عبد الجبار بن أبي بكر محمد بن حمديس
شاعر جيد السبك، مليح الاستعارة، حسن الأخذ، لطيف التناول، رقيق حواشي المعاني، عذب اللفظ. دخل الأندلس وافدًا على المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد بإشبيلية فمدحه بأشعاره البديعة، وعبر عن الأدب بأنفاسه النفيسة
الرفيعة. فما يجري من قوله رقة مع الماء، ويكاد يمتزج بالهواء، ويأخذ بمجامع الأهواء، قوله من قصيدة:
قُم هالكها من كفّ ذاتِ الوشاحْ وقد نَعي الليلَ بشيرُ الصّباحْ
[ ٥٤ ]
وباكِر اللذات واركبْ لها سوابق الَّلهو ذواتِ المِراحْ
من قبل أن تَرشُف شمُس الضّحى ريقَ الغوادِي من ثُغور الأقاحْ
أنظر من أحسن هذه الاستعارة، وأحلى هذه العبارة.
وله قصيدة أخرى في الوزن على الرّويّ أولها:
طَرَقَتْ والليلُ ممدُود الجَناحْ مرحبًا بالشمس من غير صباح
أتى فيها بكل معنى مبتكر بديع، معدود من الطراز الأول الرفيع.
ومما أخذه فملكه فأسترقه، واستوجبه بزيادته فيه على مبتكره واستحقه، قوله في وصف فرس سابق:
كأنّ له في الأذن عينًا بصيرةً ترى اليوم أشباحا تمرُّ به غداَ
يقيّد بالسبق الأوابَد فوقَه ولو مرَّ في آثارهنّ مُقَيّدا
أخذه من قول امرئ القيس بن حجر، وهو أول من قصد القصائد، وقيد الأوابد، فقال في لاميته المعلقة:
وقد اغتدى والطيرُ في وكناتها بمنَجردٍ قيد الأوابد هَيْكلِ
[ ٥٥ ]
وزيادة عبد الجبار عليه قوله:
ومر في آثارهن مقيدا
وتصدير هذا العجز بقوله: أقيد بالسبق مليح جدا.
ومن مليح أخذه المستحسن قوله من أخرى.
لهم رياض حُتوف فالذُّباب بها يَشدوهُم في الهوادي كلما اقتحمُوا
بيض يضعن المنايا السّودَ صارخةً وهي الذّكور التي افُتضت بها القمم
أخذه من قول أبي نصر عبد العزيز بن نباته السعدي:
ومن العجائب أنّ بيضَ سيوفه تلد المنايا السّودَ وهي ذُكورُ
إلا أنه زاد عليه، وبعد ما ساواه في المقابلة، بذكر البيض والسود. وذكر الذكورية مع ذكر الوضع الذي ذكره في موضع تلد بقوله: صارخة، إذ من شأن المولود أن يستهل صارخا عند الوضع. وكذلك الواضعة تصرخ أيضًا حالة الطلق، فتمم بهذه الزيادة قوله: يضعن المنايا السود.
كما زاد عند ذكر الذكور، وتمم المعنى بقوله: افتضت بها القمم، فجعل سيلان دماء القمم بذكور الصوارم كسيلان دماء العذارى لدى افتضاض ذكور الرجال لها، وهذا من سر الشعر المخزون، وعلمه المكنون. وفي البيت الذي وطأ به نوع من أنواع البديع يسمى التويرة، وهو قوله:
لهم رياضُ حثتوف فالذّباب بها يَشُدوهم في الهوادي كلَّما اقْتَحموا
[ ٥٦ ]
الذباب، من الحيوان معروف؛ والذباب: ذباب السيوف. الشدو: الغناء. فشبه طنين الذباب في الهوادي، وهي الأعناق، بترنم الذباب. واستعار الرياض للحتوف توطئة لشدو الذباب؛ لأن الرياض الملتفة الأسجار، موضع ترنم سواجع الأطيار.
وملاحظة أمثال هذه المقاصد من مقاصد فحول الشعراء، مما يعين الشادي في الأدب المحاول انظم الشعر، على نظم جيده.
وأذكرني بيت نباتة قول ابن الرومي، وهو من أحسن ما سمعت في معناه:
ومن عجبٍ أنَّ السّيوف لديهمُ تحيضُ دماءً والسّيوفُ ذُكورُ
وأعجبُ من ذا أنهَّا في أكُفِّهم تَأَجَّجُ نارا والأكفُّ بُحور
ومن شعراء المغرب الأوسط، وأهل التصنيف والإتقان والضبط، الشاعر الرقيق، العربي الأزدي العريق: