بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة؛ من أهل إشبيلية؛ وقد تكلمنا على نسبه ولقبه في كتابنا المسمى بوهج الجمر في تحريم الخمر.
أجاز له الشيخ الفقيه أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولاني برغبة أبيه سنة اثنتين وخمسمائة، وهو العام الذي ولد فيه أبو عبد الله، واستجاز أيضا له ولابنه أبي عبد الله القاضي بإشبيلية العالم أبا عبد الله محمد بن شبرين، والفقيه المفتي أبا محمد بن عتاب. ونقله أبوه إلى حضرة مراكش فلقي بها الفقيه الإمام أبا عمران موسى بن أبي تليد الشاطبي - إذ كان حمل إلى مراكش، وأخرج عن وطنه - فسمع
عليه كتاب التقصي، فأكثر كتاب السنن لأبي داود، وأجاز له جميع ما رواه. ثم تجول بالأندلس ولزم الوزير الفقيه الكاتب أبا محمد بن عبدون وقرأ عليه كثيرا من روايته وتصانيفه ومنظومه ومنثوره، وكان أشعر أهل الأندلس واكتبهم. ولزم الوزير أبا محمد بن القبرطرنه وإخوته. ثم رجع من بطليوس إلى إشبيلية. فقرأ على القاضي الخطيب بجامعها، أستاذ المقرئين أبي الحسن
[ ٢١٩ ]
شريح بن محمد الرعيني، وعلى الفقيه القاضي العالم اللغوي النحوي أبي محمد عبد الله ابن الوحيدي. ثم لزم القاضي أبا الفضل عياض بن موسى مدة مديدة، وأعوامًا عديدة، وكان فقيه الدرس والنفس، وإن كان حكى عنه ابن خاقان في قلائده أنه كان يحضر مجالس الأنس. فالتوبة بإجماع محاءة للذنوب، مذهبة للمجون والعيوب. وقد استصلح في كبرته للقضاء وقضى، ولم يقض إلا وهو عدل رضى.
فمما أنشدنيه لنفسه، وكتبته من خطه:
ذَكر العهدَ والدّيارَ غريبُ فجرَى دمعُه ولجَّ النَّحيبُ
إذ صفاءُ الوِداد غيرُ مَشُوب بتَجنٍّ، وودُّنا مَشْبوب
وإذِ الدهر دّهْرُنا وإذا الدا رُ قريب وإذ يقول الرَّقيب
وقِيَان الأوتار تُسدها الأطْ يار والروض زاهرٌ مَهضْوُب
ووِشَاحِي مَعاصمٌ لوِت الشَّو ق علينا وظاهرتُها القلوب
وفِراشي بَطْنٌ وصَدْر ونَهْدٌ وعليها مِنِّي رَفيقٌ طبيب
واللَّما والرُّضابُ كأسي وخَمْري حّبَذا الكأسُ حّبَذا المَشْروب
وحِمَى الأزْر لِي مُبَاحٌ وحُكْمِي نافِذٌ فيه والفعالُ ضُروب
[ ٢٢٠ ]
وإذا ما الحِمَى أغارَ عليه حاذقُ الطَّعن فالحِمَى مْنهُوبُ
أسألُ الله عَفْوَهُ فلئن سا َء مقالي لقد تَعفُّ الغُيوب
قد ينال الفَتى الصغائر طرفا لا سواها وللذُّنُوب ذَنُوب
وأخو الشِّعر لا جُناح عليه وسَواءُ صَدُوقه والكَذوب
وأنشدني، وكتبته من خطه، يخاطب امرأة:
يا نُورَ نَفْسِيَ حقُّ الضَّيف مُفترضٌ وأنتِ من قَومِ صِدقٍ ظاهِري الكَرِم
مرّتْ ليالٍ علينا في جِواركُم ونحن في جَفوةٍ أفضتْ إلى سَقَم
إن قلت تُبتُ، فما كانتْ مُفاحشةٌ وإين منك مَقالُ الله في اللَّمَمِ
أو كان نُسكٌ فما ذو النُّسك في سَعةٍ أن يَسْتحلَّ - وقاكِ اللهُ - سَفْكَ دَمي
وقد تكلمنا على هذه الأشعار، ومن انتقدها عليه من العلماء الكبار، واعتذرنا عنها أبلغ الاعتذار، وذلك في كتاب وهج الجمر في تحريم الخمر.
وشاهدناه في آخر عمره قد اتخذ المسجد الجامع دارًا، والتفت إلى رواياته وتواليفه فروى صغارًا وكبارا. قرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع رواياته ومجموعاته. وتوفي ﵀ على أحسن حالاته ببلدة إشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة، وله أربع وثمانون سنة. وخلف أموالا عظيمة، ز كتبًا في كل فن كريمة؛ وكان له ولد يكنى أبا الحسين، وكان سخنة عين؛ فأساء ذكره، ولم يتبع حسنه، فأمر صاحب المغرب أن يصفد في الحديد، وأن يلقى
[ ٢٢١ ]
في عنقه ما يتصل بحبل الوريد؛ وحمل إلى السجن الذي بباب حميدة، على حالة مذمومة بكل لسان غير حميدة؛ ثم احضر في موطن جرت العادة فيه بضرب رقاب أهل الظلم والعدوان، وهو يحجل في قيوده ويضطرب اضطراب الخيزران؛ ثم أمر بإطلاقه بعد هوان، وخوف غلب على أمان. ثم أمر بإحضار كتبه وهي التي ورثها من أبيه، وكانت تقاوم مالًا جسيما وتساويه، في كل صنف تشتمل عليه من الرأي وفيه؛ فأوردت النار وبئس الورد المورود، فأحرقت فسمع للنار تسعسع ورئي لهما وقود، واحترق الكاغد وانزوت الجلود، وذلك يوم يؤرخ به مشهود.
أنشدني الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، قال: أنشدنا الفقيه المفتي أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد شيخنا لنفسه:
حَالِي مع الدَّهر في تَقلُّبه كطائرٍ ضَمَّ رجلهَ شَرَكُ
فهمُّه في فَكاك مُهْجِته يَرُوم تَحْليصَها فتَشْتبكُ
وأصل اللمم في اللغة: الهم بالخطيئة من جهة مقاربتها، وحديث النفس بها من غير مواقعتها.
[ ٢٢٢ ]
ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: إن النبي ﷺ قال: كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
ولها طرق في الصحيحين، منها: كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا، فأخبر ﷺ أن العين نظرها زنا إذا نظرت إلى من لا يحل لها النظر إليه من النساء، وأنها توصل ذلك إلى النفس، فتتمنى النفس وتشتهي ما رأت العين، فيكون داعيًا إلى الفرج الذي هو يكذب الفعل أو يصدقه. وقد تكلمنا عليه في المجلدة الخامسة من كتاب العلم المشهور، في فوائد فضل الأيام والشهور.
أنشدني الفقيه المحدث المتقن أبو القاسم أحمد بن يوسف بن عبد العزيز ابن محمد بن رشد القيسي، قال: أنشدنا أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي قال: أنشدنا الإمام العالم الأوحد القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد الكناني يعرف بالوقشي: ووقش: قرية بخارج طليطلة، بينها وبينها اثنا عشر ميلا. وأبو الوليد الوقشي أحد رجال الكمال في وقته، باحتوائه على فنون المعارف، وجمعه لكليات العلوم، وهو من أعلم الناس بالنحو واللغة، ومعاني الأشعار وعلم العروض وصناعة البلاغة. وهو بليغ مجيد شاعر، متقدم حافظ للسنن وأسماء نقلة
الأخبار، بصير بأصول الاعتقادات، وأصول الفقه،
[ ٢٢٣ ]
واقف على كثير من فتاوى الأمصار، نافذ في علم الشروط والفرائض، محقق لعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حسن النقد للمذاهب، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة، ولين الكنف وصدق اللهجة. وتوفي ﵁ في دار خال أبي الإمام العالم الحسيب أبي بكر عتيق بن محمد بن عبد الحميد بدانية، يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لليلة بقيت لجمادى الآخرة من سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
قال الإمام أبو بحر، وكان مختصا به، ويقدمه على جميع من لقي من شيوخه، أنشدنا لنفسه:
قد بَيَّنتْ فيه الطبيعةُ أنها ببدَيع أفعال المُهيمن ماهرَةْ
عُنِيت بمبسَمِه فحطَّت فَوقه بالمِسْك خَطًاّ من مُحيط الدَّائرةْ
وهذا شعر وهندسة.
وأنشدنا الفقيه الإمام المحدث الأصولي النحوي اللغوي أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحمزي - ينسب إلى حمزة الشرق، على مقربة من أشير، سميت بحمزة بن الحسن بن سليمان بن الحسين بن علي
[ ٢٢٤ ]
ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وهو الذي أسسها وبناها. وكان للحسن بن سليمان، وهو الذي دخل المغرب، من البنين: حمزة هذا، وعبد الله، وإبراهيم، وأحمد، ومحمد، والقاسم، وكلهم أعقب - مولد شيخنا بمدينة المرية سنة خمس وخمسمائة وتوفي ﵀ بمدينة فاس، يوم الجمعة بعد الصلاة، في أول وقت العصر السادس من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو يتلو سورة الإخلاص، يكررها بسرعة. ثم تشهد ثلاث مرات وسقط على وجهه ساجدا، فرفع ميتا، وذلك بعد خروجه من الحمام وحلق رأسه، واستحداده واستعداده للقاء ربه،
جلت قدرته.
قرأ حديث رسول الله ﷺ وأتقنه على أبي جعفر بن عزلون صاحب القاضي أبي الوليد الباجي، وعلى القاضي الإمام أبي القاسم ابن ورد، وروى صحيح مسلم عن أبي عبد الله بن زغيبة الكلابي يرويه، عن العذري. ورحل إلى شرق الأندلس للقاء الأستاذ العالم إمام النحو والآداب، والشارح للحديث والفقيه والأصول والأنساب، أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسى، فقرأ عليه كتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة، وهو كتاب حسن.
[ ٢٢٥ ]
وأنشدنا شيخنا هذا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحمزي، يعرف بابن قرقول في سفرة صحبته فيها سنة أربع وستين وخمسمائة، وأجاز لي جميع رواياته قال: أنشدنا الأستاذ النحوي أبو محمد بن السيد لنفسه:
أخُو العِلْم حٌي خالدٌ بعد مَوْته وأوصالُه تحتَ التُّرابِ رمِيمُ
وذُو الجهل مَيْتٌ وهو ماشٍ على الثَّرى يُظنُّ من الأحْياء وهو عَديمُ
وشيوخ شيخنا جملة عديدة، وتصانيفه متقنة مفيدة.
وممن لقيت بحضرة مراكش الوزير الكاتب: