أبو عامر أحمد بن السادة الوزراء:
أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك ابن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد أشجعي النسب، من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط.
وأبو عامر هذا أرسخ أهل الأندلس قاطبة بالأدب، ينسل إليه من كل حدب؛ ولم ير لنفسه في البلاغة أحدًا يجاريه، ويساجله في جميع العلوم ويباريه، وأما الكرم فلا يقاربه فيه أحد من أهل بلده ولا يدانيه.
ومن أخباره العظيمة، ومناقبه الكريمة، ما حدثني به الفقيه العالم المحدث النحوي القاضي بمدينة غرناطة وأعمالها، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، ﵀، قال: حدثنا الوزير أبو عامر محمد بن أحمد بن عمر السالمي، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله بن الصفار قال:
كان رجل من أهل طليطلة ذا محل شريف، ومكان عال منيف؛ فنبا به الوطن، وخانه على معهوده الزمن؛ فأتى إلى قرطبة رث الحال، منبت الحبال؛ لا يملك
فتيلا، ولا يدرك كثيرا ولا قليلا؛ فأنزل عياله في أحد الفنادق
[ ١٥٨ ]
وخرج يلتمس حرًا يستجديه، وفاضلا يستهديه. فأرشد إلى أبي عامر بن شهيد، فكتب إليه كتابا يعرب عن فضل أدب، وكريم نسب. فقال للرافع له: ما زي هذا الرجل ولبسه؟ وكيف همته ونفسه؟. فأعلمه بما بدا من حاله؛ وظهر من اختلاله، فأمر بدخوله. فلما أدناه أبو عامر وقربه، ورتب له من البر والإكرام ما رتبه؛ ثم إنه أسر إلى وكيله بكلام لم يدره الرجل، إذ كان حائرا قد اكتنفه الخجل. ثم أمر أن يدخل في الحمام، ويحتفل في البر به والإكرام. فلما خرج منه ألفى سبنية بثياب أعدت له فلبسها، وأعيد إلى دار ابن شهيد، ووافق ذلك اليوم دعوة له لبعض القوم، فمكث الرجل وهو معلق البال، بمن تركه هنالك من العيال؛ فلما انتظم الأصحاب، وقدم الطعام والشراب، دخل الرجل مدخلهم في ذلك المأنس، وأخذ مكانه من المجلس؛ وأبو عامر بن شهيد يؤثر مكانه، ويدعو إلى بره إخوانه. فمكث الرجل بين فرح وترح، طورا ممتد الأنس، وتارة مكدر النفس. فلما كان عشي اليوم الثاني خرج الرجل وقد قُدم له مركب سار عليه، وغلام بشمعة بين يديه؛ إلى أن أدى به إلى هذه الدار، وهي مشهورة بقرطبة إلى الآن بين جميع الديار. فقال: أنزل يا مولاي. قال الرجل: ليست هذه داري، وإنما نزلت في الفندق الفلاني. فقال الغلام: بل هي دارك، أعطاكها سيدي، وأنا والدابة لك فأخرس الرجل ودخل الدار، فوجدها قد ملئت نعمًا كثيرة، وفرشا وثيرة؛ وعياله في منضد تلك المجالس، قد أفرغت عليهن أفخر الملابس؛ وقد ملئت خزائنها بما يملأ العيون قرة، والقلوب مسرة.
[ ١٥٩ ]
ولهذا الوزير كتب كثيرة الهزل والجد، بعيدة عن الحصر والعد. منها كتاب التوابع والزوابع، وكتاب حانوت العطار، وكتاب كشف الدك وإيضاح الشك وقال حافظ أهل زمانه الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، في رسالته
في فضل الأندلس، مفتخرًا به: ولنا من البلغاء أحمد ابن عبد الملك بن شهيد، صديقنا وصاحبنا، وهو حي لم يبلغ بعد سن الاكتهال. وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو وسهل وتوفي ﵀ ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة؛ ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة؛ وصلى عليه رئيس قرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الكلبي. ومولده سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، ولم يعقب. وانقرض عقب الوزير أبيه بموته. وكان جوادًا لا يليق شيئا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس. ومن شعره الدال على كرمه وفخره:
ألِمْتُ بالحُبّ حتى لو دَنَا أجَلِي لَمَا وجدتُ لطعم الموتِ من ألمَ
وزادني كرِمَي عمَّن ولِهْتُ به ويْليِ من الحبِّ أو ويْليِ من الكرم
[ ١٦٠ ]
وقال:
كتبتُ لَها أنَّني عاشقٌ على مُهْرَقِ الكَتْم بالناظر
فردّتْ علىّ جوابَ الهَوى بأحورَ في مائه حائر
منعَّمةٌ نَطقتْ بالجُفون فدلَّت على دقَّة الخاطر
كانّ فؤاديَ إذ أعرضتْ تَعلَّق في مِخْلَبَيْ طائر
وقوله:
وتَدرِي سِباعُ الطَّير أنًّ كُماتَه إذا لَقيتْ صِيدَ الكُماةِ سِباعُ
تَطير جِياعًا فوقَه وتَرُّدها ظُباهُ إلى الأوكارِ وهي شِباع
قال ذو النسبين، ﵁: هذا المعنى قد سبقه إليه مروان بن أبي الجنوب فقال: يمدح المعتصم:
لا تَشبع الطّيرُ إلاّ في وقَائعه فأينما سَارَ سارت خلفه زُمرَا
عوارفًا أنه في كُلّ مُعتركٍ لا يُغمد السَّيفَ حتّى يُكثِرَ الجَزَرا
الجزر، بفتح الجيم والزاي: الشاء المذبح؛ والواحدة: جزرة. قاله أبو علي في البارع: وأراد به الشاعر ها هنا كثرة القتلى. وهذا مأخوذ من قول أبي نواس:
تتأيَّا الطَّيرُ غُدوتَه ثِقةً بالشِّبع من جَزَره
[ ١٦١ ]
وأخذه مسلم بن الوليد فقال:
قد عَوَّد الطيرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها فهنّ يَتْبَعْنَه في كُل مُرْتَحِل
وأخذه أبو تمام فقال:
وقد ظُلّلت عِقْبانُ أعلامه ضُحًى بعِقْبان طَيْرٍ في الدّماءِ نَواهلِ
أقامتْ مع الرّاياتِ حتى كأنَّها من الجَيْش إلاَّ أنَّها لم تُقَاتل
وكلهم قصر عن النابغة الذبياني في قوله:
إذا ما غَزَوا بالجَيْش حَلَّق فوقهم عَصائبُ طَيْرٍ تَهتدي بعَصائب
جَوانحَ قد أيقنَّ أنَّ قَبِيلَه إذا ما التَقى الجْمَعان أولُ غالب
لهنَّ عليه عادةٌ قد عَرَفْنها إذا عُرِّضَ الخَطُّىُّ فوق الكَواثب
وإنما قلنا إنهم قصروا عن النابغة لأنه زاد في المعنى واحسن التركيب. ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح. وكلامهم كلهم مشترك محتمل ضد ما نواه الشاعر. وإن كان أبو تمام قد زاده في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما تسأل أي القبيلين الغالب. وقد أحسن أبو الطيب المتنبي في قوله:
له عَسْكرَا خَيْلٍ وطَيرٍ إذَا رمَى بها عسكرًا لم يَبق إلا جَمَاجِمُه
[ ١٦٢ ]
ويتوجه عليه أن هذه الطير لأي معنى عافت الجماجم، دون عظام السوق والأذرع وغيرها من الأعضاء. وقد اخذ منهم بكر بن النطاح فقال:
وتَرى السباعَ معَ الجوَا رحِ فوق عَسْكرنا جَوانحْ
ثقةً بأنَّا لا نَزا لُ نُمِير ساغَبِها الذبائح
ساغبها: جائعها، والسغب: الجوع.
ولو تتبعنا جميع ما نظمه الشعراء في هذا الباب، لأتى على اكثر الكتاب.
وقال أبو عامر بن شهيد:
ولمّا تَملاَّ مِن سُكْره فَنَام ونَامت عُيون العَسَسْ
دنوتُ إليه على بُعده دُنُوَّ رفيق دَرى ما التَمس
أدبُّ إليه دبيبَ الكَرى وأسمو إليه سُمَّو النَّفس
وبتذُ به ليلتي ناعمًا إلى أن تَبسَّم ثغرُ الغلس
أقبّل منه بَياض الطُّلا وأرشفُ منه سَوادَ الَّلعَس
[ ١٦٣ ]
ومنهم شاعر قرطبة وزعيمها، ونخبة بني مخزوم وضميمها، ذو الوزارتين: