أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج
عين مدينة لورقة وإنسانها، ومدرهها ولسانها؛ وكان أكرم من غمام، وأرسى حلمًا من شمام؛ وله شعر أعذب من الجريال في صحن الخد، وأطيب من الوصال بعد الصد.
أنشدني الوزير الفقيه المحدث الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قراءة مني عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ﵀، قال:
أنشدنا ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور:
أزورَك مُشتاقًا وأرجع مُغرمًا وأفتح بابًا للصَّبابَة مُبْهَما
أمدَّعِيَ السُّقم الذي آد حَمْلُه عَزيزٌ علينا أن نَصحّ وتَسْقما
مَنَعْت مُحِبًا منك أيسرَ لَحظة تَبْلُّ غَليلَ الشَّوق أو تَنقُع الظَّما
وما رَدَّ ذاك السِّجفُ حين رميتَه من القَلب سَهمًا من هواك مُصمِّما
هَوًى لم تُمِنْ عينٌ عليه بنَظرةٍ ولم يكُ إلا سَمْعةً وتَوهُّما
[ ١٧٥ ]
ومُلتقطَاتٍ من حديث كأنما نَثرتَ به سِلْكَ الجُمان المنظَّما
دعوتُ إليك القلب بعد نُزوعه فأسرع لمَّا لم يجد متَلوَّما
وله:
وبيضاَء ينَبو الحَّظُ عند التقائها وهل تَستطيع العينُ تنظرُ في الشّمسِ
وَهَبْتُ لها نفسًا علىَّ كريمةٌ وقد عَلِمتْ أنَّ الضَّنَانة بالنَّفس
أعالجُ منها السُّخطَ في حالةِ الرّضى ولا أعدَم الإيحاش في ساعة الأنس
وله وقد أهدى تفاحا
بعثتُ بها ولا آلُوك حَمْدًا هديةَ ذِي اصطناع واعْتِلاَقِ
خدودَ أحبْة وافَيْنَ صَبًّا وعُدْنَ على ارتماضٍ واحتراقِ
فحمَّر بعضَها خَجَلُ التَّلاقِي وصَفَّر بعضَها وَجَلُ الفِرَاق
وله في زرزور:
يا رُبَّ أعجَم صامتٍ لَقَّنْتُه طَرَفَ الحديثِ فصَار أفصحَ نَاطِقِ
جَوْنِ الإهابِ أعِيرَ فُوه صُفْرةً كاللَّيل طَرَّزه وَميضُ البارق
حِكَمٌ من التَّدبير أعجزَتِ الوَرى ورَأى يها المَخلوقُ لُطْفَ الخالق
[ ١٧٦ ]
وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من العلوم والآداب كلها جواهر، وجميعها إذا أدجت الأيام زواهر؛ وكان ذكر بني عباد بالكرم بالمغرب. وقد طار وطبق الأقطار، فقصدهم بتلك البضائع التي لا يروج إلا لديهم نفاقها، ولا تقام إلا عندهم أسواقها؛ فأخفق لاشتغالهم عنه - لا لتقلص ظلال كرمهم - مسعاه، وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم موردا، وارتحل عنهم منشدا:
تَعزَّ عن الدُّنيا ومَعروِف أهلها إذا عُدمٍ المَعروفُ في آلِ عبْادِ
أقمتُ بهم ضَيْفًا ثلاثَةَ أشهرٍ بغَيرْ قرِي ثم انصرفتُ بلا زاد
فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم، وقد ألبسهم من العار ما عراهم من حلل الأيادي السابقة من نوالهم.
وله إلى الفقيه العالم الأديب الأحسب، قاضي القضاة بشرق الأندلس ونخبة الأملاك من كلب، أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي:
لي صاحبُ عَمِيَتْ علىّ شُئُونُه حركاتُه مَجْهولةٌ وسُكُونُه
يرتابُ بالأمر الجَلِّيِ تَوهُّمًا وإذا تَيقَّن نَازَعَتْهُ ظُنُونه
ما زلتُ أحفظه على شَرَقِي به فالشَّيبُ تكرَهُه وأنتَ تَصُونه
[ ١٧٧ ]
والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف: