أبو محمد وأبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنه بيت الفضل والإحسان، والمعاني الحسان. فمن أحسن أخبارهم، ورقيق أشعارهم أنهم باتوا ليلة في زمن الربيع بالمنية التي أنشأها السلطان المتوكل على الله؛ وسماها بالبديع، يتعاطون كئوس
الراح، ويدور عليهم منها أقداح الأفراح؛ إلى أن غلبهم النوم، وربط على آذانهم فارتفع عنهم اللوم؛ فلما تبلج وجه الصباح، وألبست الشمس معصفر خلعها فجاج البطاح؛ هب كل واحد منهم من نومه منشدا رافعًا عقيرته يالإنشاد مغردا؛ فقال الوزير الأوحد أبو محمد:
يا شَقِيقِي أتَى الصّباحُ بوَجْهٍ سَتَر الليلَ ضَوْؤُه وبَهاؤُهُ
فاصْطَبِحُ واغْتَنِمْ مَسَرَّة يَوْمٍ لستَ تَدْرِي بما يَجئ مَساؤُه
ثم استيقظ الوزير الخطير أبو بكر فقال:
يا أخي قُمْ تَرَ النَّسيم عَلِيلا باكرِ الروَّضَ والمدُامَ شَمُولاَ
لا تَنَمْ واغْتَنِمْ مَسَرَّة يَوْمٍ إنّ تَحت التُّراب نَوْمًا طَوِيلا
[ ١٨٦ ]
ثم استيقظ أخوهما الوزير الحسن أبو الحسن فقال:
يا صَاحبيّ ذَرَا لَوْمي ومَعتَبتِي قُمْ َنْصَطِبح خَمْرًة من خَير ما ذَخرُوا
وبَادِرَا غَفْلَة الأياِم واغتَنمِا فاليومَ خمرٌ ويبدُو في غَدٍ خَبَرُ
وذو الوزارتين الناظم الناثر الكثير المعالي والمآثر أكتب أهل زمانه على الإطلاق، وآدب أهل الأندلس بالإجماع والاتفاق؛ مع التقييد للحديث، والاشتغال بعلومه في القديم والحديث: