دخل على السلطان أبي القاسم محمد بن عباد يومًا، وهو ينشد قول المتنبي:
إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍ أثاب بها مُعْيي المطيِّ ورَازِمُهْ
وجعل يردده استحسانًا له. فقال عبد الجليل بديهًا:
لئن جاد شعرُ ابن الحُسين فإنما تُجيد العطايا واللُّهي تفتح اللَّهَا
تَنَّبأ عُجبًا بالقريض ولو دَرَى بأنّك تَرويه إذا لتألَّها
فأمر له بمائتي دينار، وهو مثل قديم.
قال أبو سعيد القصار في جعفر بن يحيى:
لابن يَحيى مآثٌر بلغتْ بي إلى السُّهَا
جادَ شِعْري بجُوده واللُّهي تَفتح اللَّها
اللهي، بالضم: العطايا؛ واحدها: لهوة ولهية. واصلها: القبضة من الطعام تلقى في الرحى لتطحن، فجعلت الدفعة من المال المعطى لهوة. وأما اللها، بالفتح فجمع لهاة: الحلق.
[ ١١٨ ]
ولما جاز السلطان ابن عباد البحر المسمى بالمحيط إلى مدينة سبتة، قاصدًا لأمير المسلمين، وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين للاستنجاد به على الروم، وقد راموا الوثوب على الأندلس، بعد أخذ طليطلة، وهجموا على بلادها أقبح هجوم قال:
أحاط جودُك بالدُّنيا فليس له إلا المُحيطُ مثالٌ حين يُعتَبرُ
وما حسبتُ بأن الكلَّ يحمُله بعضٌ ولا كاملًا يَحويه مُختصَر
لم تَثْنِ عنك يدًا أرجاءُ ضفَّته إلا ومَّدت يدًا أرجاؤُه الأَخر
كأنّما البحرُ عينٌ أنت ناظرُها وكل شَطٍّ بأشخاص الوَرى شُفُر
تأتي البلادَ فتَنْدَى منك أوجهُها حتى يقول ثَراها هل هَمَي المطر
ما القَفْر إلا مكانٌ لا تَحُلُّ به وحيثُما سرْتَ سار البدوُ والحَضَر
الأرضُ داركُ فاسْلُك حيثُ شئتَ بها هو المُقام وإن قالوا هو السّفَر
وله قصيدة يمدح ابن عباد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والورم بالموضع المعروف بالزلاقة من عمل بطليوس، وكانت الزلاقة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قتل
[ ١١٩ ]
فيها من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس. ذكره النسابة أبو محمد الرشاطي في كتاب: اقتباس النور ومن الرجالة ما لا يحصى، وطعن فرس ابن عباد تحته، فكبا به، فسقط
عنه. فقدم إليه بعض من ثبت من جنده معه فرسًا، فركبه وأبلى بلاء حسنًا وقاتل قتالا شديدا - منها:
ولم يَثْبت من الأشياعِ إلا شقيقُك وهو صارمُك الحُسَامُ
يَمانٍ في يدَيْ ماضٍ يَمَانٍ فلا نابِي الغِرَارِ ولا كَهَام
ولم يحمْلك طِرفْك بل فؤادٌ تعَّود أن يُخاض به الحِمَام
ثَبتّ به ثَباتَ القُطْب لمّا أدَار رَحاه خَطْبٌ لا يُرام
ومنها:
مضَوْا في أمرِهم سَحَرًا ودارتْ بما عَقدُوا من الحَلفِ المُدامُ
فردّوها عَلَى الشَّفرات بيضًا وجدَّدَ في تعاطيها النِّدام
وما أخذتهمُ الأسياف لكن صواعقُ لا يبوخُ لها ضِرام
باخ الحر، إذا سكن، يبوخ بالخاء المعجمة. وباخت النار والحرب، إذا سكنتا.
إذا ما برقةٌ برقَت عليهم فإنّ القَطْر أعضادٌ وهاُم
[ ١٢٠ ]
ومنها يصف انهزام أذفونش تحت الظلام بجيشه منهم، وإلقاء الدروع عنه وعنهم:
ستسألك النّساءُ ولا رجالٌ فحدِّث ما وراَءكَ يا عصامُ
وراقبها بأرِضك طالعاتٍ كما تُهدِي صَواعقَها الغمامُ
ومنها:
فإن شئتَ اللُّجينَ فَّثم ساُم وإن شئت النظار فثَّم حاُم
ومنها:
نضَا أدراعَه واجْتَابَ ليلًا يودّ لو انه في الطُّول عاُم
وله يتشوق إلى ابن عباد، وقد حضر بالمرية في بعض الأعياد، والشعراء
ينشدون المعتصم بالله أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سلطان تلك البلاد:
دنا العيد لو تَدْنو به كعبةُ المُنى ورُكْنُ المَعالي من ذُؤابة يَعُرب
فيا ويلتَا للشعر تُرمي جماره ويا بُعد ما بيني وبين المُحصَّبِ
[ ١٢١ ]
وكان عبد الجليل منطقًا بما يقول، يجري على لسانه المقول. حدثنا غير واحد من شيوخنا ﵏، منهم سلطان بلنسية أبو عبد الملك بن عبد العزيز، والوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والفقيه القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب بن طلحة، قالوا: حدثنا الوزير أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة قال:
لقيت الشاعر أبا محمد عبد الجليل بين لورقة والمرية، فبتنا نتناشد الأشعار، ونتذاكر الآداب والأخبار؛ فلما انفجر عمود الصباح، وحيعل داعي الفلاح؛ وكان العدو على مقربة من البلاد، والناس في ضروب من الخوف والأنكاد؛ سرنا وفؤاد عبد الجليل يطير فرقًا، وفرائصه ترعد قلقًا؛ فأخذت أسكن روعه بأناشيد من القريض، وهو لما داخله من الوجل كالمدنف المريض؛ لا يبدي ولا يعيد، إلى أن اطلعت لنا اليد؛ مشهدين وعليهما رأسان يخاطبان، من الحال بأفصح لسان؛ فقلت مرتجلا، والركب يجد السير من الفزع عجلا:
ألا رُبَّ رأسٍ لا تَزاورَ بينه وبين أخيه والمَزارُ قَريبُ
أنافَ به صَلْدُ الصَّفا فهو مِنْبٌر وقام على أعلاه وهو خَطيب ُ
[ ١٢٢ ]
فثاب لعبد الجليل عقله، وآب إليه ذكاؤه ونبله، فقال:
يقول حِذارًا لا اغترارًا فطالما أناخَ قتيلٌ بي ومرَّ سَليبُ
ويُنشدنا: إنَّا غريبان هَاهنا وكلُّ غَريبٍ للغريب نسيبُ
فإنْ لم يَزْره صاحبٌ أو خَليلُه فقد زاره نَسْرٌ هناك وذِيب
فها هو: أمَّا منظرا فهو ضاحك إليك وأما نَصْبةً فكَئِيب
يريد بقوله أما منظرا فهو ضاحك أن ذلك الرأس قد ذهبت عنه جلدته بطول بلاه، فهو بحسب مرآه كأنه ضاحك، وبحسب معناه كأنه كئيب. ولم يذكر الفتح منها في
قلائده لعبد الجليل سوى بيت، هو قوله:
يقول حِذَارًا لا اغترارًا فطالَما أناخ قتيلُ بي ومَرّ سَلِيبُ
وانه قتل من ساعته كما ذكرناه، والله الموفق لا رب سواه؛ فما أتم قوله إلا وعجاجة قد ارتفعت، وكتيبة قد طلعت؛ فما انجلت إلا وعبد الجليل قتيل وأنا سليب، وهذا فأل عجيب، وافقه قدر مصيب.
[ ١٢٣ ]
قال ذو النسبين، ﵁:
ومن شعراء الأندلس الذين أنجدت بأقوالهم الحداة واتهمت، واعرقت بها الرواة وأشأمت، الأديب: