قال الكميت:
كما خامرتْ في حضنها أم عامرٍ لدى الحبلِ حتى عال أوس عيالها
أم عامر الضبع، وأوس الذئب، والضبع من أحمق الدواب وتبلغ من حمقها أنه يدخل عليها في مغارها فيقال: ليست هذه أم عامر، فتسكن حتى تقاد، ويقال لها: خامري أم عامر، ثم يشد في عرقوبها حبل ثم تجرّ به، وقوله خامرت سكنت وانخدعت وأصل المخامرة المخالطة، وقوله لدى الحبل يريد الصائد، وقوله: حتى عال أوس عيالها، يقال إن الضبع إذا صيدت عال الذئب ولدها وأتاها باللحم وذلك أنه يثبت على الضبع فتحمل منه وتلد له، وكان بعضهم يرويه: غال أوس عيالها أي أكل جراءها، وقال آخر:
كمرضعةِ أولاد أخرى وضيّعتْ بنيها ولم ترقَعْ بذلك مرقعا
أراد الذئبة يقال إنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع ولذلك تقول العرب: أحمق من جهيزة يعنونها، ويقولون أيضًا: أحمق من نعامة لأنها تدع الحضن على بيضها ساعة تحتاج إلى الخروج لطلب الطعم فإن رأت بيض نعامة قد خرجت للطعم حضنت وتركت بيض نفسها.
[ ١ / ٢١٢ ]
وقال ابن هرمة:
كتاركةٍ بيضِها بالعراءِ وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وأنشد أبو عبيدة:
والذئبُ يغذو بناتَ الذيخِ ناقلة بل يحسبُ الذئبَ أن النجلَ للذيبِ
الذيخ ذكر الضباع وهو الضبعان أيضًا، والنجل الولد.
وقال جرير:
تراغيتُم يوم الزبيرِ كأنّكم صباغٌ بذي قارٍ تُمنى الأمانيا
يقول صحتم صياح الضباع إذا جهدت، يقول لم يكن عندكم إلا أن يشكو بعضكم إلى بعض، وقوله تمنى الأمانيا هو قولهم للضبع في وجارها: خامري أم عامر أبشري بجراد عضال وكمر رجال، فلا يزالون يقولون ذلك حتى تقر فيدخل عليها الرجل فيربط يديها ورجليها ويكعمها والعظال الجراد الذي يركب بعضه بعضًا إذا أراد أن يبيض ولذلك قيل يوم العظالى لأن الناس - كان - يركب بعضهم بعضًا، وقوله كمر رجال يقال إن الضبع إذا وجدت قتيلًا قد انتفخ جرد أنه ألقته على قفاه ثم ركبته لتستعمله أبدًا حتى يلين.
وقال العباس بن مرداس:
[ ١ / ٢١٣ ]
فلو ماتَ منهُم جرحنا لأصبحت ضباعٌ بأكنافِ الأراكِ عرائسا
أراد هذا المعنى.
وقال آخر:
تضحكُ الضبعُ لقتلى هذيلٍ وترى الذئبَ لها يستهلُ
وعتاقُ الطيرِ تهفو بطانًا تتخطاهم فما تستقلُ
وقال الكميت يهجو قومًا:
أما أخوكَ أبو الولي د فلابسٌ ثوبي مخامرِ
فعَلَ المقرِةَ للمقا لة خامري يا أم عامرِ
حتى إذا نَشُبَ الضفي رُ بجاذبٍ للحبلِ باترِ
ذهبت تحير إليه وه ي بغير منزلةِ المحاورِ
وقال كثير بذكر ناقة:
وذفري ككاهلِ ذيحِ الرفيضِ أصابَ فريقةً ليل فعاثا
الذيح ذكر الضباع، والرفيض قطعة من الجبل وجمعه رفض،
[ ١ / ٢١٤ ]
والفريقة الغنم الضالة يقال أفرق غنمه أي أضلها، وقال جران العود وذكر نفسه حين أسن:
أصبحتُ قد جحّمتُ في كسر بيتكم كما حجّم الضبعانُ بين السخابرِ
الضبعان ذكر الضباع، والسخابر شجر الواحدة سخبرة، ويقال جحم فلان إذا نظر نظرًا حديدًا حتى يُنظر إلى عينه كأنها جاحظة - قال قيس - ابن عيزارة الهذلي:
فإنكَ إذ تحذوكَ أم عويمرٍ لذو حاجةٍ حافٍ مع القومِ ظالعُ
أم عويمر الضبع، أي تتبعك تطمع أن تقتل فتأكل منك، وقال العجاج يذكر سني جدب:
يدعنَ ذا الثروةِ كالمعيلِ وصاحب الأقتارِ لحم المألِ
أي يتركن الفقير لحمًا للضبع أي يمتنه، وقال آخر - المشعث:
وجاءت جيألٌ وأبو بنيها أحمُ المأقييْن به خماعُ
أبو بنيها الذكر وهو الضبعان، وقال مدرَك بن حصين الأسدي:
رغا جزعًا بعد البكاءِ كما رغتُ موشمةَ الجنبينِ رطبَ عرينها
[ ١ / ٢١٥ ]
يريد ضبعًا موشمة بها وشوم، وقال الكميت:
نطعم الجيأل اللهيد من اللح م ولم ندع من يشيط الجزورا
الجيأل الضبع، واللهيد مثل الحسير، ويقال شاط دمه إذا بطل وأشطته أبطلته وقال ساعدة بن جؤية وذكر ميتًا:
وغودرَ ثاويًا وتأوبَتْهمذرعة اميم لها فليلُ
تأوبته أتته ليلًا مذرعة ضبع بذراعيها توقيف أي آثار خطوط والفليل ما تكبب من الشعر واحدتها فليلة.
لها خفّان قد ثلبا ورأسٌ كرأسِ العودِ شهبرة نؤولُ
أراد أن لها خفًا غليظًا، ثلبا تكسرا من قولك ثلب فلان عرض فلان أي كسره، وشهبرة مسنة، والنهشلة مثلها، والنؤول التي تمشي كأنها مثقلة من حمل يقال مر ينأل بحمله نألانا إذا مر يتدافع به ومر يدلح.
تبيتَ الليلَ لا يخفي عليها حمارٌ حيث جر ولا قتيلُ
كمشيِ الأقبل الساري عليها عفاء كالعباءةِ عفشليلُ
يريد أنها تمشي في الليل كمشي الرجل الأقبل وهو الذي في عينه شبيه بالحول وذلك أنها تلتفت وتدير عينيها، وجعله ساريًا لأن الضبع أكثر جولانها في الليل لأكل الجيف، وعفاؤها شعرها ووبرها، والعفشليل الجافي، وكذا خلقة الضبع وهي كثيرة الشعر ولذلك قيل
[ ١ / ٢١٦ ]
عثواء لأنها كثيرة الشعر.
فذاحتْ بالوتائرِ ثم بدّت يديْها عند جانبه تهيلُ
ذاحت مرت مرًا سريعًا سهلًا، والوتائر طرائق مرتفعة من الأرض منقادة، بدت يديها أي فرقت بين الأصابع وفتحتها لتحفر عند جانب القبر، تهيل تحثو التراب وتنبش، وقال الأعلم يخاطب رجلًا يذمه:
تشايعُ وسطَ ذودك مقبئنًّا لتُحسب سيدًا، ضبعًا تبولُ
المشايعة والشياع رغاء الإبل، يريد إنك ذو مال فأنت تنادي وسط إبلك، والمقبئن المجتمع، وقوله ضبعًا أراد يا ضبعًا تبول فشبه بها.
عشنزرة جواعِرها ثمانٍ فويق زماعِها وشمٌ حجولُ
العشنزرة الغليظة، وسألت الرياشي عن قوله جواعرها ثمان فقال الجواعر أربع في رقمتي الحمار مواصل أطراف عظام وأراه أراد زيادة في تركيب خلقها، وإنما سميت الضبع جعار من الجواعر،
[ ١ / ٢١٧ ]
والزماع جمع زمعة وهي شيء مثل الزيتونة تكون خلف ظلف الشاة، وشم من الخطوط، وحجول مثل الخلاخيل.
تراها الضُبع أعظمهنَ رأسًا جراهمة لها حرة وثيلِ
الضُبع جمع ضَبع، جراهمة عظيمة الرأس.
وقوله لها حرة أي حر فزاد الهاء، وثيل وعاء القضيب، وأراد أنها خنثى، ويروي لها حر بتشديد الراء للضرورة.
كما قال: " كأن مهواها على الكلكلّ " وقال:
وتجرّ مجريةً لها لحمى إلي أجرٍ حواشبِ
مجرية ضبع ذات جراء، حواشب منتفخات الجنوب.
سودٌ سحا ليلٌ كأنّ جلودَهن ثيابُ راهبِ
سحاليل لينة واحدها سحليل شبه جلودها بثياب الرهبان لأن ثياب الرهبان سود.
آذانهن إذا احتضَرْ نَ فريسةً مثل المذانبِ
[ ١ / ٢١٨ ]
المذانب المغارف واحدتها مِذنبة.
ينزعنَ جلدَ المرءِ نز عَ القينِ أخلاق المذاهبِ
أخلاق المذاهب أخلة تجعل مذهبة على جفن السيف فإذا أخلقت نزعت عن الجفن وأعيد عليه غيرها، وأنشدني الرياشي في وصف ضبع:
دفوع للقبورِ بمنكبيْها كأن بوجهها تحميمَ قدرِ
يريد أن وجهها سوادًا والتحميم السواد.
قال ابن الأعرابي يقال في مثل: إنما أنت خلاف الضبع الراكب.
قال لأن الضبع إذا رأت راكبًا خالفته وأخذت في ناحية، يقول فأنت تخالف الناس أبدًا فيما يصنعون، والذئب يعارضه وهو أخبث.
قال الهذلي - عبد بن حبيب:
تركنا ضُبع سُمْيَ إذا استباءت كأن عجيجهُنَ عجيجُ نيبِ
استباءت يقال رجعت إلى القتلى من باء يبوء ويقال استباءت أرادت الباءة من القتلى وهو النكاح والضبع تستعمل ذكر القتيل.
وقال آخر:
فارتث كلما هم عشية هزمهم حي بمنعرجِ المسيلِ مقيمُ
يعني الضباع جعلها بمنزلة حي من الأحياء.