وأنشدونا للسلطان المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش ابن عباد اللخمي. والمعتضد هذا هو قطب رحى الفتنة، ومنتهى غاية المحنة؛ لم يثبت له قائم ولا حصيد ولا سلم من سيفه قريب ولا بعيد:
شَربنا وجفنُ الليل يَغسلُ كُحلَه بماء صباح والنسيْم رقيقُ
معَّتقة صفراَء أمّا نِجارُها فضخٌم وأما جسمُها فدقيق
[ ١٢ ]
وقال يخاطب الملك أبا الجيش مجاهد بن عبد الله، صاحب الجزائر ومدينة دانية. ويقال إنها من أبيات لكاتبه ذي المعارف والفنون، أبي الوليد ابن زيدون:
خِلّيِ أبَا الجيش هل يُقْضَي اللقاءُ لَنا فَيَشْتَفِى منك طرفٌ أنتَ ناظِرُهُ
شطَّ المزارُ بنا والدّار دانيةٌ يا حبّذَا الفألُ لو صحَّت زواجُره
قال ذو النسبين، ﵁: قوله والدار دانية من مليح التورية، وهي ضرب من صنعة البديع، ودانية: مدينة: مدينة كبيرة بشرق الأندلس، وهي مشتقة
من: دنا يدنو: إذا قرب.
وأنشدني شيخ الإتقان، وواحد أسانيد الفرقان، أبو العباس أحمد ابن عبد الرحمن اليافعي - ويافع بلياء المثناة باثنتين من أسفل، قبيلة من رعين - قال: أنشدني الأستاذ المقري: أبو داود سليمان بن يحيى، قال: أنشدنا الأستاذ الأعلى أبو الحسن علي بن عبد الغني الفهري الحصري القيرواني المكفوف
[ ١٣ ]
قال: دخلت على السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن المعتضد بالله، حين مات أبوه، فأنشدته ارتجالًا:
مات عبّادٌ ولكن بَقَيِ الفرعُ الكريمُ
فكأنّ الميْتَ حَيٌّ غير أنَّ الضَّادَ مِيم
ونسبه: محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عباد بن عمرو ابن أسلم بن عمرو بن عطاف بن نعيم. وعطاف ونعيم هما الداخلان بالأندلس:
مِن بني المنذرين وهو اِنتَساٌب زادَ في فخره بنو عّبادِ
فئةٌ لم تَلدِ سواها المَعَالي والمعالي قليلَةُ الأولاد
وهذا النسب يطرد اطراد الشآبيب، ويتسق اتساق الأنابيب، إلى مركز الدائرة من لخم، وإلى قنص بن معد من ابنه عجم. ولد ﵀ بمدينة باجة، سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وولي سنة إحدى وستين، وخلع سنة أربع وثمانين، وتوفي ﵀ في شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وخلع عن ثمانمائة امرأة، أمهات أولاد، جواري متعة، وإماء تصرف. وملك من البلاد بين مدن وحصون مائتي مسور، وإحدى
[ ١٤ ]
وثلاثين مسورا. وقد ذكرها الوزير أبو بكر محمد بن عيسى بن محمد اللخمي، الداني - يعرف بابن اللبانة - في كتاب نظم السلوك.
وأنشدونا للمعتمد، وقد ناوله بعض نسائه كأس بلور مترعا شرابا، ولمع البرق
فارتاعت، فقال بديهة:
رِيعت من البرِق وفي كفِّها برقٌ من القهوة لمَّاعُ
يا ليت شعري وهي شَمسُ الضّحى كيف من الأنوارِ تَرْتَاعُ
وأمر الأديب المصيب أبا محمد عبد لجليل بن وهبون بإجازة البيت الأول، فقال:
ولن تَرى أعجب من أنسٍ من مثل ما يُمْسِكُ يَرْتَاعُ
وهذا من نوادر الخواطر، وليس ينكر على هذا الشاعر. فمن جودة شعره ترتيب اللفظ فيه مع جودة معانيه، أولها المطابقة بلفظتي الأنس والارتياع، وتشبيه لمعان البرق يلمعان الخمر.
وقال المعتمد في السلطان عباد أبيه، من قصيدة كبير يمدحه فيه:
سميدعٌ يهب الآلافَ، مبتدئا ويستقلُّ عطاياه ويعتذرُ
له يدٌ كلُّ جبّار يقبِّلها لولا نَدَاها لقلنا إنَّها الحجرُ
[ ١٥ ]
يريد الحجر الأسود الذي يجب تقبيله على جميع الطائفين بالمسجد الحرام، على ما ثبت عن رسول الله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام. والسميدع، بفتح السين في لغة العرب: السيد.
وفضل يده على الحجر بما خصت به من الندى، وكثرة الجدي، ففضل يد الممدوح على الحجر الأسود وهذا من باب غلو الشعراء وإيغالهم، فيما ينمقون من زخارف أقوالهم؛ فشتان بين يديه وبين الحجر الأسود في الممات والمحيا، لأنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه في الدنيا، وينال بذلك عند الله ﷻ المنزلة العليا.
وقال أيضًا في أبيه يسترضيه:
مولايَ أشكو إِليك داءً أصبح قلبي به قَريحَا
سُخطك قد زادني سَقَاما فأبعث إلىّ الرّضا مَسيحا
فقوله مسيحًا من القوافي التي يتحدى بها، لصعوبتها على من راماه وأدخلها هو في بابها، إذ كان المسيح بن مريم يشفي من العلل وأصابها.
وأدخل عليه يومًا بعض فتيانه باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:
قَد زارنا النَّرجسُ الذَّكيُّ وحانَ من يومنا العَشِىُّ
[ ١٦ ]
ونحنُ في مجلسٍ أنيقٍ وقد ظمِئَنا وثَّم رِيُّ
ولي نديمٌ غدا سمِّي يا ليتَه ساعد السَّمىُّ
فأجابه ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار:
لبّيك لبّيك من مُنادٍ له النَّدى الرّحبُ والنَّدِيُّ
ها أنا بالباب عبدُ قِنٍ قِبْلَتُه وجهُك السَّنِيُّ
شرَّفه والداهُ باسمٍ شرَّفته أنتَ والنَّبيُّ
وكتب أيضًا إلى أبي بكر بن عمار:
لمّا نأَيتَ نأى الكرى عن ناظري ورَدَدْتَه لما انْصَرَفْتَ عليه
طلب البشيرُ بشارةً يُجزي بها فرهبتُ قلبي واعتذرت إليه
أنا استحسن قول أبي فراس لسيف الدولة:
نفسي فداؤكَ قد بَعَثْ تُ بِعُهْدتِي بيد الرّسول
وجعلتُ ما ملكت يَدي صلَة المبشِّر بالمقبول
وقال ابن عباد:
تظنّ بنا أمُّ الرّبيع سآمةً ألا غفَر الرّحمنُ ذَنْبًا تُواقِعُهْ
أأهجرُ ظبيًا في فؤادي كناسُه وبَدرَ تمامٍ في جُفوني مَطالعه
إذًا هَجرتْ كفِّى نوالًا تُفيضه على مُعنفيها أو عدوًّا تُقَارِعه
[ ١٧ ]
وقال:
أكْثَرْتَ هَجري غير أنّك ربّما عطفْتك أحيانا علّى أمورُ
فكأنّما زمنُ التَّهاجُر بيننا ليلٌ وساعاتُ الوصالِ بدُور
وقال:
حكَّمَه في مُهجتي حُسْنُه فظلَّ لا يَعدِلُ في حُكْمه
أفْدِيه ما ينفعكُّ لي ظالما يا رَبّ لا يُجْزَي على ظُلْمِه
وله في جارية تسمى بوداد، وقد سافر عنها إلى تفقد بعض البلاد:
اشرِب الكأسَ في وِدَادِ ودادِكْ وتأنَّس بذكرها في انفِراِدكْ
قَمرٌ غاب عن جُفونك مَرْآ هُ وسُكناهُ في سَواِد فُؤادك
وقال من أبيات في فتاة يوم وداعها، عند تفطر كبده وانصداعها:
ولمّا التقينا للودَاعِ غُدَيَّةً وقد خَفَقَت في ساحة القصب راياتُ
بكينَا دمًا حتى كأنّ عُيونَنَا لجرى الدّموع الحُمر منها جراحاتُ
من هذا الباب قول الآخر:
بكيت دمًا حتّى لقد قال قائلٌ أهذا الفتى من جفن عينيه يرعفُ
[ ١٨ ]
ومن شعره الحسن وغرضه المستحسن:
ورُبَّ ساقٍ مُهفهف غَنِجٍ قام ليَسقى فجاء بالعَجَبِ
أبْدى لنا من لطيف حِكمته في جامِد الماء ذائَب الذَّهب
قال ذو النسبين، ﵁: أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، ووصف كأسها بجامد الذائب، فمن ذلك:
لاَح وفاحت روائحُ النّدِ مُهْتصُر الخصر أهيف القدّ
وكم سقاني واللّيلُ معتكٌر في جامدِ الماء ذائبَ الْوَرْدِ
وقال الصنوبري:
أقولُ والكأسُ على فِيه قَد صَّوَبها كالكوب الصَّائِبِ
وجسمُها من ذهب جامدٍ وروحُها من ذهبٍ ذائب
ذَا كوكٌب يغُرب في كَوكبٍ ويْليِ من الطَّالِع لاَ الغَارِب
ومما يقارب هذا الباب ما يروى من قول كسرى: ليست أدري، هل التفاح خمر جامد أم الخمر تفاح ذائب؟ أخذه الخليع، فقال:
الرّاحُ تفّاحٌ جرى ذائِبًا كذلك التُّفَّاح راٌح جَمدْ
فأشرب على جامده ذَوْبَه ولا تَدعْ لذَّةَ يوم لِغَد
[ ١٩ ]
وكل هذا من قول الشريف عبد الله بن المعتز العباسي:
وخمّارةٍ من بنات المجو سِ تَرى الدَّنَّ في بيتها شائلاَ
وزنَّا لها ذهبًا جامدا فكالت لنا ذهبا سَائلا
وقال الأستاذ أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري:
أقول لَه وقد حيَّا بكأسٍ لَها مِنْ مِسْك ريَّاُه خِتامُ
أمن خَدَّيك تُعصر قال كَّلا متى عُصرت من الوَرِد المُدام
حدثني بهذا الشيخ الإتقان، وواحد أئمة الفرقان، الفقيه الأستاذ أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن، سبط الأستاذ المعزول، قال: حدثني الفقيه الأستاذ أبو داود سليمان بن يحيى، قال: سمعت الفقيه الأستاذ أبا الحسن الحصري يقول.
قال ذو النسين ﵁: وسمعت الوزير الفقيه المحدث الكاتب العدل أبا عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قال: سمعت الوزير الكاتب أبا نصر الفتح بن عبيد الله القيسي - هو ابن خاقان - يقول: أخبرني أبو بكر عيسى الداني، المعروف بابن اللبانة، أنه استدعاه المعتمد ليلة إلى مجلس قد كساه الروض وشيه، وامتثل الدهر فيه أمره ونهيه؛ فسقاه الساقي وحياه، وسفر له
[ ٢٠ ]
الأنس عن مونق محياه؛ فقام للمعتمد مادحا، وعلى دوحة تلك النعماء صادحا؛ فاستجاد قوله، وأفاض عليه طوله؛ وصدر وقد امتلأت يداه، وغمره جوده ونداه. فلما حل بمنزلة رسوله بقطيع وكأس من بلار، قد أترعا بصرف العقار، ومعهما:
جاءتك ليلًا في شِيَات نَهار من نُورها وغِلالَةِ البُلاَّرِ
كالمُشتري قد لفَّ من مِرِّيخه إذ لَفَّه في الماء جذوةَ نَار
لَطْفَ الجمودُ لذا وذا فتألفَا لم يلق ضِدٌّ ضِدَّه بِنفار
يتحيّر الرّاءُون في نَعْتيهما أصفاءُ ماءٍ أو صفاء دراري