أحمد بنُ محمدِ بنِ أحمد بنِ بُرد
مولى أبي عامر بن شهيد المبدع في التشبيه والتمثيل، والبارع في المحاكاة والتخييل، من أهل بيت جليل.
له رسالة في السيف والقلم والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ذلك بالأندلس.
وله في النرجس، وأهل الأندلس يسمونه البهار، واسمه في اللغة العبهر:
تنبَّه فقد شقَّ البَهارُ مغلِّسا كمائمَه عن نُوره الخَضِل النِّدي
مَداهنُ تِبْرٍ في أنامل فضّة على أذْرُع مَخْروطةٍ من زَبَرْجد
وهذا من مليح التشبيهات في النرجس، وبديعها وغريبها وصنيعها. واكثر ما تواردت خواطر الشعراء على تشبيهه بالعيون المراض، كقول أبي عبد الله محمد بن الحسن الكاتب من شعراء جزيرة صقلية، أعادها الله بعزته على الإسلام:
بخدّك آسٌ وتفّاحةٌ وعَينك نَرْجسةٌ ذابِلَهْ
وريقُك من طِيبه قَهوةٌ فوجُهك لي دَعْوة كامله
[ ١٢٧ ]
وقال آخر من أهل العصر:
غَزالٌ له في كُلّ عضو محاسنٌ يقومُ لخَلاّع العِذار به العُذْرُ
فوجنتُه وردٌ وعيناه نرجسٌ ومَبْسِمه كأسٌ وريقُته خمرُ
وهو تشبيه غير أنيق، إذا حك بمحك التحقيق؛ لان بين نرجس الحدائق والأحداق، الموصوفة بالدعج وتكحيل الآماق؛ من التباين ما بين الأضداد، وليس يحسن أن تحل الصفرة في موضع السواد؛ فتشبيهه بعيون الهرر أولى من تشبيهه بعيون الناس، في حكم القياس. وإنما حسن تشببهه بذلك لموضع إحاطة البياض بالصفرة، كإحاطة بياض العين بسوادها فقط. وليس تشبيههم الخدود بالورد من
هذا النمط؛ فإنها تشبهها في تضرجها بالحمرة ونعومتها، ونداها ونضرتها. وكذلك الأقاح بالثغور. والأقاح: جمع الأقحوان؛ لان له ورقا ابيض يشبه الثغر به. وقد لاحظنا في هذا المعنى ما لم نعلم أحدًا ممن عنى بنقد الشعر قبلنا لاحظه، ولا كشف قناع معناه.
ولأبى نواس مقاطيع في تفضيل النرجس على الورد، منها المقطوع الذي أوله:
أين الخدودُ من العيون نفاسَةً ورياسةً لولا القياسُ الفاسدُ
[ ١٢٨ ]
اللغة: يقال: أخضلت الشيء: إذا بللته، وخضل، أي رطب - ولابن برد هذا:
لما بدا في الَّلازَوَرْ ديِّ الحرير وقد بَهْر
كبَّرتُ من فرط الجما ل وقلت ما هذا بَشَر
فأجابني لا تُنكِرَنْ ثوبَ السماء على القمر
وأنشدني الوزير الكاتب الناظم، الناثر أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور بمنزله بمدينة شاطبة قال: أنشدنا الفقيه الأجل، العالم الأكمل، الزاهد الأفضل قاضي القضاة، وعلم الرواة، أبو علي محمد بن حسين الصدفي، يعرف بابن سكرة، قال: أنشدنا الفقيه الأجل أبو زيد عبد الرحمن بن شاطر السرقسطي لنفسه، وكان نسيج وحده، وشاعر بلده:
ولائمةٍ لي إذ رأتْني مُشمِّرًا أهَرْولُ في سُبْلِ الصبا خالِعَ العُذْرِ
تقول تنبّه ويكَ من رَقدة الصِّبا فقد دَبّ صبُح الشَّيب في غَسَق الشَّعْرِ
فقلت لها كُفّى عن العَتْب واعلمي بأنّ ألذَّ النّوم إغفاءةُ الفَجْر
[ ١٢٩ ]
وتنسك هذا الرجل في آخر عمره، وراجع بصيرته في مستأنف أمره.
وأنشدني غير واحد من شيوخي - ﵏ - للأديب العالم أبي علي إدريس ابن اليمان من أهل جزيرة يابسة، وقد رأيت هذه الجزيرة، وهي ضد اسمها، لكثرة شجرها وخصبها.
وقد أجاز لنا الثقة أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، نسيب ابن البطي، وابن ينيمان الهمداني، قالا: أنبأنا الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أنشدني عنه أبو عثمان خلف بن هرون القطيني من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال الدولة على بن مجاهد العامري:
ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فُرغًَّا حتى إذا ملئت بصرف الرّاحِ
خفت فكادَت تستطير بما حَوَت وكذا الجسوم تَخفُّ بالأرواحِ
قال الحميدي: ومما يستحسن له في صفة الدرق:
إلى مُوشَّجة الأبشار من دَرَق يكاد منها صَفَا الفُولاذ يَنفطرُ
مؤنّثات ولكن كلّما قُرعت تأنّث الرُّمح والصَّمصامة الذكر
[ ١٣٠ ]
وأنشدنا الفقيه الأستاذ المحرز لقصب السبق في كل خير، أبو بكر محمد بن خير، قال: أنشدنا غير واحد، قالوا: أنشدنا الوزير أبو الحسين سراج بن عبد الملك ابن سراج، كبير دار الخلافة، المنفرد بالشرف والإنافة؛ يخاطب الملك الراضي ابن المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد.
قال ذو النسبين ﵁: وقد أدركت جماعة من أصحاب أبي الحسين ابن سراج، ورحلت إلى قرطبة أم بلاد الأندلس، فأنشدني الشيخ الفقيه المحدث المؤرخ القاضي بأركش أبو القاسم بن بشكوال، قال: أنشدنا أبو القاسم خلف بن عمر صاحبنا، قال: أنشدنا أبو الحسين بن سراج لنفسه:
بُثَّ الصّنائعَ لا تَحفل بموقِعها من آمل شَكَر الإحسان أو كَفراَ
فالغيثُ ليس يبالي أينما انسكَبتْ منه الغمائِمُ تُربًا كان أو حَجراَ
قيدنا بث الصنائع بفتح الثاء، إذ الفتحة أخف الحركات والعرب تؤثرها. ويجوز كسر الثاء لالتقاء الساكنين، كما روى النحويون بيت الحرير:
فغُضّ الطّرف إنّك من نُمَير فلا كَعْبًا بلغَت ولا كِلاَبَا
فجوزوا كسر الضاد من غض لالتقاء الساكنين، وفتحها لخفة الفتحة، وضمها على اتباع الضمة قبلها وهو أضعفها. وله نظائر في النحو كثيرة.
[ ١٣١ ]
وأنشدونا له أيضا:
قالوا به صُفرةٌ عابت محاسَنه فقلتُ ما ذاك من داء به نَزلاَ
عَيناه تُطلب من ثأرٍ بما قَتلت فليس تَلقاه إلا خائفا وجِلا
وأنشدونا للفقيه الأجل المؤرخ صاحب الرحلة المذكورة، والتصانيف المشهورة، أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي، القاضي بمدينة بلنسية:
إنّ الذي أصبحتُ طَوْعَ يَمينه إنْ لم يكن قمرًا فليس بدُونِهِ
ذُلّي له في الحُبّ من سُلطانه وسَقَام جِسْمي من سَقام جفُونه
وممن اشتهر عندنا بالشعر والأدب، ونظم منه مثل. الدرر وصاغ سبيه الذهب، إلا أنه أفرط في الإقذاع في الهجو فهجر لهذا السبب: