقاحْ
كأّنَّ الذي في النُّحور تخَّيرنَ منه الثُّغورْ
سَلُوا مُقلَتَيْ ساحرْ
عن السّحر والسّاحِر
وعن نَظرٍ حائر
يَريشُ سهامَ الفُتورْ ويَرمي خَبايَا الصُّدورْ
لقد هِمْتَ ويَحِي بِهَا
وذُلّل قَلْبي لها
أمَا والهوىَ إنَّها
[ ٢٠٤ ]
لَظَبْيُ كِناسٍ نَفُورْ تَغارُ عليه الخُدورْ
حُرِمتُ لذيذَ الكَرَى
سَهِرْتُ ونام الوَرى
تُرَى ليت شِعْري تُرَى
أساعدتُ لَيْلي شُهورْ أمِ اللّيلُ حولي يَدُورْ
ظَفرتْ بصَبٍّ كَئِيب
فنكّد وعذِّبْ وجُورْ أسرفْ غُلامك صَبُورْ
وقوله:
أيّها السّاقي إليك المُشتكَى قد دعونَاك وإن لم تَسْمَع
ونَديمٍ هِمتُ في غُرَّتِهِ
وسَقَاني الرّاح من راحتِه
كلما استيقَظَ من سَكْرته
جذب الزِّقّ إليه واتّكَا وسقَاني أربعًا في أربعِ
ليس لي صبرٌ ولا لي جَلَدُ
ما لِقومي عذَلُوا واجتهدوا
أنكُروا شَكْواي ممّا أجد
[ ٢٠٥ ]
مثلُ حالي حقُّها أن تُشتكَي كَمَدُ اليأس وذلُّ الطَّمَع
غُصنُ بانٍ مال من حيثُ استوى
بات من يهواهُ من فرط الجوى
خافقَ الأحشاء موهُون القُوى
كلما فكَّر في البين بكَى ماله يبكي لما لم يَقع
ما لعيني شُغِفت بالنَّظر
أنكرتْ بعدك ضوءَ القَمر
فإذا ما شِئْتَ فاسْمع خَبَري
عَشِيتْ عَيناي من طُول البُكَا وبكَى بَعْضي على بَعضِي مَعِي
الشغاف: حجاب القلب؛ وقيل: سويداؤه؛ وهو الشغف أيضا، بالعين المهملة.
قال الله العظيم: (قد شغفها حبًا). وشغفة القلب: أعلاه، وهو معلق النياط. قال أبو عبيد: المشغوف: الذي بلغ حبه شغاف قلبه؛ وبالعين المهملة: الذي خلص الحب إلى قلبه فأحرقه.
وكان شيخنا الوزير أبو بكر - ﵀ - بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطلب عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب
[ ٢٠٦ ]
صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا. واستجزته في جميع تصانيف
أسلافه وتصانيفه، وجميع شعره ونثره وتواليفه.
ومن شعره:
وموسدين على الأكفّ خُدودَهم قد غالَهم نومُ الصَّباح وغَالَنِي
ما زِلُت أسقيهمْ وأشربُ فَضْلَهم حتى سكرتُ ونالَهم ما نالني
والخَمر تعلم كيف تَطلبُ ثأرَها إني أملْتُ إناءها فأمَالنَي
ومن شعره:
رمتْ كبدي أختُ السِّماك فَأقصدتْ ألاَ بأبي رَامٍ يُصيب ولا يُخطشي
قريبةُ ما بين الخَلاخِل إن مَشَتْ بعيدةُ ما بين القِلادة والقُرْط
نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي
سألته ﵀ عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة. وبلغتني وفاته آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة
[ ٢٠٧ ]
وأنشدني الوزير الكاتب أبو الحكم علي، ابن الوزير الأعلى أبي بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن كميل بن عبد العزيز بن هارون اللخمي قال: أنشدني أبي لنفسه:
قد هَززتاك في المكَارم غُصْنَا واستَلَمنَاك في النَّوائب رُكنَا
ووجدنا الزمَّان قد لاَنَ عِطْفًا وتأتىَّ فِعلًا وأشْرَق حُسنا
فإنها ما سألتَه كان سَمْحًا وإذا ما هززتَه كان لَدْنا
مؤِثرًا أحسنَ الخلائِقِ لا يع رف ضَنًاّ ولا يُكذِّب ظَنّا
أنتَ ماءُ السماء اخصَبَ وَاد يه ورفَّت رياضُه فانْتَجعنا
نَزَعتْ بي إلى ودادِك نَفْسٌ قلَّما استمتعتْ بذي الفَضْلِ خِدْنا
وأنشدني له وقد ودع. . . . . .
في ذمَّة المَجْد والعَلْياءِ مُرتَحِلٌ فارقتُ صَبْرِيَ مذ فارقتُ موضِعَهُ
ضاءتْ به برهةً أرجاءُ قُرْطبة ثم استقلَّ فَسَرَّ البَيْنُ مَطْلَعه
والوزير أبو الحكم هذا يعرف أبوه بابن المرخي. وصوابه عند أهل النحو:
المرخي، بفتح الخاء. وهو من أهل قرطبة، وأصلهم من شرانة، قرية من قرى
[ ٢٠٨ ]
شريش شذونة. وكان أبوه بذ أهل وقته في الكتابة والأدب، واللغة وأنساب العرب؛ وكان وزيرا جليلًا بوزارة السلاطين بقرطبة، وكان ينتفع به الناس لحسن وساطته، ومبادرته إلى قضاء حوائج الناس ومشاركته.
أخذت عن ولده الوزير: أبي الحكم جميع ما رواه عن أبيه وعن غيره من أشياخ قرطبة، منهم ابن عمه الوزير الكبير أبو جعفر بن عبد العزيز. وأخذت عنه استدراكه على الوزير أبي عبيد البكري في معجم ما استعجم، وذلك نحو من أربعمائة موضع. وسمعت من لفظه أوهام ابن قتيبة في المعارف. وصحبته كثيرا، وأخذت عنه فضلًا غزيرا، واستجزته في جميع ما رواه، وألفه، فأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو. وسألته عن مولده، فقال: ولدت آخر سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي ﵀ بحضرة مراكش سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وشهدت جنازته.
[ ٢٠٩ ]
وصاحب أحكام القضاء بمدينة مالقة، الفقيه العالم:
أبو الحسن صالح بن عبد الملك.