أنشدني أبو حاتم السجستاني عن أبي زيد:
عَوى ثم قَوقا بعد ما لعبتْ به حوامِيْنَ أمثالُ الذئابِ السوافدِ
قال السجستاني سألت عنه الأصمعي فقال: السافد أضم ما يكون وأذهبه سخنة وأشده غبرة فأراد أنها حوامين غبر، وحَوامين جمع حومانة وهي القطعة من الأرض فيها غلظ وانقياد، وقال ابن مقبل وذكر بقرة:
حتى احتوى بكرُها بالجزعِ مطردٍ هملعٍ كهلالِ الشهرِ هذلولُ
لم يبقَ من زغبٍ طارَ الشتاءُ به على قرى ظَهرهِ إلا شماليلُ
[ ١ / ١٨١ ]
يعني ذئبًا أكل ولدها، والهملع الخفيف، كهلال الشهر في دقته وضمره، شماليل بقايا متفرقة يقال للنخلة إذا أكلت فلم يبق فيها إلا أشياء يسيرة متفرقة في الأعذاق ما يقي الأشماليل، وقال كعب بن زهير وذكر ذئبًا:
إذا ما عوى مستقبِل الريح جاوبتْ مسامعُه فاه على الزاد مُعوِلُ
الأصمعي يقول: إذا عوى مستقبل الريح ردت الريح الصوت فسمع لذلك طنينًا، ويقال: أراد أنه إذا عوى صوتت مسامعه من فمه لأنه ليس بينهما حاجز وذلك إذا جاع، معول باك إذا لم يجد الزاد، ويروى: مرمل، أي هو مرمل من الزاد.
كسوبٌ لدنٌ أن شبّ من كسبٍ واحدٍ محالِفه الأقتارُ ما يتمولُ
رواه الأصمعي: كسوب له المعدوم من كسب غيره، يقول ما يعدم غيره أصابه، وقال أعرابي في رجل: هو آكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم وأكسبكم للمعدوم: ومن قال كسوب لدن أن شب من كسب واحد فإنه يريد أن الذئب يكسب قد ما يكسب واحد.
كأنّ دخانَ الرمثِ خالطَ لونَه يُغَلُّ به من باطنٍ ويجللُ
بصيرُ بأدغالِ الضراءِ إذا غدا يعيلُ ويخفي بالجهادِ ويمثلُ
يعيل يميل في مشيته يتبختر، ويمثل يظهر منتصبًا، ويقال يعيل في
[ ١ / ١٨٢ ]
البلاد مثل قولك يعير.
تراه سمينًا ما شتا وكأنه حمّى إذا ما صافَ أو هو أهزلُ
قال: كل السباع يسمن في الشتاء حتى السنانير في البيوت، حمى مُحْتم، قال الأصمعي: وصفه بالسمن في الشتاء لأنه يأكل من الأسلاء فإذا جاء الصيف جهد.
كأن نساه شرعةٌ وكأنه إذا ما تمطّى وجهةَ الريحِ محملُ
محمل حمالة السيف، شبه الذئب به أي هو ممتد خميص، وشرعة وتر، يريد أنه معرّق القوائم ليس برهل فنساه مثل الوتر والذئب يوصف بشنج النسا.
وقال وذكر ناقة:
تجاوبُ أصداءِ وحينًا يروعها تصوّر كسّابٌ على الركب عائلُ
يعني ذئبًا، عائل محتاج، أي تضوره على الركب.
وقال الراجز يذكر ذئبًا:
يستخبرُ الريحَ إذا لم يسمع بمثل مقراعِ الصفا الموقّع
أي يستروح إذا لم يسمع صوتًا بخرطوم مثل مقراع الصفا وهو الفأس التي يكسر بها الصخر، وجعل تشممه استخبارًا.
وقال طفيل وذكر فرسًا شبهه بالذئب:
كسيدِ الغضا الغادي أضلَّ جراءه على شرفٍ مستقبلِ الريحَ يلحبُ
[ ١ / ١٨٣ ]
سيد الغضا أخبث الذئاب يقال ذئب خِمر والذئب يستقبل الريح ليشم أرواح جرائه أو غير ذلك وقال الجعدي وذكر جؤذرًا:
رأى حيث أمسى أطلسَ اللونِ شاحبًا شحيحًا تسميه الشياطينُ نهسرا
فباتَ يذكّيه بغيرِ حديدةٍ أخو قنصٍ يمسى ويصبحُ مفْطرا
إذا ما رأى منه كراعًا تحركتْ أصابَ مكان القلبِ منه وفرفرا
نهسر خفيف، يقول إذا تحركت قائمة من قوائمه غمز بطنه وعضه فلا يزال يفعل ذلك حتى تسكن حركته ويموت وهكذا تفعل السباع، وقال ابن مقبل وذكر ذئب:
كأنما بين أذنيْه وزبرته من صبغهِ في دماءِ الناسِ منديلُ
الزبرة موضع المنسِج، من صبغه أي مما يأكل ويكرع في الدماء.
وقال آخر:
إني رأيتكِ كالورقا يوحشُها قربُ الأليفِ وتغشاه إذا نحرا
[ ١ / ١٨٤ ]
يعني ذئبة تنفر من الذئب وهو صحيح فإذا رأت به دمًا غشيته لتأكله وهذا طبع الذئب، ومثله - لرؤبة:
فلا تكوني يا بنةَ الأشمِّ وَرقاءَ دَمّى ذئبها المدمِّي
وقال آخر - وهو الفرزدق:
وكنتُ كذئبِ السوءِ لما رأى دمًا بصاحبه يومًا أحالَ على الدمِ
أي أقبل عليه يقال أحال عليه بالسوط، وقال مغلِّس بن لقيط:
إذا هنَّ لم يلحسنَ من ذي قرابةٍ دمًا هُلِستْ أجسامُها ولحومُها
وقال أبو كبير يرثي رجلًا:
ولقد وردتُ الماءَ لم يشربْ به بين الربيعِ إلى شهورِ الصَّيفِ
الأعواسرُ كالمراطِ معيدةٌ بالليلِ مورد أيّم متغضفِ
عواسر ذئاب ترفع أذنابها.
وأنشدنيه الرياشي: الأعواسل، عن الأصمعي أي ذئاب تعسل تمر مرًا خفيفًا، والمراط القداح المتمرطة الريش، معيدة معاودة لذلك
[ ١ / ١٨٥ ]
مرة بعد مرة يقال أبدأ وأعاد في الأمر، والأيم الحية والأصل بالتشديد إلا أن الناس خففوا فقالوا أيم كما قالوا ميت وهين ولين، ويقال له أين أيضًا، متغضف متثن متطوّ.
ينسلنَ في طرقٍ سباسبٍ حوله كقداحِ نبلِ محبِّر لم تُرصَفِ
يقال نسل الذئب وعسل سواء، والسباسب الأرض المستوية البعيدة والواحد سبسب، وأراد حوله ذئاب كقداح، والمحبر المحسن للشيء المزين له، لم ترصف من الرصاف وهو العقَب الذي فوق الرُّعظ، والرعظ مدخل سنخ النصل في القدح.
تعوي الذئابُ من المخافةِ حوله إهلالَ ركبِ اليامنِ المتطوفِ
اليامن الذي يجيء من اليمين.
زقَبٌ يظلُ الذئبُ يتبعُ ظلَّه من ضيقِ موردِه استنان الأخلفِ
الزقب الضيق، أي يمر الذئب مائلًا على شقه من ضيقه، والأخلف الذي يمشي على أحد شقيه كأن به عَسرًا، والاستنان العدو.
وقال رؤبة:
يشقى بي الغَيرانُ حتى أحسبا سيدًا مغيرًا أو لِياحًا مَغرَبا
يقول أتقى على الحرم كما يتقي الذئب على الغنم، واللياح الثور
[ ١ / ١٨٦ ]
الوحشي الأبيض، وكانوا يتطيرون من المغرب ويتشاءمون به، أي فكأني ذلك لكراهتهم للنظر إليّ.
وقال ابن كراع يذكر ناقة:
كأن خيالَ الذئبِ دفوفها إذا ما غدتْ فُتلا مَرافقُها دُفقا
يقول هي خفيفة كأن ظلالها ظلال الذئب من خفتها، ويروى: كأن خروف الذئب، يريد كأن ولد الذئب ينيّب في جنبها فتعدو، والفتل أن يفتل المرفق عن الإبط فلا يحزه ولا ينكُته، دفقًا متدفقة بالعدو.
وقال مغلِّس بن لقيط:
فما لكم طُلسًا إلى كأنكم ذئابُ الغضا والذئبُ بالليلِ أطلسُ
أي سواده يشبه سواد الليل فهو في الليل أخفى يريد أنه يختطف الشاة وهم لا يعملون، وقال آخر يصف ذئب:
أطلسٌ يخفي شخصَه غبارُه في شدقهِ شفرتهُ ونارهُ
وقال ابن أحمر وذكر بقرة وولدها:
طلت تُماحِلُ عنه عسعسًا لحِمًا يغشى الضراءَ خفيًا دونه النظرُ
تماحل عن ولدها أي تخادع وتماكر، والعسعس يغشى الضراء أن يستتر فيما يواريه ليختل، خفيًا دونه النظر، يقول لا يتبينه الناظر لطلسته ولأنه على لون الأرض في الغبرة.
[ ١ / ١٨٧ ]
تربَّى له وهو مسرورٌ بغفلتِها طورًا وطورًا تسنّاه فتعتكرُ
تربى لولدها أي تشرف له، والذئب مسرور بغفلتها عنه إذا غفلت، طورًا تسناه أي تغشاه فتركبه وتعتكر ترجع إليه، وقال خداش بن زهير يصف رجلًا:
يخالسُ الخيلَ وهس محضرةٌ كأنما ساعداه ساعدا ذئبِ
شبه سرعة اختلاسه للطعن بسرعة يدي الذئب، وقال:
فلما دنوْنا للقبابِ وأهلِها أتيحَ لنا ذئبٌ مع الليل فاجرُ
ويروى غادر وكافر، يعني رجلًا شبهه بالذئب، وقال الراعي:
كهداهدٍ كسرَ الرماةُ جناحَه يدعو بقارعةِ الطرقِ هَديلا
يقول أنا كحمامة يهدهد في صوته وقد كسر جناحه يدعو بأعلى الطريق وهو لا يستطيع البراح.
وقعَ الربيعُ وقد تقاربَ خطوه ورأى بعقوته أزل نسولا
يعني ذئبًا قد طمع فيه لضعفه وسوء حاله.
[ ١ / ١٨٨ ]
متوضّحُ الأقرابِ فيه شبهةٌ نهشُ اليدينِ تخاله مشكولا
نهش اليدين يريد أنه خفيف في العدو، وتخاله مشكولا من بغيه في مشيته.
كدخانٍ مرتجلٍ بأعلى تلعةٍ غرثان ضرّم عرفجًا مبلولا
يقول لونه كدخان رجل يطبخ في مرجل بالعرفج الندي، ويقال مرتجل رجل صاد رِجْلًا من جراد فهو يشويه، وقال أبو النجم يذكر جنينًا ألقته الناقة:
يشقُ عنه كفنًا لم يُخلق عاري الشَوى مثل الدخانِ الأورقِ
كفنًا يعني السلا، عاري الشوى ذئب لا لحم على قوائمه، مثل الدخان الأورق في لونه، وقال الطرماح يصف ذئبًا:
عملس دلجات كأنّ مسافَه قرا حنظُب أخلى له الجوُّ مُقَمحِ
العملس الذئب، ومسافه خطمه لأنه يسوف به أي يشم، قرا ظهر، والحنظب الجعل شبه خطمه لسواد فيه بظهر جعل، أخلى له كثر خلاه، مقمح رافع رأسه.
كلونِ الغرّى الفردِ أجسد رأسَه عتائرٌ مظلومُ الهديّ المذبحِ
الغرى الصنم، أجسد رأسه يقول يبس الدم على رأسه من كثرته، والعتائر الذبائح في رجب واحدتها عتيرة، مظلوم يذبح لغير علة، والهدي ما يهدي للصنم، ومثل هذا قوله يصف الذئب:
[ ١ / ١٨٩ ]
كغريّ أجسدت رأسه فُرُع بين رياسٍ وَحامِ
الفرع الذبائح واحدتها فرعة، وكان الرجل إذا تمت له مائة شاة ذبح على النصب منها شاة ويسمون تلك الفرعة، والرياس يقال أنه ذبح الأم التي تلد للصنم، والحامي كان الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس منهن ذكر قيل حمى ظهره فلم يركب ولم يجز وبره وخلى في الإبل يضرب فيها، ويروى بين رَءوس وهي الناقة تشق أذنها ليكون لبنها للرجال دون النساء ويكون الأضياف، ويقال الفرع أول ما تلده الناقة وكان يذبح لآلهتهم، وقال يصف الذئب:
إذا امتل يهوى قلتُ ظل طهاءة درى الريح في أعقابِ يومٍ مصرح
امتل عدا، والطهاءة والطخاءة السحابة تراها في ناحية السماء، شبه الذئب بظلها، وأعقاب يوم أي آخر يوم، مصرح فقد ذهب سحابة وأضاءت شمسه.
وإن هو أقعى خلتُه من أمامهِ على حاله ما لم يُرم جذم مصطحِ
جذم أصل، والمصطح صفا عريض واسع يحوط حوله حائط لماء المطر والمصطح أيضًا عود من عيدان الخباء.
بمنتاطٍ ما بين النياطينِ موره من الأرضِ يعلو صحصحًا بعد صحصح
منتاط معلق، موره متردده، يقول طرفه متصل بأرض أخرى.
وقال جرير:
[ ١ / ١٩٠ ]
وسودا من نبهانٍ تثنى نطاقُها بأخجى قعورٍ أو جواعرِ ذيبِ
أخجى كثير الماء يعني فرجها، أو جواعر ذئب يصفها بالرسح والذئب أرسح ولذلك يقال له أزلّ، والجاعرة موضع الرقمة من مؤخر الحمار.
وقال الأخطل وذكر ناقة:
يشقُ سماحيقُ السلا عن جنينها أخو قرةٍ بادي السغابةِ أطحل
سماحيق السلى الغِرس، أخو قفرة الذئب، والسغابة الجوع والأطحل كدر إلى السواد.
وقال الراجز:
في بلدةٍ لا يستطيعُ سِيدها حسرى الأراكيبِ ولا يهيدها
يقول الذئب في هذه البلدة لا يمس الحسرى ولا يقربها لأن الماء بعيد منها فهو يخاف إن أكل أن يعطش.
وقال ابن ميادة في مثله:
ودويةٌ قفرٌ يكادُ يهابها من القوم مصلاتِ الرحيلِ دليلِ
يَعافُ بها المعبوطَ بُعد مائهاوإن جاعَ مقرام السباع نسولِ
المصلات الماضي، والمعبوط اللحم الذي ينحر بعيره وهو صحيح من غير داء، والمقرام القرم إلى اللحم.
وقال ذو الرمة وذكر ماء:
به الذئبُ محزونًا كأن عواءه عواءُ فصيلِ آخرِ الليلِ مُحثَلِ
[ ١ / ١٩١ ]
محزون لأنه لا يجد به ما يأكل، والمحثل الذي أسئ غذاؤه وجعل عواءه في آخر الليل لأنه لم يسق في أول الليل من اللبن فهو أجوع ما يكون في آخر الليل فشبه صوت الذئب بصوت هذا الفصيل في ضعفه:
أفلّ وأقوى فهو طاو كأنما يجاوبُ أعلى صوتهِ صوتَ معولِ
أفل وقع في أرض فِل وهي التي لم تمطر ولا نبات فيها، وأقوى صار في القواء وهو الخلاء، يقول إذا صاح أجابه الصدى.
وقال يذكر صائدًا:
كأنما أطمارُه إذا عدا جُلّلنَ سرحان فلاة مِعمدا
ممعد قال الأصمعي إما أن يكون يجذب العدو أو يجذب شيئًا سرقه يقال امتعده إذا اختلسه.
وقال الأخطل يذكر عدوًا:
ولو أواجههُ مني بقارعةٍ ما كان كالذئبِ مغبوطًا بما أكلا
يقول لو أصبته بقارعة لم يسلم كما يسلم الذئب، بذي بطنه أي بما في بطنه. ويقال في مثل: الذئب يغبط بذي بطنه، لأنه وإن كان جائعًا ضريرًا فليس يظن به إلا البطنة لعدوه على الناس والماشية.
وهو مثل قول آخر:
ومن يسكنُ البحرين يعظُم طحالُه ويغبُط بها في بطنهِ وهو جائعُ
وقال يصف ناقة:
[ ١ / ١٩٢ ]
على أنها تُهدي المطي إذا عوى من الليلِ ممشوقُ الذراعينِ هبهبُ
هبهب سريع خفيف يعني ذئبًا.
وقال الشماخ:
بها السِرحان مفترِشًا يديه كأن بياضَ لبَّته صديعُ
الصديع يقال أنه الفجر ويقال أنه ثوب يصدع وسطه وتجتابه المرأة ولا يجيّب فإذا جيّب فهو بقير وربما لبسه الدارع تحت الدرع، قال عمرو بن معدي كرب:
إذا أبطنت دا البدن الصديعا
أراد هذا الثوب تحت الدرع. شبه البياض الذي في نحر الذئب تحت غُبسة سائر لونه بهذا الثوب تحت الدرع، قال ابن غَلفاء:
سوى آثارِ عرجلةٍ حُفاةٍ خفافُ الوطءِ ليس لهم نعالُ
قليلُ فضلٍ كاسبّهم عليهم سوى ما نال في دهشٍ ونالوا
أخبرني عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: هذه ذئاب، يقول: رئيسهم قليل الكسب عليهم إلا أن يختلس شيئًا ويختلسوه، وقال غيره هؤلاء رجّالة لصوص.
وقال آخر - وهو دكين -:
فصبحته سِلَق تَبربَس تهتكُ خلَ الخلقِ الملسلَسِ
[ ١ / ١٩٣ ]
سلق جمع سلقة وهي الذئبة، ويقال إذا مر مرًا خفيفًا مر يتبربس، والخل الطريق في الرمل، والحلق حلق من الرمل تعقد أي دارات فهي تخلله، وأراد بالملسلس المسلسل فقلب، وقال الشماخ يذكر ماء ورده:
ذُعِرتْ به القَطا ونُفيتْ عنه مقامَ الذئبِ كالرجلِ اللعينِ
مقام الذئب يريد الذئب نفسه أي نفيت الذئب عن مقامه واللعين المطرود وهو الخليع لكثرة جناياته، أبو عبيدة قال إنما يريد مقام الذئب اللعين كالرجل.
وقال آخر:
ظَللْنا معًا جاريْنِ نحترسُ الثأى يسائرُنا من نطفةٍ ونسائرُه
وصف ذئبًا، نحترس الثأى أي الفساد منا ومنه، يسائرنا من السؤر أي يبقى لنا ونبقى له يرد هو الماء ونرده نحن تارة، والنطفة من الماء يكون الكثير منه والقليل، وقال آخر:
وزيدٌ إذا ما سيمَ خسفًا رأيتُه كسيدِ الغَضا أربى لك المتظالع
أربى لك أشرف لك، والغضا خمر وسيده أخبث الذئاب، والمتظالع الذي يظلع من البغي، وقال حميد بن ثور في ذكر الذئب وذكر المرأة:
[ ١ / ١٩٤ ]
تلومُ ولو كان ابنها قنِعت به إذا هبَّ أرواحُ الشتاء الزعازعُ
يريد لو كان الذئب ابنها قنعت به لما يسرق من أغنام الناس ويأتيها به.
فقامتْ تعْشى ساعةَ ما تطيقُها من الدهرِ نامتها الكلابُ الظوالعُ
الظالع من الكلاب لا ينام إلا بعد أن تنام الكلاب لأنه ينتظر أن تسفد الكلاب ثم يسفد هو بعدها لضعفه وظلعه، وفي مثل للعرب " افعل ذلك إذا نام ظالع الكلاب ".
رأته فشكّتْ وهو أطحلٌ مائلٌ إلى الأرضِ مثنّى إليه الأكارعُ
يقول رأته وقد ربض قوضع قوائمه بعضها على بعض على بعض فشكت فيه أهو الذئب أم غيره، أطحل في لونه يضرب إلى السواد.
طوِي البطنُ الأمنُ مصير يبله دم الجوفِ أو سؤر من الحوضِ ناقعُ
المصير واحد مصران والمصارين جمع الجمع، يقول ليس في جوفه شيء من الطعم إنما هو مصيره الذي يبله دم جوفه أو شيء يناله من الماء.
ترى طَرفيْه يعسلان كلاهما كما اهتزَّ عودُ الساسمِ المتتايعُ
يعني مقدمه ومؤخره وذلك من لين ظهره.
إذا خافَ جوْرًا من عدوٍّ رمَتْ به قصايته والجانبُ المتواسعُ
[ ١ / ١٩٥ ]
وإن باتَ وحشًا ليلةً لم يضُق بها ذراعًا ولم يصبح لها وهو خاشعُ
وحش جائع خالي الجوف، ومنه قيل فلان يتوحش للدواء، يقول هو صبور على الجوع.
إذا اختلَّ حضنى بلدة طِر منهما لأخرى خفي الشخصُ للريحِ تابعُ
هذا مثل أي كما يختل الرمح حضنى الإنسان أي ينفذهما، وقوله: للريح تابع يقول يتشمم فإذا وجد ريح شيء اتبع الرائحة، ونحو منه قول الآخر:
يستخبر الريح إذا لم يسمع
وإن حذرّتْ أرضٌ عليه فإنه بغرةٍ أخرى طيبُ النفسِ قانعُ
يقول: إن حذره أهل أرض وقعدوا له وطلبوه ليقتلوه خرج إلى أرض أخرى طيب النفس بها يغير على أهلها وعلى شائهم وهم له آمنون.
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي المنايا بأخرى فهو يقظان هاجع أخبر أنه يفتح عينًا ويغمض عينًا لشدة حذره.
إذا قامَ ألقى بوعَه قدرَ طولهِ ومدّد منه طلبصلبَه وهو بائعُ
بائع من البوع ويعني أنه يتمطى.
وفكّكَ لحييْه فلما تعاديا صأى ثم أقْعى والبلادُ بلاقعُ
إذا ما عدا يومًا رأيتُ عنانةً من الطيرِ ينظرن الذي هو صانعُ
يقول ينتظرن أن يفرس شيئًا فيسقطن معه عليه، ويروي رأيت
[ ١ / ١٩٦ ]
ظلاله، أنشد أبو زيد:
أنعتُ ذئبًا من ذئاب قَعرينِ منهرتُ الشدقِ حديدُ النابينِ
تَبري له طلساء ذات جرويْنِ مألولةَ الأذنين كحلاءَ العيْنِ
ومنخرينِ خلقا مسوّدين لكل ريحٍ نفخت معدّينِ
يعني أنها تستروح فإذا وجدت ريح شيء طلبته.
تعدو العِراضات بشوطين اثنين
وقال كعب بن زهير:
يقول حيّاي من عوفٍ ومن جشمٍ يا كعبَ ويحُك ألا تشتري غنما
مالي منها إذا ما أزمة أزمتْ ومن أويْس إذا ما أنفه رذَما
يعني الذئب إذا جاع سال أنفه، يريد أنه يأكلها.
أخشى عليها كسوبًا غير مدّخرٍ عاري الأشاجعِ لا يشوى إذا ضغما
إذا تولى بلحم الشاةِ نبذها أشلاءَ بردٍ ولم يجعل لها وضما
أشلاء برد كما يخرّق البرد قطعًا.
إن يُعد في شيعةٍ لا يثنهِ نَهَر وإن عدا واحدًا لا يتقي الظلما
نهر نهار، يقال ليلة نهرة أي مضيئة، ويروى: نُهُر أيضًا.
وقوله في شيعة يعني أصحابه من الذئاب، والظلم جمع ظلمة.
[ ١ / ١٩٧ ]
وإن أغارُ فلم يحلأ بطائلةٍ في ظلمةِ ابن جميرٍ ساورَ الفُطما
ابن جمير أظلم ليلة في الشهر وهي التي لا يطلع فيها القمر من أولها ولا آخرها، والفطم السخال التي قد فطمت، يقول جاء يطلب الكبار فلما لم يجدهن ساور الصغار.
إذا لا يزالُ فريسٌ أو مغبّبةٌ صيداء تنشج من دونِ الدماغ دما
المغببة التي دنت من الموت وفيها بقية، صيداء ملتوية العنق، تنشج أي لها صوت من الدم.
وقال آخر:
لا تأمريني ببناتٍ أسفعٍ فالعينُ لا تمشي مع الهملّعِ
أسفع الكبش، وبناته الغنم والسفعة سواد، والعين العظام العيون يريد أن الغنم لا تمشي أي لا تكثر، يقال قد مشت الماشية إذا كثرت وأمشى الرجل إذا كثرت ماشيته، والهملع الخفيف يريد الذئب يعني أن الماشية لا تكثر والذئب يعدو عليها يفنيها، وقال النابغة:
وكل فتى وإن أن أمشي فأرى ستُخلِجُه عن الدنيا منونُ
أمشى كثرت ماشيته، يقال الرجل مشى بعد ما أمشى وذلك إذا افتقر بعد الغنى، وقال كثير وذكر ماء ورده:
وصادفتُ عيّالًا كأن عواءه بكا مُجْرَذٍ يبغى المبيتَ خليعُ
عيال يعني ذئبًا يعيل في البلاد كما يقال عار يعير فهو عيار ويقال
[ ١ / ١٩٨ ]
عيال في مشيته كأنه يميل، خليع خلعه أهله لجنايته، والمجرذ الذي ذهب ماله.
عوى ناشزُ الحيزومِ مضطمرَ الحشا يعالجُ ليلًا قارسًا مع جوعِ
فصوّتَ أذناي بباقٍ على الطوى محنّبٍ أطرافِ العظامِ هبوعِ
أي بصوت باق على الجوع، محنب ماطور، هبوع يستعين بعنقه في مشيته من الضعف، لذلك قيل لما تضعه الناقة في آخر النتاج هبع لأنه ضعيف فإذا مشى مع أمه هبع أي استعان بعنقه.
فلم يجترسُ الأمعرس راكب تأيا قليلًا واسترى بقطيعِ
الاجتراس الإصابة يقال هل اجترست شيئًا ويقال النحل جوارس لأنها تصيب من الشجر، ويروى يحترس أي يسرق ويقال للذي يسرق الغنم المحترس وللشاة التي تسرق حريسة، تأيا تلبّث قليلًا، استرى افتعل من السرى وهو سير الليل، بقطيع أي بقطع من الليل.
وموقع حرجوج على ثفناتها صبور على عدوى المناخ جموع
عدوى المكان وتعاديه واحد وهو أن يرتفع بعض وينخفض بعض.
ومَطرحٌ أثناءَ الزمامِ كأنه مزاحف أيم بالفناءِ صريعِ
[ ١ / ١٩٩ ]
الأيم الحية وهو الأين أيضًا، وقال ذو الرمة في هذا المعنى وذكر أرضًا:
إذا اعتَسَ فيها الذئبُ لم يلتقطْ بها من الكسبِ الأمثلِ مُلقى المشاجرِ
اعتس طلب ما يأكل والمشاجر أعواد الهودج واحدها مِشجر، شبه آثار قوائم الناقة حيث بركت بمشاجر ملقاة.
وبينهما مُلقى زِمام كأنه مخيطٌ شجاعُ آخر الليلِ ثائرِ
أي بين الرجل والناقة ملقى زمام كأنه ممرحية، يقال خاط بنا فلان خيطة أي مر بنا مرة، ثائر أي قد قتل أخوه فجاء يطلب ثأره وهو الشجاع.
ومُغفى فتى حلّت له فوقَ رحلهِ ثمانيةٌ جُردا صلاة المسافرِ
أي ولم يجد هذا الذئب إلا الموضع الذي أغفى فيه الفتى: حلت له أي ثمانية أشهر جرد أي تامة صلاة المسافر أراد تقصير الصلاة.
سوى وطأةٍ في الأرضِ من غير جعدةٍ ثنى أختها في غرزِ عَوجاءٍ ضامرِ
أي ولم يجد سوى وطأة وطئها هذا الرجل وضع واحدة في غرز
[ ١ / ٢٠٠ ]
الناقة والأخرى في الأرض، من غير جعدة يقول هذه الرجل ليست بكزة وهي سبطة سهلة.
وموضعُ عرنيْنِ كريم وجبهةٌ إلى هدفٍ من مسرعٍ فاجرِ
ولم يجد أيضًا غير أثر سجود الرجل صلى إلى هدف أي شرف من الأرض صلى عليه، من رجل مسرع غير فاجر لأنه مسافر إنما يصلي ركعتين ثم يمضي، وقال الطرماح في مثل هذا:
أطافَ بها طِملٌ حريصٌ فلم يجد بها غير مُلقى الواسطِ المتباينِ
الطمل الذئب، والواسط العمود الذي يكون في وسط البيت، ورواها أبو عمرو: فلم يجد سوى مثل ملقى.
ومخفقٌ ذي زرين في الأرضِ متنهُ وفي الكفِ مثناه لطيفُ الأسائنِ
مخفق حيث وقع يعني الزمام، والأسائن القوي وهي الطاقات التي تفتل يريد سيور الزمام.
خفي كمنحارِ الشجاعِ وذُبّل ثلاث كحباتِ الكباثِ القرائنِ
خفي يعني أثر الزمام خفي، ثم شبهه بممر شجاع وهو الحية، والذبل بعرات ثلاث شبههن بحب الكباث لصغرهن وهو ثمر الأراك.
[ ١ / ٢٠١ ]
وضَبثةُ كفٍ باشرتْ بيمينها صعيدًا كفاها فقد ماءِ المصافنِ
الضبثة القبضة، يقال ضبث به إذا قبض عليه، والصعيد التراب كفاها فقد الماء يريد تيمم فاكتفى بالصعيد من الماء، والمصافن الذي يقاسم الماء في السفر.
ومعتمدٌ من صدرِ رجلٍ محالةٍ على عجلٍ من خائفٍ غير آمنِ
معتمد موطئ أي حيث اعتمد فوطئ، محالة مرفوعة وإذا رفعت رجلك فقد أحلتها، من رجل خائف بهذه الفلاة.
مقلّصة طارت قرينتُها بها إلى سلّمٍ في دفِ عوجاءِ ذاقنِ
مقلصة مشمرة يعني الرجل التي في الأرض، وقرينتها الرجل الأخرى، والسلم يريد الغرز، والدف الجنب، وذاقن تطأطئ رأسها وعنقها إذا سارت.
وموضعُ مثنى ركبتينِ وسجدةٍ توخّي بها ركنُ الحطيمِ الميامنِ
وقال كعب بن زهير في مثل هذا وذكر ذئبًا وغرابًا:
فلم يجدا الأمناخَ مطيةً تجافي بها زورُ نبيلٍ وكلكلِ
ومضرُبها وسطُ الحصى بجرانِها ومثنى نواجٍ لم يخنهن مفصلِ
وموضعٌ طوليّ وأحناءُ قاترٌ يئطُ إذا ما شد بالنسعِ من علِ
طولّى زمام، ويقال قطع يكون فوق البرذعة، والقاتر الرجل الحسن الوقوع على ظهر الناقة.
وأتلع يلوى بالجديلِ كأنه عسيبٌ سقاه من سُميحة جدول
[ ١ / ٢٠٢ ]
وسمر ظماءٍ واترتهنَ بعدما مضَتْ هجعةٌ من آخرِ الليلِ ذُبّلِ
أراد بعرات، واترتهن تابعتهن.
سفي فوقهنَ التربُ صافٍ كأنه على الفرجِ والحاذين قنو مُذلّلِ
يعني فوق البعر، ضاف يعني ذنبًا سابغًا طويلًا، مذلل مهيأ مسوي.
ومضطمِرٌ أراد الطرفِ خائف لما تضع الأرضُ القواء وتحملِ
مضطمر أراد شخص الرجل يعني نفسه واضطماره انضمامه، لما تضع الأرض وتحمل أي خائف لما يكون عليها، وقال المرار:
على صرماء فيها أصرماها وخرّبت الفلاة بها مليلِ
صرماء مفازة لا ماء بها ولا علف، والأصرمان الذئب والغراب والخريت الدليل، مليل محترق من الشمس من الملّة، وقال كثيّر:
ومن قاوٍ يصيّح أصرماه
وقال الطرماح يذكر الفلاة:
يظل غرابُها ضرما شذاه شج بخصومةِ الذئبِ الشنونِ
شذاه حده يريد هاهنا صوته، وضرم كثير الصياح، شج حزين وذلك أنه إذا رأى الذئب قد طرده عن شيء صاح وصفق
[ ١ / ٢٠٣ ]
بجناحيه وذلك خصومته للذئب.
على حُوَلاءِ يطفو السُخدُ فيها فراها الشيذُمانُ عن الجنينِ
الحولاء التي تقع بعد الولد من البطن، يطفو يرتفع، والسخد الماء يكون فيها، فراها شقها، والشيذمان الذئب، والجنين الولد، وقال الراجز:
ما زلتُ أسعى معهم وألتبطُ حتى إذا جُنَّ الظلامُ المختلطُ
جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قطُ
يريد لبنًا ممزوجًا صار أورق كلون الذئب من كثرة مائه. وأنشد ابن الأعرابي:
شرِبنا فلم نهجأ من الجوعِ نقرةً سَمارا كإبط الذئب سَودا حواجره
يقال شربنا شيئًا ما هجأنا أي لم يغن عنا شيئًا إلا أن رد أنفسنا، وأنشد:
سَجاجًا كأقراب الثعالب أورقا
وقال الكميت:
[ ١ / ٢٠٤ ]
ومستطعِمٌ يُكنَّى بغيرِ بناتهِ جعلت له حظًا من الزادِ أوفرا
يعني الذئب يكنى أبا جعدة ولا تسمى ابنته جعدة.
وقال وذكر أرضًا:
لقينا بها ثِلبًا ضريرًا كأنه إلى كلِ من لاقى من الناسِ مذنبُ
الثلب الهرم.
مضيعًا إذا أثرى كَسوبًا إذا عدا لساعتهِ ما يستفيدُ ويكسبُ
أي لا يدخر.
تضوّر يشكو ما به من خَصاصةٍ وكاد من الإفصاحِ بالشكوِ يعربُ
فنَشنا له من ذي المزاودِ حصةً وللزاد أسآر تلّقي وتوهبُ
نشنا تناولنا، وذو المزاود الزاد، وأسآر بقايا جمع سؤر.
وقلنا له هل ذاك فاستغن بالقرى ومن ذِي الأداوي عندنا لك مشربُ
وصبّ له شوْل من الماءِ غابر به كفٌ عنه الحِيبة المتحوّبُ
ذو الأداوي الماء، الشول القليل من الماء، والحيبة الإثم والمتحوب المتأثم.
وقال حين أضاف الذئب أيضًا:
فقلت له اشرب هذه ليس مُطعِم من الناس لا يسقي برائشٍ ما يَبري
[ ١ / ٢٠٥ ]
يقول من أطعم ولم يسق بمنزلة من برى سهمًا ولم يرشه.
وقال وذكر أرضًا:
بنائيةِ المناهلِ ذاتِ غولٍ لسرحانِ الفلاةِ بها خيبُ
يراني في الطعامِ له صديقًا وشادنة العسابر رعبليبُ
إذا اشتكيا إليّ رأيت حقًا لمحرومينِ شفهما السغوبُ
العسابر واحدها عسبارة وهو ولد الذئب من الضبع، والشادنة ما شدن، رعبليب ملاطفة، شفهما هزلهما، والسغوب الجوع، وأنشد ابن الأعرابي:
لشخصٍ خفي قد رأيتُ مكانَهُ يضائلُ مني شخصَه ويقاصرهُ
دفعتُ بكفي الليلَ عنه وقد بدَت هوادي ظلام الليل فالليل غامرهُ
يعني بالشخص الخفي الذئب، وقوله دفعت بكفي الليل عنه يريد أنه وضع يده فوق حاجبه وعينه كما يفعل من يستثبت في النظر إلى الشيء البعيد أو الشمس كما قال - العجاج:
أدفعها بالراح كي تزحلفا
إذا الذئبُ قد أعيتْه كل بغيةٍ وآيسة من كل فجٍ مصادرهُ
وقال لقد أمسيتُ عطشان لاغبًا وأحببتُ أن ألقي رفيقًا أوازرهُ
فقلتُ التمس فوق الحقيبةِ مركبًا ولا تغش حنو الرحل إنك كاسرهُ
فاهوى يديه للحقيبةِ فاستوى عليها فثارتْ وهي عجلى تبادرهُ
فأجلت بنا إجلاءةً ثم راجعت وقد علقت في النِسعتينِ أظافرهُ
[ ١ / ٢٠٦ ]
فبتُ على رحلي وباتَ مكانهُ أراقبُ ردفي تارة وأباصرهُ
أراقبُ رِد في خشيةَ أن يخونني وفي منكبي إن حاولَ الغدرُ زاجرهُ
يعني أن في منكبه سيفه.
فلما ورَدنا الماءَ فرّق بيننا وكل دعت أهواؤه وأواصرهُ
وقمتُ أصلي وهو ملقي كأنه لجامُ جوادٍ قد تحنت مكاسرهُ
أنشد للعبدي وذكر ناقة - وهو المثقب:
كأنّ مناخَها ملقي لجامٍ على معزائها وعلى الوجينِ
فقلتُ له خذ مزودي فاستعن به على الدهرِ إن الدهرَ جمٌ بوادرهُ
فعهدي به قد جاوزَ الماءَ صادِرًا يجرّ جرابي تارة ويناثرهُ
وقال النجاشي وذكر ماء:
وماء كلونِ البولِ قد عاد آجنًا قليلٌ به الأصوات ذي كلأ مخلي
لقيتُ عليه الذئبَ يعوي كأنه خليعٌ خلا من كلِ مالٍ ومن أهلِ
فقلتُ له يا ذئبَ هل لك في أخٍ يواسي بلا أثرٍ عليك ولا بخلِ
فقالَ هداكَ اللهُ إنكَ إنما دعوتُ لما لم يأته سبعٌ قبلي
فلستُ بآتيهِ ولا أستطيعهُ ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضلِ
[ ١ / ٢٠٧ ]
فقلتُ عليكَ الحوض إني تركته وفي صغوه فضل القلوص من السجلِ
فطربَ يستعوي ذئابًا كثيرةً وعديت كل من هواه على شغلِ
وقال الغنوي:
ولو أخاصمُ ذئبًا في أكيْلتهِ لجاءني جمعهُم يسعى مع الذيبِ
يريد أنهم يعينون عليه وإن كان مظلومًا والمثل يضرب بظلم الذئب وظلم الحية يقال: أظلم من ذئب وأظلم من حية.
وقال مغلس بن لقيط:
لعمركَ إني لو أخاصمُ حيةً إلى فقعسٍ ما أنصفتني فقعسُ
فيالكم طلسًا إليّ كأنكم ذئاب الغضا والذئبُ بالليلِ أطلسُ
وقال تأبط شرًا:
ووادٍ كجوفِ قفرٍ قطعتهُ به الذئبُ يعوي كالخليع المعيّلِ
الخليع الذي قد خلعه أهله لجناياته، والمعيل الذي تُرك يذهب ويجيء حيث شاء، وقال الأصمعي أنشدني خلف الأحمر:
نسقي قلائصنا بماءٍ آجنٍ وإذا يقوم به الخليع يعيّلُ
[ ١ / ٢٠٨ ]
طرحت له نعلًا من السبتِ طلّة خلافَ ندى من آخر الليل مُخضِل
يقول لما ابتلت طرحتها له، خلاف ندى، أي بعد نِدى، والمخضل المندى.
وقلت له لما عوي إن ثابتًا قليلَ الغنى إن كنت لما تموّلُ
كلانا مضيع لا حراثةَ عنده ومن يحترثُ حرثي وحرثُكَ يهزلُ
يقول إن كنت لا مال لك فأنا لا مال لي، وثابت اسم تأبط شرًا، لا حراثة عنده أي ليس عنده إصلاح مال.
وقال الهذلي - ربيعة بن الجحدر:
وقرنٍ صريعٍ قد تركت مجدلًا يطوفُ عليه العاسلات اللغاوِسِ
يعني الذئاب، واللغاوس اللواتي تأكل أكلًا سريعًا يقال تلغوس ما هناك أي أكله أكلًا سريعًا واحدها لَغوَس.
وقول أبي النجم:
واكتن من لفح الأوار الوعوع
يعني الذئب والثعلب يدخلان الكن من شدة الحر.