أبو عبد الله محمد بن مسعود
حدثني عنه خمسون شيخًا، منهم قاضي القضاة إمام النحويين، بقية أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي ﵁.
فمما أنشدونا له في مطرب:
وافَي وقد عَظُمتْ علىّ ذُنُوبُه في غَيبة قَبُحت بها آثارُهُ
فَمَحَا إساَءته بها إحسانُه واستغفرتْ لذُنوبه أوتارُه
[ ١٨٧ ]
وله يعتذر من استبطاء المكاتبة:
ألم تَعْلموا والقلْبُ رَهْنٌ لَديكم يُخبِّركم عَنِّي بمُضْمرِه بَعدِي
ولو قَبِلتْنِي الحادثاتُ مكانَكم لأنْهبتها وَفْري وأوطأتها خدّي
ألم تعلموا أنّي وأهْلي وواحِدي فِداءُ ولا أرْضَى بتَقْدِمتي وحدي
ولابن أبي الخصال تصانيف كثيرة، مستحسنة أثيرة؛ منها: كتاب ظل الغمامة وطوق الحمامة، في مناقب من خصه رسول الله ﷺ من صحابته ﵃ بالكرامة، وأحلهم بشهادته الصادقة دار المقامة. والقصيدة الموسومة بمعراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب؛ في نسب رسول الله ﷺ. وما انتظم به من مناقب صحابته الأبرار. إلى غير ذلك من ترسله الفائق، وشعره الرائق، وذلك في خمس مجلدات.
وأنشدني الوزير الفقيه المحدث الفاضل الكاتب أبو عبد الله محمد ين أبي القاسم ابن عميرة المروي؛ المنسوب إلى مدينة المرية، على ما تقتضيه صناعة العربية؛ قال: حدثني بجميع تصانيفه الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان، سامحه الله بما سلف منه وكان، وكان طبعه في الانقياد له في ميدان البلاغة سلس العنان؛ وقد قدمنا أنه قتل ذبحا، ورأوا له في تشحطه بدمائه سبحا.
فمن شعره يخاطب أبا يحيى محمد بن الحاج، وقد كان وقع بينه وبينه في بعض الأيام تنازع أدى إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال؛
[ ١٨٨ ]
ثم انقشعت تلك المخيلة، وتحركت فيه المودة الدخيلة؛ وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف أيدي العوائق، فكتب إليه:
أكعبةَ عليَاءٍ وهَضْبة سُؤدَدٍ ورَوْضةَ مَجْدٍ بالمفَاخر تُمْطِرُ
هَنيئًا لمُلْكٍ زانَ نُورُك أفْقَه وفي صَفْحَتيه من مَضائك أسْطَر
وإني لخفَّاق الجنَاحَين كلمّا سَرَى لك ذكرٌ أو نَسيم مُعَطَّر
وقد كان واشٍ هاجَنا لتنافُرٍ فَبِتُّ وأحشائي جَوًى تَتفطّر
فهل لك في وُدّ ذَوَي لك ظاهرًا وباطِنُه يَنْدَى صَفَاءً ويَقْطُر
ولستُ بِعِلْقٍ بِيعَ بَخْسًا وإنّني لأرْفَعُ أعْلاقِ الزمان وأنْضَر
الأعلاق: جمع علق، وهو الشيء النفيس، فأمر الأمير ذو الوزارتين أبا عبد الله ابن أبي الخصال بمراجعته، فكتب عنه بقطعة منها:
ثَنيتَ أبا نَصْر عِنَاني وربَّما ثنَتْ عَزْمةَ السَّهم المُصمم أسُطُر
ونالت هوًى ما لم تكن لَتنالَه سُيوفٌ مواضٍ أو قَنًا تَتأطّر
وما أنَا إلا مَن عرفتَ وإنّما بَطِرْتَ ودادي والمودّةُ تُبْطِر
نظرتَ بعينٍ لو نظرتَ بغيرها أصَبْتَ وجفْنُ الرّأي وسْنَانَ يَسْطر
[ ١٨٩ ]
الوزير الحسيب العالم الأوحد: