وقد ذكرنا قبل قصيدته المحتوية على جميع الفنون، التي أنشدنيها عنه القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون. وأنشدني له أيضا:
وما أنْسَ بين القَصْر والنِّهِر وَقْفَةً نَشدتُ بها ما ضَلَّ من شارِدِ الحُبِّ
رَميتُ بعيْني رَمْيةً سَمَحت بها فلم أثْنِها إلا ومَجروحُها قَلْبي
وله:
مَررتُ على الأيّاِم من كل جَانبٍ اصَعِّدُ فيها تَارة وأصوِّبُ
يُنِير لِيَ الثَغرانِ: صبحٌ وصارم ويكتُمني القلبان: لَيلٌ وَغَيْهب
لقَد لَفظَتْني الأرضُ إلاّ تَنُوفَةُ يُحدثني عنها العِيانُ فيَكذب
ومما قاله، وجمع فيه حروف الزيادة:
سألتُ الحُروف الرائداتِ عن اسمها فقالت ولم تَكْذِب أمانٌ وتَسّهيلُ
[ ١٨٠ ]
قال أبو الفتح بن جني في كتاب التصريف الملوكي له ما هذا نصه:
القول على حروف الزيادة، وهي عشرة أحرف: الألف والياء والواو والهمزة والميم والتاء والنون والهاء والسين واللام، ويجمعها قولك: اليوم تنساه؛ ويقال أيضا: سألتمونيها. ويحكى أن أبا العباس سأل أبا عثمان عن حروف الزيادة، فأنشده أبو عثمان:
هَوِيُت السّمانَ فشَيّبنني وما كنتُ قدِمًْا هَوِيتُ السِّماناَ
فقال له أبو العباس: الجواب؟ فقال: قد أجبتك دفعتين. يعني قوله: هويت السمان.
وأبو العباس، الذي ذكره، هو محمد بن يزيد المبرد. وأبو عثمان هو المازني. وإنما ذكرنا هذا بسب بيت الوزير ابن عبدون الذي ذكر فيه حروف الزوائد، وهي قوله: أمان وتسهيل. وهي احسن من جميع الألفاظ التي جمعوا فيها حروف الزوائد، لما فيها من عذوبة اللفظ وسهولة النطق بها وحسن التفاؤل. فحروف الزيادة هي حروف هويت السمان وهي الهاء والواو والياء والتاء والهمزة، في أول السمان دون أن تصلها، واللام والسين والألف الساكنة والنون.
وقرأت بمدينة شريش شذونة على فارس الفقه والنحو والشعر، القاضي العدل أبي الحسن علي بن أحمد بن لبال الأمتي في كتاب المحكم في حروف
[ ١٨١ ]
المعجم، وذكر حروف الزيادة وذكر ما تقدم من قولهم: اليوم تنساه التي هجاؤها: الهمزة، في الألف الأولى واللام، والياء والواو والميم والتاء والنون والسين والألف الساكنة والهاء.
وسألتمونيها عشرة أيضا: السين والهمزة واللام والتاء والميم والواو والنون والياء والهاء والألف. وزاد في كتابه أسلمنى وتاه وهي أيضا من الألفاظ المستعذبة إلا أنها لا تدخل في الوزن. وتفسيرها: الهمزة الأولى والسين واللام والميم والنون والياء والواو والتاء والألف والهاء. ولشيخنا فيها جمعان ذكرهما في كتاب المحكم له.
وله وقد أنزله المتوكل على الله بدار وكفت عليه، فكتب إليه:
أيا ساميًا من جانبيه إلى العُلا سُموَّ حَباب الماء حالًا على حال
لِعبدك دارُ حلَّ فيها كأنَّها ديارٌ لسَلْمى عافياتٌ بذي الخَال
يقولُ لها لَّما رأى من دُثُورها ألا عِمْ صَباحًا أيها الطَّلَلُ البالي
فقالت ولم تَعْبَأ بردّ جوابه وهل يَعِمَنَ من كان بالعُصُر الخالي
فَمُرْ صَاحِبَ الأنزالِ فيها بفَاضِل فإنَّ الفتى يَهذي وليس بفَعّال
[ ١٨٢ ]
قال اللغويون: الخال يأتي على أثنى عشر معنى: الخال: أخو الأم. والخال: موضع. والخال: من الزمان الماضي. والخال: اللواء. والخال: الخيلاء. والخال: الشامة. والخال: العزب؛ ويقال: المتفرد. والخال: قاطع الخلا. والخال: الجبان. والخال: ضرب من البرود. والخال: السحاب. وسيف خال: أي قاطع. وقد نظم ذلك الفقيه الأستاذ النحوي الكبير، المتقن الخطير، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي السبتي، وقد لقيته ولقيت أباه، فإنه مات بعده ﵀، فقال:
أقولُ اخالي وهو يومًا بذي خالِ يروحُ ويغدو في بُرود من الخَال
أما ظَفِرَتْ كفّاك في العُصر الخالي بربّة خالٍ لا يُزنّ بها الخاليِ
تمرُّ كمرّ الخالِ يرتَج رِدْفُها إلى منزلٍ بالخالِ خِلْوٍ من الخَال
أقامتْ لأهل الخَالِ خالًا فكلّهم يؤمُّ إِليها من صحِيح ومن خَالِ
قال ذو النسبين، ﵁: وأغفل شيخنا القاضي المؤرخ المحدث الثقة العدل أبو القاسم بن بشكوال في كتاب الصلة له، ذكر أبي الحسن:
[ ١٨٣ ]