قال حميد بن ثور:
فلا أسألُ اليوم عن ظعائنٍ ولا ما يقولُ غرابُ النوا
يقول تركت اليوم طلب الباطل والجهل وتركت التطير.
كأني أباري قطا صاحبي إذا هو صوَّتَ ثم ابتدا
بُكورًا وأرّقها بالشبا من جزعِ جُبَةِ ريحِ الثرا
هوِيّ تخالُ به جنةٌ يقطِّعُ فيه فطالَ الحشا
[ ١ / ٣٠٦ ]
أباري أعارض قطا صاحبي يعني مزاحم بن الحارث العقيلي، يقول كأني أباريه في النعت للقطا، وكدرًا في ألوانها، والثرى الندى، يقول: وجدْت ريح الندى فطلبت الماء، وهوى يقول أوردها هوى وهو الطيران الشديد، تخال به جنة أي جنونًا من شدته وسرعته، وقوله: يقطع فيه فطال يعني فطال يا مزاحم، والحشا الربو من شدة الطيران والعدو يقال حشِي يحشَى حشًا شديدًا.
لها مِلَمعانٌ إذا أوغفا يحثّانِ جؤجؤها بالوَجا
ملمعان جناحان تلمع بهما، وأوغفا أسرعا، والوحا الحفيف والصوت.
وقال أيضًا يصف قطاة:
قرينةُ سبعٍ إن تواترنَ مرةً ضربنَ فصفّت أرؤس وجنوب
أي قرينة سبع قطوات، تواترن تتابعن، ضربن أي بأجنحتهن والضرب الخفق بالأجنحة، وقال الجعدي:
وضُمّ الجناح فلم يضرب
يقول لم يخفق. والقطا تصطف إذا طرن وعدون يقال لها إذا كثرت واصطفت عَرَقة:
ثمانٍ بأستارين ما زدنَ عدة غدوْنَ قُرانا ما لهن جنيبُ
[ ١ / ٣٠٧ ]
إستارين أربعة أربعة، وقرانا يقول كأنهن قُرِنّ، ما لهن جنيب أي ليس معهن غيرهن.
وقال وذكر الفراخ:
جُعلنَ لها حزنًا بأرضِ تنوقةٍ فما هي إلا نهلةٌ فوثوبُ
توطّن توطيْن الرهانِ وقلّصتْ بهن سرنداة الغدوِ سَروبُ
يريد أن أولادها حزنها من الدنيا، توطين الرهان أي كما توطن الدواب للسبق، والسرنداة الجريئة، سروب سريعة.
وقال زهير:
كأنها من قطا الأجبابِ حلاّها وردَ وأفردَ عنها أختُها الشركُ
جونية كحصاةِ القَسم مرتعها بالسِيّ ما تنبتُ القفعاء والحسكُ
الأجباب مواضع - فيها - ركايا واحدها جب، والورد قوم يردون الماء، وأفراد عنها أختها الشرك أي أُخذت أختها ففزعت وهو أسرع لها، جونية قالوا القطا ضربان فالجوني والكُدري واحد والغَطاط صنف منه آخر.
فالكدري ما يكون أكدر الظهر أسود باطن الجناح أصفر
[ ١ / ٣٠٨ ]
الحلق قصير الرجلين في ذنبه ريشتان أطول من سائر الذنب، والغطاط ما اسود باطن أجنحته وطالت أرجله واغبرت ظهوره غبرة ليست بالشديدة وعظمت عيونه، وحصاة القسم هي التي يقدّر بها الماء في القدح ويقسم عليها إذا تصانفوا، وشبهها بهذه الحصاة لأنها مستوية ليس في حَيد يُغبن به صاحبه، قال الأصمعي وأبو عبيدة واسم الحصاة المقلة، قال - يزيد بن طعمة الخطمي:
قذفوا جارهم في هُوّة قذفك المَقلة وسط المعترَك
- وقال زهير:
ثم استغاثَ بماءٍ لا رِشاءٍ له من الأباطحِ في حافاتِه البُركُ
كما استغاثَ بسيء فزُّ غَيطَلة خاف العيون ولم يُنظر به الحشَكُ
لا رشاء له أي أنه يجري على وجه الأرض، يقول لم تزل مجتهدة في طيرانها حتى استغاثت بماء أبطح، والبرك طير صغار واحدتها بُرَكة، والفز ولد البقرة والسَّيء اللبن الذي يكون في الضرع قبل نزول الدرة، والغيطلة شجر ملتف، قال الأصمعي: والذي أظن في الغيطلة أن تكون أمه وضعته في شجر، خاف العيون أي خاف أن يراه الناس ولم تنتظر به أمه حشوك الدرة وهو حفلها، يقال حشك إذا حفل ودفع حشكًا بسكون الشين فحركها ضرورة، قال أبو عبيدة الغيطلة البقرة، وقال يصف الصقر والقطاة:
[ ١ / ٣٠٩ ]
ينقضّ عند الذنابيّ وهي جاهدة يكاد يخطفها طَورًا وتهتلكُ
إنما ينقض الصقر على القطاة من ناحية الذنب، وتهتلك تجتهد.
ثم استمر فأوفى رأس مرقبة كمنصب العِتر دميّ رأسه النسكُ
يعني الصقر ترك القطاة وسقط على رأس مرقبة فكأنه مما به من الدم الحجر الذي يعتر عليه، والمنصب الحجر، والعتيرة الذبيحة في رجب.
وأنشد لأبي خراش:
ولا الأمغر الساقيْنِ ظلَّ كأنه على محزئلاتِ الأكامِ نصيلُ
يعني صقرًا، وما ارتقع فقد احزأل، والنصيل الحجر قدر الذراع ونحوها.
وقال وذكر الفلاة - والبيت لزهير:
بها من فراخِ الكُدرِ زغبٌ كأنها جني حنظلٍ في مِحصَنٍ متعلقِ
شبه فراخ القطا بجني الحنظل قد علق على وتد في زبيل.
وقال الراعي يصف القطا:
صفرُ المناخرِ لغواها مبينةٌ في لجةِ الليلِ لما راعها الفَزَعُ
يسبقنَ أولادَ أبساطِ مجددةٍ أزري بها الصيفُ حتى كلها ضرَعُ
لغواها أصواتها، مبينة لأنها تقول قطا قطا، يسبقن يعني القطا
[ ١ / ٣١٠ ]
يسبقن أولادها، أبساط أراد ذوات أفراخ، يقال ناقة بسط إذا كان معها ولدها أي هي مع أمهاتها وليس لأمهاتها لبن فلذلك قال مجددة وأصل المجددة في الإبل التي أصاب أطباءها شيء فانقطع لبنها، ضرع ضعيف.
صيفيةٌ كالكُلى صفرًا حواصلُها فما تكادُ إلى التغريرِ ترتفعُ
شبهها بالكلى لأن ريشها لم ينبت فهي حمر، صيفية خرجن من البيض في آخر ما يخرج من الطير، قال:
إن بنيّ صبية صيفيون
والتغرير الزق، يقول لا تكاد ترفع إلى أمهاتها.
يسقينهنَ مُجاجاتٍ يجئنَ بها من آجنِ الماءِ محفوفًا به الشِرَعُ
الشرع الأوتار يريد الأشراك التي ينصبها الصائد وجعلها من عقب.
حتى إذا جرعَتْ من مائهِ نطفًا تسقس الحواقنُ أحيانًا وتجترعُ
الحاقنة الحوصلة وأصل الحاقنة نقرة اللبة، أي أحيانًا تجرع لنفسها وأحيانًا لفراخها، وقال وذكر القطا:
[ ١ / ٣١١ ]
تداعينَ شتى من ثلاثٍ وأربعٍ وواحدةٍ حتى اجتمعنَ ثمانيا
هذا مثل قول حميد بن ثور " قرينة سبع ":
دعا لُبّها غمرٌ كأن قد وردنَه برجلةِ أبلى ولو كان نائيا
دعا لب هذه القطاة ماء غمر كأن قد وردنه في السرعة، ورجلة مسيل الماء إلى الوادي، وقال أيضًا يصف القطاة وفرخها:
توي له بشعيب غير مُعصَمة منغلّة دونها الأحشاء والكبد
الشعيب المزادة يعني حوصلتها، غير معصمة ليس لها عصام والعصام سير القربة، ويروي مغلولة يريد أن ما دونها من الأحشاء والكبد ذو غلة والغلة حرارة العطش، وقال ابن أحمر يصف فرخ القطا:
أطلسٌ ما لم يبدُ من جلدهِ وبالذنابيّ شائل مُقمطِر
يقول ما لم يبد فيه الريش من جلده أطلس والطلسة غبرة إلى السواد كلون الذئب، وهو بالذنب شائل مقمطر منتفش يريد أن ريشه لم يتطارق بعد.
حتى إذا ما حببت ريّة وانكدرتُ يهوي بها ما تمرُ
حببت رية أي امتلأت ريًا، يهوي بها ما تمر أي مرها.
أيقظه أزملها فاستوى فصعصعَ الرأسُ شخيت قفرُ
أيقظ الفرخ صوت أمه وحسها، فصعصع أي حرك، شخيت دقيق، قفر قليل اللحم، وقوله يصف حوصلتها:
[ ١ / ٣١٢ ]
من ذي عِراقِ نيطَ في جوزِها " فهو لطيفٌ طيَّه مُضطمِرُ "
العراق الطرة المجاورة في المزادة شبه حوصلتها بالمزادة.
وقال يصف القطاة:
ترعى القطاةَ الخِمس قَفّورها ثم تُعر الماءَ فيمن يعُرُ
يقول ترعى خمسًا لا تجد الماء والقفور نبت، تعر الماء تلمِ به فيمن ألم. وقال:
بتيهاءُ قفر والمطي كأنها قطا الحَزنِ قد كانت فراخًا بيوضُها
قال هي قبل هذا الوقت في الربيع تشرب من الغدر فلما صافت خرج فراخها من البيض فاحتاجت إلى طلب الماء من مكان بعيد لأن الغدر في الصيف تجف وذاك أسرع لها.
وقال المرار وذكر إبلًا:
لها نَسقاتٌ كالقطا نشطتْ به من الدوّ صفراءُ اللَّبانِ طَمومُ
نسقات اصطفاف في السير كاصطفاف القطا، نشطت به أي خرجت به والناشط الخارج من بلد إلى آخر، الهاء في به للقطا أي خرجت بالقطا قطاة صفراء اللبان وأراد أنها زاقَّة فقد اصفر لبانها لما يسيل عليه ويقال بل ذاك خلقة، والقطا الكدري صفر الحلوق.
وقال يصف فرخ القطاة:
[ ١ / ٣١٣ ]
تقلِّبُه عن وكره عُلويّةٌ كما جُرعن أصلِ الحَماطِ هشيمُ
علوية ريح تجيء من ناحية العالية، شبه الفرخ بقطعة من هشيم الحماط نُحيّ عن أصله.
وقال يصف الحوصلة:
بضمرٍ كجِروِ الشري لم تطوِ غيره فِراغًا ولم يُكتب هناك أديمُ
بضمر أي بحويصلة لطيفة، والشري الحنظل وجروه صغار حمله والفراغ حوض من آدم، يقول ليس لها غيره، ولم يكتب لم يخرز.
وقال أبو النجم يذكر الإبل:
يثُرنَ أسرابَ القطا البُيّاضَ عن كل أدحيّ أبي مقاضِ
يقول قد فرخت فيه مرارًا ففيه قيض كثير والقيض قشور البيض، يقال هو أبو المنزل أي صاحبه وهذا كقولك ذو مقاض أي موضع قيض.
ورد القطا مَطائط الإياض
أراد الإضاء وهو جمع أضاة، يعني الغدران فقدم لام الفعل وأخر العين، وقال آخر لناقته:
رِدي رِدي وردَ قطاة صمّا كُدريةٍ أعجبها بردُ الما
صماء يقول هي في موضع لا تسمع فيه صوتًا يذعرها ولا يثنيها
[ ١ / ٣١٤ ]
عن الماء، يقول لناقته كوني كذا.
وقال الجعدي وذكر ناقة:
خنوفٌ مروحٌ تعجِل الوُرق بعدما يَعرّسن شكوى آهة وتذمرا
الخنوف التي ترمي يديها إلى وحشيها، والمروح التي تمرح، والورق القطا، تعجلهن أي تذعرهن إذا عرسن من آخر الليل توقظهن، آهة يعني تأوهًا.
وقال آخر يصف الإبل:
إذا هَجَدَ القطا أفزعنَ منه أوامنٌ في معرّسه الجُثومِ
هجد القطا وقع ليستريح والهجود النوم والتهجد السهر، يقول إذا نامت القطا مرت بها الإبل فأفزعت من القطا أوامن في معرسه بكسر الراء أي في قطاة الذي عرس، والجثوم مردود على المعرس أو على الهاء التي في المعرس، ومن روي: في معرسه بفتح الراء فالمعرس الموضع الذي يعرس فيه، أراد أوامن الجثوم في معرسه ففرق بين المضاف والمضاف إليه، وقال العجاج وذكر ماء:
وردته قبل الذئابِ العُسّالِ وقبل أرسالِ قطا وأرسالِ
بالقوم غِيدًا والمطي الكُلاّل فوّز خمسًا عن طلاقِ الأوشالِ
غيدًا أي متثني الأعناق ونصبه على الحال، وفوز أخذ في المفازة عن طلاق أي بعد طلاق، وهو جمع طَلَق مثل جمل وجمال
[ ١ / ٣١٥ ]
والطَلَق ليلة يطلب الماء والقَرب ليلة يرد، وأرسال قطا واحدها رَسَل شبهها بجماعة الرسل من الإبل وهي ما قام على الحوض من الشاربة ولا تسمى رسلًا إلاّ ثم فإذا تنحى فليس برسل، ويقال سرب من قطا أي قطعة فإذا كثر جمع القطا واصطف قيل عَرَقة، وكل ما كثر من الطير في الهواء فهو فيء، وقال آخر وهو الأصبهبذ رجل من بني حنظلة:
كأنها إذ تحمل المساعرا الخيل والأبدان والمغافرا
في من الطير غدت كواسرا
والوشل الماء القاطر قال ذو الرمة:
فلاةُ رجوع الكدر أطلاؤها بها من الماءِ تأويب فهن روابعُ
يقول رجوع القطا ليلًا، ويقال أوّب إذا سار يومه ونزل عند الليل، وأطلاؤها أولادها والطلا ولد الظبية فاستعاره، وهن روابع أي يردن ربعًا وذلك أن يكون في العري يومين وفي الماء يومًا.
وقال آخر وذكر حمارًا وأتنًا - والبيت لأوس بن حجر:
فأوردها التقريبُ والشدُّ منهلًا قطاه معيد كرة الوردِ عاطفُ
يريد أوردها العير تقريبًا وشدا فأدخل الألف واللام ووصف البلد بالبعد فقال إذا ورد القطا فشرب ثم كر راجعًا لم يقطع البلد من بعده حتى يعود فيشرب ثانية.
وقال ابن مقبل وذكر ناقة:
[ ١ / ٣١٦ ]
إذا الجَونةُ الكدراءُ باتتْ مبيتَها أناخَتْ بجعجاعِ جناحًا وكلكلا
أي باتت القطاة تسير كما تسير الناقة ضعفت عن ذلك وأناخت، والجعجاع المحبس ويقال بات فلان سائرًا.
وقال مزاحم العقيلي وذكر قطاة وفرخها:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها تصلّ وعن قيضٍ بزيزاءٍ مجهلُ
الأصمعي: من عليه يريد من فوقه أي من فوق الفرخ، تم ظمؤها أي أنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام أو أربعةمرة فلما جاء ذلك الوقت طارت، والزيزاء المكان الغليظ المنقاد وجمعه زَياز، والقيض ما تكسر من البيض، تصل أي هي يابسة من العطش، أبو عبيدة: غدت من عليه أي من عنده يعني فرخها والظمء ما بين الشربتين.
وقال النابغة يصف قطاة:
تسقي أزيغبٍ ترويه مجاجَتَها وذاك من ظمئها في ظمئهِ شُرْبُ
أزيغب فرخ، والظمء ما بين الشربتين أي ذاك السقي منها ومنه شرب وذلك لأن ظمأها وظمء الفرخ واحد هي تشرب لتروي وتسقيه.
وقال ذو الرمة:
ككدريةٍ أوجت لوردٍ مباكرٍ كلامًا أجابتْ داجنًا قد تعلَّما
أوحت صوتت، لورد يريد إلى ورد، قال الله ﷿ " بأن ربك أوحى لها " أراد بالورد القطا التي وردت والورد أيضًا السير إلى
[ ١ / ٣١٧ ]
الماء والورد الماء المورود.
وقال أيضًا:
ومستخلفاتٌ من بلادٍ تنوفةٍ لمصفرّةِ الأشداقِ حمر الحواصلِ
المستخلف السقاء يعني قطا يحملن الماء في حواصلهن لفراخهن.
صدرن بما أسارُت من ماءٍ آجنٍ صرى ليس في أعطانهِ غير حائلِ
سوى ما أصاب الذئب منه وسُربة أطافت به من أمهات الجوازلِ
يقو لرجعن إلى فراخهن بما أبقيت في أعن هذا الماء شيء إلا هو حائل قد تغير أي رجعن بما أبقيت إلا ما شربه الذئب، وسُربة جماعة من قطا أو حمام، والجوازل الفراخ واحدها جوزل.
وقال أبو وجزة وذكر حميرًا:
وهنَ ينسبْنَ وهنا كل صادقةٌ باتتْ تباشرُ عُرمًا غير أزواجِ
أي يفزعن القطا ليلًا فتصيح فتقول قطا قطا فتنسب أنفسها فتصدق، تباشر عرمًا يعني بيضها، والعرم المنقطة يقال شاة عرماء وحية عرماء، وقوله غير أزواج قالوا لا يكون بيضها أبدًا إلا فردًا.
وقال:
بحافته من لا يصيحُ بمن سرى ولا يدّعي إلا بما هو صادقُهُ
وقال الأخطل:
[ ١ / ٣١٨ ]
ولا جشمٌ شر القبائلِ أنهم كبيْضِ القطا ليسوا بسودٍ ولا حمرِ
بيض القطا أرقط يقول فهؤلاء ألوان كبيض القطا ليسوا من نجر واحد، ومثله قول الآخر في صادقة:
وصادقةٌ ما خبّرت قد بعثتها طروقًا وباقي الليلِ في الأرض مسدفُ
ولو تُركتُ نامَتْ ولكن أعشاها أذى من قلاصٍ كالحنيّ المعطفُ
يُقال أعششت القوم إذا نزلت بهم على كره حتى يحولوا من مكانهم من أجلك، ومثل قوله ولو ركت نامت، قولهم في المثل " لو ترك القطا لنام ".
وقال النابغة:
تدعو قطا وبه تُدعى إذا نَسبت يا صدقَها حين تدعوه فتنسبُ
وقال الكميت:
أو الناطقاتُ الصادقاتُ إذا غدتْ بأسقية لم يفرهنَ المطببُ
الأسقية الحواصل، لم يفرهن لم يشققهن، والمطبب صاحب الطباب وهو جلدة تجعل على طرفي الأديم ثم تخرز فيمسك الخرز طرفي الأديم جميعًا.
جعلنَ لهنَ الخمس للعيسِ روحةً سبابها مفض اليهن سبسبُ
[ ١ / ٣١٩ ]
يريد جعلت القطا مسيرة الإبل خمسًا روحة لها.
فأبن قصار الظمء لم يسترثنها بما فيه من ري الصوادي التحبب
أبن يعني القطا، قصار الظمء يعني الفراخ والظمء وقت الشرب، والتحبب الامتلاء من الري أراد أبن بما فيه التحبب من ري الصوادي.
وقال:
أو روايا التوائم في المهمة القفّ ر تناولن من سراة العويرا
روايا الفراخ يعني المستقيات لها وجعلها تؤامًا أي أزواجًا وليس في هذا نقض لقولهم أن البيض لا يكون إلا أفرادًا لأنه قد يفسد يعضه، والعوير ماء.
لفواقٍ عودًا وبدءًا يبادر نَ رواياه أن يجف الغديرا
الفواق أصله ما بين الحلبتين، أي بدأن وعدن يبادرن الغدير أن يجف من أجل فواق.
يتبادرنَ بالرواءِ من الشِ رب أمامَ القلوبِ عيرًا فعيرا
أي حواصلهن قدام قلوبهن.
كل صادٍ كأنّ بالجلدِ منه حصفًا أو تخاله مجدورا
يقول الفراخ حين حمّمت أي بدأ طلوع ريشها فكأن بها حصفًا.
في أساقٍ لم يغدُ فيها الوليدا ن ولم يُعكم الأجيرُ الأجيرا
أساق حواصل، لم يعكم لم يعن قولك أعكمني أي أعني على عكمي.
[ ١ / ٣٢٠ ]
لم تَسدد لها الخوالق بالأم س ولم تقدد الفواري السيورا
لم تسدد لم تلزم السداد بالرفق ويروي: لم تشدد، أي لم تتهيأ لذاك، والخوالق النساء اللواتي يقددن الأديم يخرزن به، ويقال بل هن اللواتي يُقدّرنه، والفواري القواطع، قال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري
وقال يشبه الإبل بالقطا، - والشعر للكميت -:
كالناطقاتِ الصادقاتِ الواسقا تِ من الذخائرِ
الواسقات الحاملات والوسق الحِمل، الذخائر الماء تذخره لأولادها.
عُلَق الموضّعة التوا ئم بين ذي زغبٍ وباثرِ
علق من العَلاق يقال ما ذقت علاّقًا ولا علوقًا، والموضعة يريد الموضوعة بأرض الفلاة وهي الفراخ، والتوائم اثنين اثنين، يقول بعضها عليه زغب وبعضها قد بدأ يطلع ريشه فكأنه بثر.
يحملنَ قدامَ الجآ جئ في أساقٍ كالمطاهرِ
لم يتّهم فيها الصوا نع خِلقة الأيدي القوادرِ
المطاهر الأداوي، والقوادر اللواتي يقدرن الأديم، خلقة أي تقديرًا ويقال قطع، ويروي: لم ينههَم أي لم يكن عليهم ناهية
[ ١ / ٣٢١ ]
من أيدي الصوانع.
أقوات ناظرة الفوا ئدِ غيرَ رائثةِ الموائرِ
ناظرة منتظرة يقال نظرته وانتظرته بمعنى، والفوائد ما تأتيها به الأمهات والموائر الأمهات لأنها تميرها، رائثة بطيئة، أراد يحملن قدام الجآجئ أقوات ناظرة. وقال يصف القطا:
موكّرةٌ من حيث لم يرجَ مخلفٌ مطائطٌ صيفيّ الأضا وسِمالها
موكرة ممتلئة، والمخلف المستقي، والمطائط واحدتها مطيطة وهي بقية الماء في الصفاة، وصيفي مطر السيف، والأضا الغدران.
أسافي لا توكَى على ما تضمنت ولا يستريث الناضحون ابتلاها
يعني حواصلها، لم تشد على الماء كما تسد القرب، ويستريث يستبطئ والناضح الذي ينضح القربة بالماء لتبتل.
يقول لا تستبطئ ابتلال هذه الحواصل كما يستبطأ ابتلال القرب.
أمام قلوبٍ كالحصى مطمئنةٍ إلى ثقةِ المستبطئاتِ عِجالَها
الحواصل أمام قلوب تشبه الحصى هن ثقة الفراخ والفراخ تستبطئ المستعجلات من القطا.
وقال يصف فراخ القطا:
متخذات من الخراشيّ كال حلية منها السموط والحقبُ
لا شاركاتٌ إذا غنينَ ولا في فقرهنَ الجفاءُ مُرتأبُ
الخراشي قشور البيض الرقيقة وهو الغرقيء، مرتأب يقول
[ ١ / ٣٢٢ ]
الجفاء لا يرأب من رأبت الصدع، والجفاء من الجفوة.
وقال الطرماح يذكر القطا:
حوائمٌ يتخذنَ الغِبَّ رِفها إذا اقلَولَينَ للقرَبِ البطينِ
حوائم عطاش، والغب شرب يوم وترك يوم، والرفه شرب كل يوم أي يسرعن فيردن كل يوم، الولين ارتفعن، والقرب الليلة التي يصبح الماء في غدها، والبطين البعيد.
بأجنحةٍ يمرنَ بهنَ حُرد وأعناقُ حُنين بغيرِ أونِ
يمرن يطرن، والحرد المائلة، والأون الضعف يقول لم تحن من ضعف في الطيران، ويقال أن عليّ في السير أي ارفق.
وقال وذكر أرضًا:
وترى الكدَرَ في مناكبِها الغبررذايا من بعد طولِ انقضاضِ
كبقايا الثَوى نبذنَ من الصي فِ جنوحًا بالجر ذي الرضراضِ
أو كمجلوحٍ جِعثنَ بلّه القط ر فأضحى مودّس الأعراضِ
الثوي صوف أو كساء أو خرقة تجعل على الوتد ليمخض عليه السقاء ليسند إليه لئلا يتخرق، والجنوح الموائل، والرضراض الحصى الصغار، والجرّ أصل الجبل والمجلوح الذي قطع، والجعثن أصول الصِليان وإذا قطعت رؤوسه فقد جلح وبقرة جلحاء إذا لم يكن لها قرن وهودج أجلح إذا لم يكن عليه غطاء، ومودس حين نبت واخضر.
[ ١ / ٣٢٣ ]
يقال ودست الأرض إذا أنبتت، والأعراض الجوانب.
وقال:
كأن المطايا ليلةُ الخمسِ عُلِّقت بوثابةٍ بعد الكلالةِ شَحشَحِ
لها كضواةِ النابِ شُدّ بلا عُري ولا خرز كفٍ بين نحرٍ ومذبحِ
وثابة يعني قطاة تثب، والضواة ورم يكون في عنق البعير والناقة، شبه به حوصلة القطاة.
أنامتْ غريرًا بين كسرى تنوفة من الأرضِ مصفّر الصلالمِ يرشّحِ
الغرير فرخها الذي تغره أي تزقه، وكسرا التنوفة جانباها والصلوان عرقان عن يمين الذنب وشماله، يرشح يربّي.
فعبَّت غِشاشًا ثم جالتْ وبادرتْ مع الفجرِ ورّاد العراكِ المصبّحِ
عبت في الماء غشاشًا على عجلة، ثم جالت وبادرت الوراد والعراك المزاحمة على الماء، يقال أوردها عراكًا إذا أرسلها جميعًا فازدحمت.
وقوله يصف الحوصلة:
[ ١ / ٣٢٤ ]
مدبوغة لم تُمرّح
أي تلين وتدهن.
بمَعيةٍ تمسي القطا وهي نُسّسٌ بها بعد ولقِ الليلتينِ المسمّحِ
معمية لا طريق فيها ولا علم، والولق شدة السير، والمسمح الكثير، نسس من العطش وأنشد:
وبلد تمسي قطاه نَسّسا
وقال يذكر حسرى القطا:
زِفافًا تُنادي بانزولِ كأنها بقايا الثُوى وسطَ الديارِ المطرحِ
الثوى واحدتها ثُوَّة وهي خرقة تربط على رأس الوتد يمخض عليها السقاء.
روايا فراخٍ تنتحي بأنوفِها خراشِيّ قيضِ القفزةِ المتصيّحِ
الخراشي ما دون القشر الأعلى، والقيض قشور البيض والمتصيح المتقشر.
[ ١ / ٣٢٥ ]
ينّتجِن أمواتًا ويلقحنَ بعد ما تموتُ بلا بُضع من الفحلِ ملقحِ
يعن البيض، والبضع النكاح.
سماويةُ زغبٍ كأن شكيرَها صماليخٌ معهودُ النصيّ المجلَّحِ
سماوية منسوبة إلى السماوة، شكيرها صغار ريشها، والنصي نبت، والصماليخ ما خرج من رؤوسه بعد الأكل، المعهود الذي أصابه العهاد وهو من المطر، والمجلح الذي أكل.
تجوب بهنَ البيدُ صغواء شفَّها تباعد أظماء الغِوارِ الملّوحِ
الأظماء أوقات الشرب، والغوار من الغور وهو البعد، الملوح العطش.
من الهُوذ كدراءِ السراةِ ولونِها خصيف كلون الحَيقُطانِ المسّيحِ
الهوذة جمع هَوذة وهي القطاة الأنثى، خصيف لونان مختلطان أي فيها لون آخر أسود يضرب إلى الحمرة، والسراة الظهر، والحيقطان ذكر الدراج، والمسيح المخطط.
أصابت نطافًا وسط آثارٍ أذؤبٍ من الليلِ في جنبي مديّ ومَسلَحِ
أذؤب جمع ذئب، مديّ حوض صغير، ويروي: أسآر أذؤب جمع سؤر، وقال رؤبة وذكر مهمها:
يشأى القطا أسداسَه ويُجذمُه إلى أجُونِ الماءِ داو أسدمُهُ
يشأى القطا أي يسبقه هذا المهمة فلا يستطيع أن يقطعه، ويجذمه القطا أي سيره فيه إجذام: وقوله أسداسه أي يصيب الماء فيه سدسًا
[ ١ / ٣٢٦ ]
والمعنى أن القطا يريد ماءة فيسبق بُعدُ الماء القطا فيصير سدسًا دونه، وقوله إلى أجون الماء يريد أجن الماء: وقوله داو يقول قد ركبته دُواية من بُعد عهد الناس به وأصل الدواية ما يركب اللبن من تلك الجلدة الرقيقة، ويقال بئر سُدُم إذا كانت قديمة، وقالت ليلى الأخيلية تصف القطاة وفراخها:
تدلَتْ على حُصّ الرؤوسِ كأنَّها كُراتُ غلامٍ من كساءٍ مؤرنبِ
فلما انجلت عنها الدجى وسقتهما صبيبَ سقاءٍ نيطٍ لم يخرَّبِ
غدتْ كنواةِ القَسبِ عنها وأصبحتْ تُراطِنُها دوية لم تعرِّبِ
شبهت فراخ القطا بكرات من أكسية مرنبانية وهي موبرة، لما يخرب أي تجعل لها خربة وهي العروة يريد الحوصلة، دوية قطاة أخرى منسوبة إلى الدو، لم تعرب لم تفصح، وقال ابن مقبل وذكر شدة الحر:
إذا ظلتْ العيسُ الخوامسُ والقطا معًا في هَدالٍ يتبعُ الريحَ مائلُه
توسدَ ألحي العيس أجنحةَ القطا وما في أداوي القومِ خفّ صلاصلُه
هدال غصون الشجر، يريد أن القطا من شدة الحر يلجأ إلى الشجر وتجيء الإبل أيضًا فتدخل رؤوسها في غصون الشجر لتكنها من الحر فتقع ألحيها على أجنحة القطا فتصير كالوُسُد لها، وصلاصله بقايا الماء فيها.
[ ١ / ٣٢٧ ]