أبو مروان عبد الملك بن رزين، ورث الملك كابرًا عن كابر، من ملوك من أسلافه، أرباب أسرة ومنابر. وذو الرياستين زاد عليهم بأدب أبهى من الروض الريض، ومنظوم بديع من القريض. فمن شعره قوله يخاطب ذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار، وكان ضيفًا عنده:
ضَماٌن على الأيّام أن أبلغَ المُنى إذا كنت في وُدِّي مُسِرًاّ ومُعْلِناَ
فلو تسألُ الأياّمُ من هو مفردٌ بِوُدّ ابن عمَّارٍ لقُلتُ لها أنَا
فإن حالَت الأيامُ بيني وبينه فكيف يَطيبُ العيشُ أو يحسنُ المنى
فلم يجبه ابن عمار في يومه، لأنه كان يعاني قوله ويعلله، ويرويه ولا يرتجله. وأتى به في اليوم الثاني بأعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهو:
هَصَرْتَ لي الآمالَ طيبةَ الجنَى وسوَّغْتَ لي الحوالَ مُقبلةَ الدُّنَا
وألبَسَتنِي النُّعمَى أغضَّ من النَّدى وأجْمَلَ من وشْى الرَّبيع وأحْسَنَا
وكم ليلةٍ أحظَيْتَنِي بحضورها فبتُّ سميرًا للَّسناءِ وللسَّنا
أعَلِّلُ نَفسي بالمكارِم والعُلاَ وأُذْنِي وكَفِّى بالغِنَاءِ وبِالغِنَى
سأقْرِن بالتَّمويلِ ذكركَ كَّلما تعاوَرَتِ الأسماءُ غيركَ والكُنَى
[ ٣٩ ]
لأوسَعتنَي قولًا وطولًا كلاهما يُطوِّق أعناقًا ويُخرس ألْسُنا
وشَرَّفتني من قطعةِ الرَّوض بالتَّي تَنَاثر فيها الطّبعُ وردًا وسُوسنا
تروقُ بجيدِ المُلك مُرصَّعا وتُزْهَى على عِطفَيه وشيًا مُفَنَّنا
فدُم هكذاَ يا فارس الدَّست والوغى لتَطعن طورًا بالكلام وبالقَنا
قوله للسناء وللسنا. السناء، بالمد: المجد والشرف. والسنا، مقصور: الضوء، قال الله العظيم: (يَكَادُ سَنَا بَرقِه يَذْهَبُ بالأبْصَار).
وقوله وأذني وكفى بالغناء وبالغنى الغناء، بالمد: الصوت. قاله اللغويون، فيما أنشدنيه اللغوي النحوي القاضي العدل أبو الحسن علي بن أحمد الأميي:
غِناءُ الصَّوت ممدودٌ بما يستجلبُ الطّربُ
وكلُّ غنى فمقصورٌ كذا نطقت به العربُ
والغنى: ضد الفقر، ومنه قول رسول الله ﷺ: ليس الغنى عن كثرة العرض: بفتح العين والراء، يعني كثرة المال والمتاع، وسمى عرضا، لأنه عارض يعرض وقتًا، ثم يزول ويفنى. ومنه قوله أيضًا: خير الصدقة ما كان عن ظهر غني. قيل معناه: الصدقة بالفضل عن قوت عيالهم وحاجتهم. ويقويه قول الله ﷿: (ويسألونَك ماذا يُنفقون قل العفو). قيل: الفضل عن أهلك.
[ ٤٠ ]
وقوله: تناثر فيها الطبع وردًا وسوسنا بضم السين، وهو لحن، وليس له في العربية وزن، والصواب: سوسن، بفتح السين، على وزن فوعل بفتح الفاء، وكذلك روشن وأمثاله، نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب؛ إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل، إلا جؤذر في قول بعضهم. والدست: المرتبة العالية.
ومن أعيان شعراء المغرب الراسخين في الأدب، المتمسكين منه بأمتن سبب، أبو الطيب أحمد بن الحسين بن محمد المهدوي المسيلي له مقطعات غزل أحسن من قطع الرياض، وأغزل من العيون المراض. وكان شعره مدونًا بالثغر الأعلى بمدينة سر قسطة. أنفرد بروايته عالمها وحسيبها الفقيه العالم النحوي الأصولي المتكلم أبو جعفر محمد بن حكم بن باق السرقسطي - وجده الأعلى محمد بن باق، ملك مدينة سالم - استوطن آخرًا مدينة فاس، ولى أحكام القضاء بها. وكان محمود الحال، حسن الخلق، قولًا بالحق إلى أن توفي في العشر الأواخر من شعبان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، أجاز له الفقيه الإمام القاضي أبو الوليد الباجي
[ ٤١ ]
اللغوي النحوي الإمام أبو القاسم، وأبو محمد عبد الدائم بن مروان بن خير القيرواني، نزيل مدينة المرية. روى بالبصرة عن أبي الحسن محمد بن الحسين، سنة ست وعشرين وأربعمائة، عن هلال بن المحسن. ولقي المعري سنة ثلاث
وعشرين وأربعمائة وقرأ عليه، وسمع بالأندلس على جماعة. وحمل الإمام أبو جعفر بن باق ببلده سرقسطة عن الفقيه القاضي بها أبي محمد بن فورتش، وأبي عمر أحمد بن مروان المالكي، قرأ عليه كتب أبي المعالي. وروى عن أبي سعيد محمد بن سعد الزعيمي البغدادي، طرأ على الأندلس وهو مسن. وروى عن الشريف المرتضى؛ أخي الشريف الرضي؛ القصيدة التي أولها:
يا ظبية البان ترعى في خمائله
مع جميع ما رواه عن الشريف وعن غيره. وروى شعر أبي العرب الصقلي. وكان أبو العرب قد سكن سرقسطة ومدح المستعين بن هود بشعر كثير. وروي أيضًا عن أبي جعفر البطروشي، والوزير أبي الفوارس بن عاصم، والوزير أبي عبيد البكري، وغيرهم.
[ ٤٢ ]
أقرأَ أبو جعفر هذا بمدينة فاس كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح، وتكلم على أعيان مسائله، وعلى جملة أبياته وشواهده، وشرح كتاب الإيضاح لأبي علي. وكان في النحو والأصول لا يشق غباره، ولا يخاض تياره. وله تأليف في علم الجدل.
حدثني عنه جماعة من شيوخي ﵏ فأولهم، وأفضلهم قاضي الجماعة، ومعدن البراعة؛ المتفنن في جميع العلوم، والمحسن إلى كل مجهول ومعلوم. الفقيه الزناتي الذي فاق متقدم الفقهاء الأوائل، وأعياسحبان وائل؛ أبو موسى عيسى ابن عمران بن دانال الزناتي المكناسي الوردميشي، من ولد الملك أبي عمران موسى ابن أبي العافية. وبنو أبي العافية هم الذين كانوا ملكوا المغرب الأقصى، وفضائله اكثر من أن تحصى، فكم حلى ﵀ من جيد معطال، وعطر من متفال، وانهض من ثفال، وجدد من شرف بال، لم يخطر للدهر على بال:
تالله لا يأتي الزّمانُ بمثله إنَّ الزّمان بمثله لبخيلٌ
لقي جماعة من العلماء، منهم الفقيه أبو يوسف الزناتي الملقب بالرحى، لحفظه.
وكان يحفظ دواوين، منها: المدونة، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار. فقرأ الفقه عليه، وقرأ موطأ مالك بن أنس من رواية يحيى بن يحيى على قاضي
[ ٤٣ ]
القضاة الفقيه أبي محمد عبد الله بن خليفة الأزدي، يعرف بابن أبي عرجون، وقرأ النحو على الأستاذ أبي حسن بن عبد الله القيسي، ثم رحل إلى مدينة فاس، فلقي الفقيه النحوي الأصولي المتكلم أب جعفر محمد بن حكم بن باق المذكور آنفا، ولقي بأغرناطة النحوي الكبير أبا بكر محمد بن مسعود الخشني، يعرف بابي ركب. ثم رحل إلى المرية، فلقي إمام أهل عصره، ورزين جميع الأمصار مع مصره، أبا القاسم أحمد بن محمد التميمي سبط ابن ورد، وسمعه يقول: لم ألق بالأندلس مثل ابن ورد، ولا أحاشي من الأقوام من أحد.
واكن يفضله على ابن العربي، وابن عياض، وغيرهما. قرأت عليه مدة مديدة، ولزمته أعوامًا عديدة، وسألته أن يجيز لي، ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع ما رواه وجمعه، وتكلم فيه من العلم أو وضعه، فأجابني إلى ذلك، وقال لي:
لم أفعله لأحد قبلك، ممن سلك هذه المسالك، وإنما اشتغلت عن كثرة الرواية بالدرس والدراية.
[ ٤٤ ]
وسألته عن مولده، فقال: ولدت في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وتوفي ﵁ شهيدًا من داء البطن ليلة الخميس آخر الليل. ودفن ظهر يوم الخمسي الخامس والعشرين من شعبان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وهو على أحكامه وإعزازه وإكرامه.
