وكان فردًا في الكتابة والشعر والخطابة، فمن شعره:
متى وعدْتُك في تَرْك الصَّبا عِدَةً فاشْهدْ على عِدَتي بالزُّور والكَذِبِ
أمَا تَرى اللّيلَ قد ولَّتْ عساكُره وأقبلَ الصُّبحُ في جَيْشٍ له لَجِب
وجدَّ في أثَر الجَوْزاءِ يَطْلُبها في الجو رَكْضَ هلالٍ دائِم الطَّلب
كصَوْلجانِ لُجين في يَديْ مَلِكٍ أدناهُ من كُرةٍ صِيغت من الذّهب
فقُم بنا نَصطبح صَفْراَء صافيةُ كالنّار لكنَّها نارٌ بلا لَهب
[ ٢٢٦ ]
وله:
انْظر إلى البَدر الذي لاحَ لكْ في وسَطِ الُّلجَّة تحت الحَلَكْ
قد جَعلَ البحرَ سماءً له واتخذ الفُلكَ مكانَ الفَلكْ
وله أيضا وقد لسبت بعض سادات المغرب عقيرب، فقال وأجاد المقال:
هَجَر الشَّولَةَ قلبُ العقربِ وجَفاها بالمَكان الأقرب
ثم قالَت أنُجمُ الأفْق لها أنتِ منَّا كالبَعِيرِ الأجرب
لك أختٌ في الثَّرى قد لَسَبَت سيّدًا من خَير أهل المغرب
فأجابتَهْا وقالت إنما غِرت من أخْمَصه إذ مرَّ بي
يَبتغي عند النُّعامَي مَوردًا قَد دعاهُ منه عَذْبَ المشرب
فتغيّظتُ عليه غَيْرةً قلتُ للأخت بها ويكِ اضْربي
يا سَريِّا قد شكا أخْمصَه حُمَةً مسَّتْ نفوسَ العَرب
ليتها في مُقْلتي أو كَبدِي لَسَبَتْ إبرةُ تلك العقرب
تتمنّى النَّعْلُ لو سِيقت لها من قُرَى الطّائف أو من يَثرِب
قال علماء اللغة: لسبته العقرب ولسعته، والاختيار أن يقال لكل ما يضرب بفيه: لدغ؛ ولكل ضارب بمؤخره: لسع، ولكل قابض بأسنانه
: نهش. يقال: نهشته الحية، بالشين؛ ونهسته، بالسين، ونكزته، ونشطته، ولسعته. فالنكز: بأنفها؛ والنشط: بأنيابها.
[ ٢٢٧ ]
والرياح أربع من أربع نواحي العالم: الشمال بفتح الشين، وفيها ست لغات. ذكرها الإمام أبو بكر الأنباري في شرح المعلقات له: شمال، بإثبات الألف من غير همزة؛ وشمأل، بإثبات همزة بعد الميم؛ وشأمل، بإثبات همزة قبل الميم؛ وشمل، بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف ولا همزة؛ وشمل، بفتح الشين وإسكان الميم، وشمول، بإثبات الواو. وقد احتج ابن الأنباري لها بشواهد كثيرة. وهي التي تجري على يمينك إذا استقبلت قبلة العراق، وهي في الصيف حارة، واسمها
البارح، والجمع البوارح؛ والجنوب تقابلها. والصبا من مطلع الشمس، وهي القبول؛ والدبور تقابلها، وهي التي تهب من دبر الكعبة، وفيها خشونة وشدة، وهي تمحو السحاب وتثير العجاج. ويقال للصبا: أَيْرٌ، وهَيْرٌ، وأَيِّرٌ، وهَيِّرٌ، على مثال فيعل. ويقال للشمال: مَحْوة، غير مصروفة؛ وللجنوب: النُّعَامي والأزيب. شملت الريح، إذا صارت شمالا؛ ودبرت، إذا صادت دبورا؛ وجنبت، إذا صارت جنوبا؛ وصبت، إذا صارت صبا؛ كل ذلك بغير ألف. ويقال: أشمل القوم، وأجنبوا. وأصبوا، إذا دخلوا في الشمال والجنوب والصبا.
فالشمال، هي الريح الشامية. والجنوب، هي الريح اليمانية، وتسمى النعامي والأزيب، كما قدمناه. وهي تهب من ناحية سهيل. والصبا: هي الريح الشرقية. ويقال لها: القبول، تهب من مطلع الشمس. والدبور: هي الريح الغربية، يابسة جافية، ليس فيها ندوة. وأفضل هذه الرياح في جميع الأزمان ريح الصبا،
[ ٢٢٨ ]
لها نسيم وروح، وتشويق إلى الأحباب والأوطان، وجلاء للهموم والأحزان، وبها نصر الله العظيم سيد أهل الإيمان. ثبت باتفاق أن رسول الله ﷺ قال: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. وقال امرؤ القيس:
إذا قَامتَا تَضَوَّع المسكُ منهما نَسِيمَ الصَّبا جاَءتْ بريَّا القَرنْفُلِ
تضوع، أي فاح متفرقا. ونسيم الصبا: تنسمها وهبوبها بضعف. وريا القرنفل: رائحته. ونصب نسيم الصبا لأنه قام مقام نعت لمصدر محذوف، والتقدير: إذا قامتا تضوع المسك منهما تضوعًا مثل تَضَوٌّعِ نسيم الصبا. ومنهما يعود على أم الحويرث، وقال الشاعر:
ألا يا صَبَا نَجْدٍ متى هِجْت من نَجد فقد زَادَنِي مَسراك وجدًا على وجْد
وقال الآخر، وهو المجنون:
أيا جَبلي نَعمان بالله خّلِيَا سَبيل الصَّبا يَحْلُص إلىّ نسيمُها
فإن الصّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمت على نفِس مَحزوِن تجلَّت هُمومها
أجِدْ بَرْدَها أو تَشْف مني حرارةً على كَبِد لم يَبْق إلا صَمِيمها
[ ٢٢٩ ]
الأستاذ المحدث الفقيه النحوي الأصولي:
أبو القاسم السهيلي
أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن احمد بن أبي الحسن، واسمه: أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل للأندلس. هكذا أملي على نسبه، وقال: إنه من ولد أبي رويحة الخثعمي الذي عقد له رسول الله ﷺ لواء عام الفتح، ذكره أهل السير. نشأ بمالقة، وبها تعرف، وفي أكنافها تصرف؛ حتى بزغت في البلاغة شمسه، ونزعت به إلى مطامح الهمم نفسه. أخبرني انه قرأ القرآن العظيم جمعًا وإفرادًا على المقرئ الشهير أبي علي الحسين بن منصور بن الأحدب، ﵀، ثم قراه أيضا بالمقرأين: مقرأ نافع، وابن كثير، على الأستاذ المقرئ أبي الحسن علي بن عيسى المروي، نزيل مالقة. وقرأ الكتاب العزيز أيضا بالمقارئ الأربعة، وشيئا من العربية على المقرئ النحوي الزاهد الضرير أبي مروان عبد الملك بن مجير، وسمع على الإمام أبي عبد الله محمد بن معمر. وسمع كتاب الهداية لأبي العباس المهدوي على الشيخ الفقيه الأستاذ النحوي أبي عبد الله محمد بن سليمان، يعرف
[ ٢٣٠ ]
بابن أخت غانم. وقرأ الموطأ تفقها وعرضا، ومنتخب الأحكام لابن أبي زمنين على الفقيه المحدث أبي محمد عبد الرشيد المالقي. وسمع الموطأ على خال أبيه الفقيه المحدث الخطيب الظاهري أبي الحسن علي بن عياش. توفي بصحراء قديد راجعًا من زيارة قبر المصطفى ﷺ. وقرأ النحو على الأستاذ أبي الحسين سليمان بن الطراوة الشيباني، فلما مات قرأ على الأستاذ النحوي الفقيه أبي محمد القاسم بن دحمان. ورحل إلى قرطبة، فقرأ القرآن العظيم بالمقارئ السبعة. على المقرئ أبي
داود سليمان بن يحيى بمسجده بباب الجوز، وقال لي عنه: كان يحمل أبي رحمهما الله. ثم قرأ الكتاب العزيز بالمقارئ الثلاثة بجامع قرطبة على المقرئ بها، الخطيب بجامعها؛ أبي القاسم عبد الرحمن ابن رضا، وسمع على الفقيه الحافظ أبي عبد الله محمد بن نجاح الذهبي القرطبي، وعلى الوزير الأديب أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي. ثم رحل إلى إشبيلية، فلزم القاضي الإمام أبا بكر بن العربي فأخذ عنه كثيرا من الحديث والأصول والتفسير، ثم سمع على المحدث الجليل أبي بكر محمد بن طاهر القيسي
[ ٢٣١ ]
الإشبيلي جملة من الحديث، وسمع على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد، ولزم الأستاذ الماهر النحوي أبا القاسم بن الرماك فلقن عنه فوائد في النحو. وكان لقي قبله الأستاذ الإمام النحوي الزاهد، أبا القاسم بن الأبرش، فلقن عنه فوائد في النحو. وأجاز له المحدث الراحل إلى مدينة السلام أبو الحسن عباد بن سرحان والقاضي الإمام العالم الأوحد أبو القاسم بن ورد، إلى جماعة من العلماء والنحاة والأدباء ﵏ جميعهم، وجعل الرحم خدينهم وكميعهم؛ وكان ﵀ أقام للتصريف وعلل النحو برهانا، وتيم ألبابا وأذهانا؛ فترشف من ماء العربية أتى مزنه، وتوطأ من أكنافها كل سهله وحزنه؛ وأفاض على الطلبة من سجله، وجلب على النحاة بخيله ورجله؛ وتلقى الراية باليمين، وحوى الغاية بالهزيل والسمين؛ وكان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف؛ إلى أن وصلت إليه، وصحح الروض الأنف بين يديه فطلعت به إلى حضرة مراكش فأوقفت الحضرة عليه؛ فأمروا بوصوله إلى حضرتهم، وبذلوا له من مراكبهم وخيلهم ونعمتهم؛ وقوبل بمكارم الأخلاق، وأزال الله عنه علام الإملاق؛ واستقبل بالجاه الجسيم، والوجه الوسيم؛ وفي كل يوم يجنيهم من حديثه أزهارا، ويقطفهم من ملحه آسا وبهارا؛ حتى حسده الطلبة وجردوا لملامه حساما،
[ ٢٣٢ ]
وحددوا للكلام فصولا وأقساما؛ وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عسا وذبل
عوده. وذهب العيش وأفل سعوده؛ فعندما عاش مات، وهيهات من الانقطاع لغير الله هيهات؛ فتفرد في لحده ومهاده، وتوحد في نجده ووهاده؛ وتوسد التراب والصفيح، وتوهد اليباب والفيح، ولسان حاله ينشد ما أنشدنيه غير واحد، منهم شيخنا الإمام المقرئ النحوي الزاهد: أبو القاسم عبد الرحمن ابن غالب بن الشراط، قالوا: أنشدنا الأستاذ اللغوي النحوي أديب أهل زمانه، أبو طاهر محمد بن يوسف التميمي:
هأنذا في التّراب وَحّدِي فلا ظَهِيٌر ولا نَصِيرُ
بالله هَبْ لي دُعاَء صِدْقٍ يَسْمُو به باعِيَ القَصيرُ
أسرفتُ يا رَبّ في خطَايَا أنتَ بها عالمٌ بَصير
فامنُنْ بعفْوٍ وجُد برُحْمَي إليكَ يا ربّيَ المَصِير
وكان مقامه بالحضرة نحوًا من ثلاثة أعوام، كلها أضغاث أحلام، سألته عن مولده، فأخبرني انه ولد سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي ﵀ بحضرة مراكش يوم الخميس، ودفن ظهره، وهو اليوم السادس والعشرون من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة. قرأت عليه وسمعت كثيرا من أماليه التي أملاها في معاني الكتاب العزيز وأنواره، ودقائق النحو وأسراره، وغوامض علم الأصول
[ ٢٣٣ ]
وأغواره. وأنشدني ﵀، وذكر لي انه ما سأل الله بها حاجة إلا أعطاه إياها، وكذلك من استعمل إنشادها:
يا من يَرى ما في الضمير ويسمَعُ أنت المُعّدُّ لكل ما يتُوقَّعُ
يا من يُرجَّى للشدائِد كلَّها يا مَن إليه المُشتكَى والمَفزَعُ
يا من خزائنُ رِزْقه في قولِ كُن امنُنْ فإن الخيرَ عندك اجمع
ما لي سِوَى فقرِي إليك وسيلةٌ فبالافتقارِ إليك فَقْرِي أدفع
ما لي سوى قَرْعِي لبابِك حِيلةٌ فلئنْ رَدَدْتَ فأيَّ بابٍ أقرع
ومَن الذي أدعُو وأهْتِف باسمه إن كان فَضْلُكَ عن فقيرٍ يُمنع
حاشا لمجِدك أن تُقنَّط عاصيًا الفَضْلُ أجزلُ والمَواهبُ أوسع
أما رفع أجمع في هذا البيت، فيجوز أن يكون توكيدا لمكان إنّ الابتدائية، إذ موضعها الابتداء، وهي مؤكدة للجملة، لم تغير معناها وإن غيرت لفظها. ألا تراهم قد عطفو على اسمها بالرفع، وهو إذا استوفت خبراها، نحو: إن زيدًا قائم وعمرو، وإذا لم تستوف خبرها فلا يجيز البصريون ذلك. وذلك انك إذا قلت: إنك وزيد قائمان، وجب أن يكون زيد مرفوعا بالابتداء، ويكون عاملا في خبر زيد، وإنّ عاملة في خبر الكاف. ولا يجوز اجتماع عاملين على معمول واحد. وأما الكوفيون فاختلفوا، فذهب الكسائي إلى جواز ذلك مطلقا، سواء تبين عمل إنَّ أو لم يتبين، نحو: إن زيدًا وعمرو قائمان، وإنه وبكر منطلقان. واستدل بقوله جل وعلا: (إِنَّ الَّذِين آمَنُوا والَّذِينَ هَادُوا والصَّابِئُون) فعطف
[ ٢٣٤ ]
ورفع. وذهب الفراء إلى انه لا يجوز العطف إلا على ما لا يبين فيه العمل، نحو: إنك وزيد ذاهبان، لأنه بعدم التأثير ضعفت، فجاز العطف كما لو كان على المبتدأ. وإذا كان كذلك جاز أيضا توكيد الموضع بالرفع، والله اعلم.
وأنشدني أيضا يخاطب شيخنا المحدث الفقيه اللغوي النحوي الأصولي أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف، يعرف بابن قرقول، أيام كونه بمدينة سبتة، فلما رحل منها إلى سلا، قال مرتجلا:
ألاَ فسَلاَ عَّمن عَهِدْتُ تَحفّيًا وهل نافِعي إن قُلت من لوَعة سَلاَ
سَلا عن سَلا إن المَعارف والنُّهي بها فَدعا أمَّ الرَّبابِ ومَأسَلاَ
بَكَيتُ أسًى أزمانَ كان بسَبتةٍ فكيف التَأسِّي حين منزلُه سَلا
وقال أناسٌ إنّ في البُعد سَلْوةً وقد طال هذا البُعدُ والقَلبُ ماسلا
فليتَ أبا إسحاق إذ شَّطتِ النَّوى تَحيّتَه الحُسْنى مع الريح أرسلا
فعادت دَبُور الرِّيح عنديَ كالصَّبا لَدَى عُمَرٍ إذ أمرُ زَيْدٍ تَبَسَّلا
هذا البيت حكاية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مع أخيه الشهيد المهاجر، وكان أسن من أخيه وأسلم قبله، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، ثم قتل يوم اليمامة شهيدا.
فقد كان يُهديني الحديثَ مُوصَّلا فأصبح مَوْصولُ الأحاديثُ مُرْسَلا
[ ٢٣٥ ]
وقد كان يَحْيَا العِلْم إذ كان عندنا أوانَ دنَا فالآن بالنأي كَسَّلا
فلله أمٌ بالمريَّة أنجبَتْ به وأبٌ ماذا من الخَير أنْسلا
وإني إلى تلك المَوارِد عاطِشٌ وإن ألبنَ القلبُ المشَوقُ وأعْسَلا
أقمتُ بَشْرقٍ والأمانِي بمَغِربٍ فأصبحتُ في كف الصَّبابة مُنْسِلا
فلو كنتُ من قَيْد الحوادِث مُطْلَقا شَدَدْتُ له كُورًا وأنْضيتُ عَنْسلا
وأرقَلتُ نحو المجد فالمجُد عنده ولم أكُ في التَّطْلاب مّمن تَرسّلا
العنسل: الناقة السريعة.
وتصانيفه كثيرة، فمذهبتها كتاب الروض الأنف، والمشرع الروي، في تفسير ما اشتمل عليه حديث سيرة رسول الله عليه وسلم واحتوى، سمعته عليه. وأنشدني القصيد الذي صنعه فيه، الذي أوله:
من سرَّه أن يُشِيَم الطّرف من شَرفٍ في رَوْضةٍ جّمة الأزهار والطُّرِف
فناظُر القَلْب أولى أن يُنزّهه من المَعارف وسط الرّوضة الأنُف
فقد ألاحَتْ لذي لُبّ أزاهرهُا وقد دعَتْ لجَنَاها كَفَّ مُقْتطف
الأبيات إلى آخرها.
[ ٢٣٦ ]
وأنشدنا ﵀ وقد حضر بين يديه طعام يسمى بالمغرب المُجبَّنات
شَغَفَ الفُؤَادَ نَواعٌم أبكارُ بَرَدتْ فؤادَ الصّبِّ وهي حِرارُ
أذْكى من المِسْك الفَتِيق لناشقٍ وألذُّ من صَهْباَء حين تُدار
صَفَتِ البواطنُ والظَّواهرُ مثلُها لكنْ حكَت ألوانَها الأزهار
فكأنما صافِي اللًّجين قُلوبها وكأنما ألوانُهنّ نُضَار
عَجبٌ لَها وهي النَّعيم تَصوغُها نارٌ، وأين من النَّعيم النار
وأملى عليّ كتاب التعريف والإعلام، فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام وسمعت عليه مسألة رؤية الله تعالى في المنام، ورؤية النبي عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام، وكلامه في حديث الأمة السوداء، وأين الله؟ قالت: في السماء؛ كيف سألها عن الأينية، ولم يسألها عن إثبات إله، فيقول لها: من الرب؟ وأملى عليّ السر في الأعور الدجال، وتفسير قول النبي ﷺ في: (قل هو الله أحد)، أنها تعدل ثلث القرآن. وكلامه على قول الله تعالى: (وماَ منْ دابَّةٍ في الأرْضِ، ولاَ طَائرٍ يَطيرُ بِجنَاحَيْهِ)، وكلامه على الله جل وعلا (يَتفيَّؤُ ظِللُهُ عَنِ اليمَيِن والشَّمائِلِ)، وكلامه على (سبحان الله) بإعرابها وشرحها. وأملى عليّ ﵀ كتاب نتائج الفكر وهو من عجائب الدهر. إلى غير ذلك من مسائله في فنون العلم والنثر والنظم. وقد أجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع
[ ٢٣٧ ]
مروياته، ومسموعاته ومجموعاته، وقال لي يوما: يا عجبا للحريري حيث يقول في بيتيه: قد أمنا أن يعززا بثالث. فقد جاء من عززهما بثالث ورابع وخامس وسادس وسابع وثامن وتاسع وعاشر وحادي عشر وثاني عشر، وأنشد بيتيه:
سِمْ سِمةً تحَسْنُ آثارُها واشكرُ لمن أعطَى ولو سِمْسِمَهْ
والمكَر مهما اسَطْعتَ لا تَأتِه لِتَقْتَنِي السؤددَ والمَكْرُمَهْ
والزيادة على البيتين:
والمَهرَ مَهْرَ العُرس لا تُغْله فإنّه مهما غَلا مَهْرمَهْ
مَن دَمَه صان لحِرْزِ التُّقي لم يَخْش من لَوْم ولا مَنْدمه
مَنْ عَمَهُ القَلْب له شِيمةٌ لم يَدْر ما بُؤسَي ولا مَنْعمه
أب لُمتى إلى الرِّضا واقتسم مالِي معي إنّ شِئْت كالأبْلمه
أب: ارجع. ولمة الجل من على قدر سنه، والأبلمة: الخوصة.
ما الكَمَة المجُتثُّ أعْراقُها إلا كأصل المُرتِضى مْلْكمَهْ
الملكمة: مفعلة من الضرب، يقول: لا يرتضيها إلا من لا أصل له، كالكماة. والكمة: الكمأة، سهل همزتها، فنقل حركتها إلى ما قبلها.
ما الحَمَة السّوداء إلا الوَرَى فلِمْ ترَى بينهمُ مَلْحمه
[ ٢٣٨ ]
الحمة هي الحمأة، مسهل الهمزة.
فالهَينْ مَهلًا لا تلُم هيّنا في خَلْقه واحذر من الهينَمَهْ
الهيمنة: الكلام الخفي.
والهذْرَ مَهْ دعه وكُن نَاطقًا بالقَصد إن العَاب في الهَذْرمَهْ
هذرم في كلامه: إذا خلط؛ ويقال للتخليط: الهذرمة. والهذرمة، أيضا: السرعة في الكلام والشيء. والعاب: العيب
كْم كَمَهٍ وكم عمًى جَرَّه حُبُّ ذواتِ الخمْرُ والكَمْكمه
الكمه: هو الذي يولد أعمى، وقيل: هو الذي لا يبصر في الليل، قاله البخاري في التاريخ، وخالفه الناس، فقالوا: الأعشى، هو الذي لا يبصر بالليل؛ وقيل: الكمه: هو ألاّ يرى شيئا.
وذوات الخمر: النساء. والكمكمة: من زي الحرائر ومن لا يمتهن من النساء. ورأى عمر بن الخطاب ﵁ أَمة مكمكة فضربها بالدرة. وقال: لا تَشبَّهينَ بالحرائر.
وقد وجب أن أجعل لهذا الكتاب نهاية ينتهي إليها، وغاية يقف عندها ولا يزيد عليها؛ فإن شعر من عاصرته من شعراء ذلك العصر، يكاد يخرج عن
[ ٢٣٩ ]
حد الحصر؛ كالفقيه الأديب الشاعر المصيب، أبي محمد عبد الله ابن الفقيه الأستاذ
الأديب؛ أبي عبد الله محمد بن الفقيه الأستاذ اللغوي النحوي، أبي محمد قاسم بن شقريق الرعيني؛ أنشدني كثيرا من شعره، واقتصر آخرا على تقريظ سيدنا أبي عبد الله الحسين ﵇ ووصف مآثره، ونظم جواهر مفاخره؛ راغبا في شفاعة جده، سيد ولد آدم صلى الله وعلى آله من بعده،
سمعت الشيخ الفقيه، رأس العدول بسبته، أبا عبد الله، محمد بن الحسن ابن عان، رأيت رسول الله ﷺ، فقال لي: بشر عبد الله ابن شقريق بالجنة، وأشار بإصبعه المقدسة، إلى وجهه الكريم، فبعد أيام قلائل ظهرت بوجهه بثرة صغيرة جدا، فلم تزل تعظم حتى أتت على جميع وجهه. وتوفي ﵀ منها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في عشر الثمانين سنة، وشهدت جنازته.
ولقيت الوزير الأعلى أحمد بن هردوس، موشى حلل الموشحات، وموشع حبر القصائد المستملحات، وهو القائل في السيد أبي سعيد:
يا ليلَة الوَصْل والسُّعود بالله عُودِي
وكأبي عبد الله الرصافي، الصافية من الأكدار في نظم الأشعار موارده، وكابن السكن البديعة في الفنون الشعرية مقاصده، وكأبي الوليد يونس
[ ٢٤٠ ]
القسطلي الفائقة بقلائد الولائد أراجيوه وقصائده. ومن جرى مجراهم من المجيدين في الجد والهزل، ورقيق النظم الجزل؛ كصاحبنا الوزير أبي القاسم بن البراق، المعدود في الشعراء السباق؛ مررت على بلده ومقره، فخرج إلى متلقيًا مع أهل مصره؛ وقد داسته حوادث الأيام دوسا، وغادرت صعدة قوامه قوسا وهو يسلك مسالك أهل الصبا، ويميل به الأدب طورًا إلى الجنوب وآونة مع الصبا؛ فعاتبته على بذل نفسه في طاعة الهوى جهد الاستطاعة، مع ما أعطاه الله من المعرفة والآداب ونفائس البضاعة؛ فقال لي: إنه كان وبرد شبابه قشيب، وغضن اعتداله رطيب؛ بقميص النُّسك متقمص، وبعلم الحديث متخصص؛ واجتاز يومًا وبيده مجلد من
صحيح مسلم، بقصر بعض الملوك الأكابر، وهو من بعض مناظره ناظر، لكل من هو بمدرجة القصر خاطر؛ وحسن المثاني والمثالث لديه عال، ومجلس انسه بخواص ندمائه حال؛ فقال: اطلعوا لنا بهذا الفقيه فلعلنا نضحك منه ونمازحه، ونجاريه في ميدان الأدب إن كان من أهله ونطارحه؛ فلما مثل بين يديه وحيا، أمر الساقي بمناولته كأس الحُميّا؛ فتقبض متأففا، وأبدى تمعرًا وتقشفًا؛ والسلطان يستغرب ضحكًا من مستغرب حركاته لما هجم الرجل عليه، ويد الساقي ممدودة إليه؛ واتفق في خلال ذلك أن انشقت من ذاتها صراحية من صافي الزجاج، فسال منها
[ ٢٤١ ]
كالسائل من نجيع الذبيح من الأوداج؛ فأظهر السلطان التطير بذلك وجلا، فصرف ذلك عن خاطره بإنشاده على البديهية مرتجلا:
ومجَلْس بالسّرور مُشتملٍ لم يَخْلُ فيه الزّجَاجُ عن أرَبِ
سَرَى بأعْطافه تَرنُّحنا فشقَّ أثوابهُ من الطَّرب
فسر السلطان وسرى عنه، واستحسن سماحة خاطره بهذين البيتين البديعين منه؛ وأمر له بجائزة سنية، وخلعة رائعة بهية.
وقد انتهى ما أمللته من كلام مرتجل، وبديه على عجل؛ ولولا الاستنامة إلى الإغضاء، وأن المبادرة إلى امتثال أمر السلطان أقرب إلى الإرضاء؛ لما أرعفت لليراع أنفا، ولا حملت الروية على الكاتب عنفا؛ لبعد المملوك عن بلاده، وكلب العدو في البحر على كتبه وطارفه وتلاده.
فإن وافق اجتهادي أمله، ووقفت على الغرض الذي سأله، فذلك نكتة من فضله عرضت عليه، وبضاعته ردت إليه؛ ضاعف الله له وعنده مواد الإسعاد، وأخدمه النصر في كل مبدأ، وختم له بالظفر في كل معاد، واهلك أعاديه وأبعدهم إبعاد ثمود وعاد. وصلى الله على سيد ولد آدم وأمينه على وحيه الذي بعثه في أشرف زمان، وجعله من عصمته في ذمة وأمان؛ فجد في علو كلمة الله غير مقصر ولا
وان، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا أهل الزيغ والعدوان:
فهاكَ ما شئتَ من نَظْم له نَسقٌ كالدُّر فُصِّل فامتازتْ فرائُدُه
[ ٢٤٢ ]
لا حُسْنَ إلا الذي حازت جواهُره من البَصِيص وما ضَمَّت قلائُده
أهديتُه لك رَطْبًا لا جُمودَ به وأينَ منَ رَطْبه في الحُسن جامده
ونَفَّقته العُلا في سُوق مَجْدك إذ رأتْه وهو مُضَاعُ النَّيْل كاسِده
وحيثُ أنت فثَّم الفضلُ أجمعه عليك ميَسمُه بادٍ وشاهده
فيابْنَ خيرِ مُلوك الأرضِ دعوةُ من صِيغتْ من الشَّرف السّامي قواعده
في قَبْضة العُدْمِ لا جِدٌّ يجدّ له فيما يَرُوم ولا سَعْدٌ يُساعده
ولا حَميمٌ سِوَى شَجْوٍ يُردِّده بين الجَوانح أو هَمِّ يُكابده
لولاك يا كاملَ الأوصاف لانْفصمتْ عُرَى أمانِيه وانسدّتْ مَقاصِده
لمّا اشتغلتَ به فِكْرًا وكنت له سِتْرًا وأوْسيتَه إذ قَلَّ فائده
فالله يَجْزيك والمُختارُ من مُضَرٍ ثمّ الخليفة ذو السِّبْطين والده
[ ٢٤٣ ]