فمن شعر الأديب أبي الطيب أحمد بن الحسين بسندنا المتقدم إليه، رحمة الله علينا وعليه، فمن ذلكم في النسيب:
متى طلَعت تلك الأهلَّة في الخُمْر ونابَتْ لنا العيونُ عن الخَمْرِ
ومن علَّم الأعجاز تَستعجزُ النّقا وهذى الثنايا الزُّهْر تَسطو على الدُّرّ
شُموسٌ أبت إلا الشِّماس سجّييةً وأقمارُ حسن في الهوى قَمَرتْ صَبْري
تذكّرتُ، والتّذكارُ من مَرَ الأسى ليَالينَا بين الرُّصَافِة والجسر
لياليَ لا دَمعي يُبدَّد بالَّنأْي ولا سِنَتَي مما تُرَوَّع بالهجر
ومنها في صفة القصيدة:
ودونكَما غرَّاَء قامت لخاطري وإن لم تَلُمْه حين قَصَّر بالعُذر
خَفَضْتُ بها الأشعارَ حتَّى كأنها وإن رفَعتني الآن من أحرُف الجرّ
قال ذو النسبين، ﵁: وذهذ الرائية من شعره عند العلماء بنقد الشعر وسره، أحسن من رائية علي بن الجهم التي أولها:
عيون المها بين الرُّصافة والجسر جَلَبْن الهوى من حيثُ أدري ولا أدري
[ ٤٥ ]
ومن أسماء بقر الوحش: الأَي مثل الفتى، والأنثى، لاة، مثل شاة، وتسمى المهاة أيضًا، والجمع: المها، والعيناء؛ والجمع: عين.
ومما يمازح برقته النسيم امتزاج الماء بالراح، ويدخل من أبواب خروق المسامع على القلوب بلا استئذان فترتاح به الأرواح، قول هذا الشاعر من أبيات:
خطرتُ على وادي العُذيب بأدمُعي فما جُزته إلا وأكَثُرُه دُم
وقد شَرِبَتْ منه كرامُ جيادنا فكادَت بأسرارِ الهَوى تَتكّلم
سرى البرقُ من نَعمانَ يُخبر أنّه سيَشْقى بكم من كان بالأمس يَنْعَم
رحلتم، فهذا الليلُ فيكم فلم يعد إلىَّ سواه فيكُم إذ رحلتم
وما أنا صَبٌّ النّجوم وإنّما تُخَيِّلُ لي الآفاق أنكُم هم
لقد أحسن ما شاء، غير أن قوله:
خطرت على وادي العذيب. . . . . مأخوذ من قول الشاعر، وهو مهيار:
عَبَرْت على الوادي فحَّرمت ماءه وكيف يحلّ الماءُ أكثره دَمُ
عبرت: أي أسلت عبرتي فيه، فوري. والمحفوظ عند أهل اللغة: استعبر الرجل،
إذا بكى، والذي رويناه في شعر مهيار بكيت
[ ٤٦ ]
والمليح البديع من هذه القطعة قوله:
سَرى البرقُ من نَعمان يُخبر أنّه سَيشفى بكم من كان بالأمس يَنْعَم
فيه من صنعة البديع المقابلة، وهي مقابلة سيشفى بينعم. ومن مليحها قوله:
رحلتم فذها اللّيل فيكُم فلم يعد إلىّ سِواهُ فيكُم إذ رحلّتُمُ
وهو من أبيات المعاني التي يسأل عنها، ويفهم معناه من قوله: فلم يعد إلى سواه، لأنه لا يعود سوى الليل الماضي، وهو الليل المستقبل، إلا بعد صبح يفصل بينهما، ولا فاصل عنده بعد فرقة أحبابه؛ لأن الأيام جميعها عنده
صارت مظلمة لبعد أحبابه؛ فما دامت الفرقة مستمرة، كانت الظلمة مستقرة.
ومن بدائع هذا الشاعر قوله:
سلَّم إذ مرَّ ولي هَّمةٌ تَسْتَنْزل الأقمارَ والأنجمَا
تَظْمَا ولا تَروي ولو أنني ألثمتها وجْنَتَه والفَما
فقلت للنّفس وقد أزْمعت أن ترد السُّلوان خوف الظَّما
هذا كثيرٌ فأشكري وأحمَدي فكيف لو مَرَّ وما سلَّما
[ ٤٧ ]
قوله في البيت الأول: سلم إذ مر، ثم قوله في آخر البيات: فكيف لو مر وما سلما من الصنف المسمى في صناعة البديع بالتبديل. إلا أنه فرق بينهما في أبيات، وقد جمع ذلك بعض أهل مصره، من شعراء عصره، فقال:
أصبحتُ صبًا دَنِفا مُغرمَا أشكُو جوى الحبّ وأبكي دَمَا
هذا وقد سلَّم إذْ مَرَّ بي فكيف لَوْ مَرَّ وما سَلَّما
ومن أفاضل شعراء المغرب المعروفين بالإجادة، الموصوفين بالإحسان والإفادة: