قال أبو ذؤيب:
وسودٌ من الصيدانِ فيها مذانبٌ نصارٌ إذا لم نستفدْها نُعارُها
يعني قدورًا، والصيدان حجارة البِرام، والمذانب المغارف الواحدة مذنبة، وقال الأصمعي أظنه أراد بالصيدان الصاد والصاد يكون للصفر والحجارة، هذه رواية الزيادي عنه، قال وهو كما قال العجاج:
بحيث صاح المرجل الصادي
قال والصيداء الصخرة ونضار شجر قال الأصمعي أراد الأثل يقول إن لم نشترها استعرناها يريد أنهم أصحاب قرى وسماحة.
لهنَ نشيخٌ بالنشيلِ كأنها ضرائرٌ حِرمي تفاحشَ غارُها
نشيج غليان، والنشيل أصله ما أخرجت بيدك من اللحم ولم يرد
[ ١ / ٣٦٥ ]
ذلك بعينه وإنما اراد اللحم، وشبه غليان القدور باصطخاب ضرائر ثم نسبهن إلى رجل من أهل الحرم لأن قريشًا أول من اتخذ الضرائر وغارها غيرتها، حرمي منسوب إلى الحرم على غير قياس والقياس حَرَمى وأنشد الأصمعي:
كقارورةِ الحِرِمي لو أن مُدنِفًا يداوي بها وتريْنِ لم يتوجّع
وقال:
إذا استُعجِلَتْ بعد الخبوِّ ترازمَتْ كهزمِ الظُؤارِ جُرّ عنها حوارُها
الخبو أن تموت النار يقال خبت النار، يقول إذا استعجلت بأن توقد وقودًا شديدًا بعد السكون سمعت لها رزمة مثل رزمة الناقة على ولدها وهو صوتها يقال ارزمت الناقة إذا حنت، والظؤار ثلاث من النوق يعطفن على الفصيل، والواحد ظئر.
وقال الآخر:
فعالى غلامانا على غضويَةٍ جماعًا من الصيدانِ تطغي فتقدعُ
كأن المحالَ الغرّ في حجراتها عذارى على طاياتِ بُصري تطلّعُ
غضوبة نار توقد بحطب الغضا، جماعًا أي قدرًا تجمع الجزور والصيدان حجارة البرام، تطغي تفور، فتقدع أي تكف وبناء بصري بحجارة سود فشبه بياض المحال في القدور مع سواد القدر بالعذارى فوق تلك السطوح، والطايات السطوح واحدها طاية.
وقال النابغة يمدح رجلًا:
[ ١ / ٣٦٦ ]
له بفناءِ البيتِ دهماءُ جونةٍ تلقمُ أوصالَ الجزورِ العُراعرِ
يعني قدرًا تسع الجزور العظيمة وهي الجماع التي ذكرها الأول.
ومثله:
بقدرٍ تأخذُ الأعضاءُ ممّا بجملتِه وتلتهمُ الفَقارا
ويروي: وتلتهم الغبارا.
وقال الكميت:
ومرصوقةٌ لم تُونِ في الطبخِ طاهيًا عجلَّتْ إلى مُحوَرّها حين غَرغَرا
مرصوقة قدر أنضجت بالرضف وهي حجارة تحمي ثم تطرح فيها، والطاهي الطباخ، لم تون لم تحبس من الونى، والمحور ما ابيض منها قبل النضج، غرغر غلا أول غلية يريد أنه على عجلة، وقال عنتر:
[ ١ / ٣٦٧ ]
إذ لا تزالُ لكم مغرغرةً تغلي وأعلى فوقها كِتر
مغرغرة قدر تغلي والكتر السنام، وقال آخر:
ثبتتْ قواثمها خسا وترنمتْ غضبًا كما يترنمُ السكرانُ
يعني القدر، خسا فرد يعني الأثافي، وقال الراعي:
فبتْنا وباتتْ قدرهم ذاتَ هزَّةٍ يضيءُ لنا شحمَ الفروقةِ والكُلى
هزة غليان، والفروقة شحم الكليتين، وقال ابن أحمر:
ودهمٌ تصاديها الولائد جلة إذا جهلَتْ أجوافُها لم تحلّمِ
الدهم القدور، تصاديها تداريها وترفق بها، جلة عظام، وجهل أجوافها بالغليان.
نرى كل هرجابٍ لجوجٍ لهمَّة زفوفٍ بشلوِ النابِ جوفاء عَيلمِ
هرجاب طويلة على وجه الأرض، زفوف بشلو الناب أي تزويه إذا غلت ومنه قيل زفت الإبل زفيفًا إذا قاربت الخطو وفيه بعض النزوان، عيلم واسعة كثيرة الأخذ ويقال للبئر عيلم، لهمة تبتلع كل شيء.
[ ١ / ٣٦٨ ]
لها زجلٌ جنحُ الظلامِ كأنه عجارفُ غيثٍ رائحٌ متهزمُ
شبهه بهزمة الرعد وهو صوته، وجنح الظلام دنوه واختار هذا الوقت لأنه وقت نزول الأضياف، وعجارف اختلاط الأصوت.
إذا ركدَتْ حولَ البيوتِ كأنها ترى الآلَ يجري عن قبائلِ صُيّمِ
ركدت سكن غليانها، أي رأيت الدسم يجري عليها كما يجري الآل على خيل صيام أي قيام، وقال الراعي:
حلبت له دهمًا ليستْ بلقحةٍ ركودًا إذا النكباءُ هبّتْ عقيمُها
تجيشُ بأعضاءِ المحالِ كأنها عذارى بدَتْ لما أصيبَ حميمُها
وذكر ضيفاء، ودهماء قدر، شبه قطع اللحم فيها بنساء برزن، مثل قول الآخر:
عذارى على طايات بُصرى تطلّع
وقد تقدم ذكره.
غضوبٌ كحيزومِ النعامةِ أُحمشتْ بأجوازِ خشبٍ طارَ عنها هشيمُها
محضّرةٌ لا يجعلُ السرُ دونها إذا المرضع الغوجاء جالَ بريمُها
[ ١ / ٣٦٩ ]
غضبها غليانها، أحمشت كأنها أغضبت إذا أمدت بالحطب الجزل فغلت، والبريم الحقاب وإنما يجول من الهزال، يقول: لا نسترها في وقت الجدب ولكننا نظهرها ونحضرها للناس، وقال يذكر امرأة:
رفَعْنا لها مشبوبةً يهتدي بها ولقحةَ أضيافٍ طويلًا ركودُها
إذا ما اعترانا الحقُ بالسهلِ أصبحتْ لها مثل أسرابِ الضباعِ خدودُها
إذا نصبَتْ للطارقينَ كأنها نعامةٌ حزبا تقاصَرَ جيدُها
مشبوبة يعني نارًا، خدودها حيث يخدّ لها في الأرض، كأنها نعامة حزباء يقول ليست بطويلة العنق فكأنها تقاصرت، والحزباء الأرض الحزنة الغليظة.
يبيتُ المشاشُ الخورُ في حجراتِها شكارى مراها ماؤها وحديدُها
الخور الكثيرة الدسم، شكارى من كثرة الدسم وهذا مثل، مراها حلبها الماء، يقول لما صب الماء خرج الدسم، والحديد يريد المغرفة.
وقال:
وقدر كرأل الصحصحان وئية
الوئية العظيمة، والرأل فرخ النعام، والصحصحان المستوى من الأرض.
وقال وذكر الأثافي:
[ ١ / ٣٧٠ ]
ثلاثٌ صَلَينَ النارَ حولًا وأرزمتْ عليهن رجزاء القيام هدوجُ
أرزمت صوتت وأصله إرزام الناقة يعني قدرًا غلت على الأثافي ورجزاء القيام من ثقلها والرجزاء من الإبل التي إذا أرادت النهوض أرعدت فخذاها، وهدوج في صوتها تهدج في غليانها.
وقال جرير:
إذا لم يُدِرّوا عاتمًا عطفت له سريعةُ أبشارِ اللقاحِ درورُ
يقول إذا لم يكن لبن نصبوا للضيف قدرًا، والعاتم هاهنا ناقة تحلب عتمة، وسريعة إبشار اللقاح يعني قدرًا شبهها بناقة بها حمل إذا ألقي فيها اللحم ويقال أبشرته وبشرته بمعنى واحد.
وقال لبيد:
وأعطوا حقوقًا ضمّنوها وراثة عظامِ الجفانِ والصيام الحوافلا
تُوزّع صَرّاد الشمالِ جفانُهم إذا أصبحتْ نجدٌ تسوقُ الأفائلا
الصيام الحوافل يريد القدور الممتلئة، توزع تطرد، والصراد السحاب البارد الذي لا ماء فيه أي ترد حفانهم الشمال بالإطعام وأصبح أهل نجد يسوقون الفصلان لأنها أضعف على البرد، والأفائل قطع السحاب تنفيه الشمال.
وقال أيضًا:
وأبذلُ سوام القدرِ إ نّ سواءها دهمًا وجونا
ذو القدرِ إن نضجتْ وعجّ ل قبله ما يشتوينا
[ ١ / ٣٧١ ]
إن القدورَ لقائحٌ يحلبنَ أمثل ما رعينا
يقول إنك ستصيب سواءها دهمًا وجونًا من الإبل، ذا القدر رده على سوام، يقول يحلبن من الحمد والذكر والشرف أكثر مما يطعم فيهن، رعين استحفظن وجعل فيهن، وقال آخر - مضرس بن ربعي الأسدي:
فلا تسأليني واسألي ما خليقتي إذا ردّعا في القدر من يستعيرها
العافي كل شيء يرده مستعير القدر فيها من المرق إذا ردها وكانوا يفعلون ذلك في الجدب، وقال الكميت يذكر سنة جدب.
وجاءتِ الريحُ من تلقاءِ مغربها وضنَّ من قدرهِ ذو القدرِ بالعُقَبِ
ويروي بالعَقَب، العقبة والعافي سواء، وقال أيضًا وذكر سنة جدب:
واتخذت للقدر في عُقبة ال كرّة مبذولة وطائدها
العقبة ما فسرناه، والكرة حيث ترد القدر، وطائدها أثافيها.
وقال الراعي:
إني أقسّمُ قدري وهي بارزةٌ إذ كل قدرِ عروسٍ ذات جلبابِ
أي تستر كما تستر العروس، وقال آخر - وهو المرار بن سعيد الفقعسي:
[ ١ / ٣٧٢ ]
فقلت أشيعا مشّرا القدرِ حولنا وأي زمانٍ قدرنا لم تمشّر
مشرت اللحم قسمته، وقال آخر:
ألا إن قومي لا تلطُّ قدورُهم ولكنما يوقَدنَ بالعِذاراتِ
تلط تستر وأنشد:
كما لُطّ بالاستارِ دونَ العرائسِ
يقال ألط فلان إذا ساتر وفلان يلط دون الحق بالباطل أي يستر.
وقال بشر:
فكانوا كذاتِ القدرِ لم تدرِ إذ غلتْ أتنزلها مذمومةً أم تُذيبُها
تذيبها تنهبها يقال أذاب علينا بنو فلان إذا أغاروا عليهم فأخذوا مالهم، يقول لما رأونا تحيروا ودهشوا فلم يدروا ما يصنعون كسالئة فسدت عليها زبدتها فلم تدر ما تصنع أتنزل القدر مذمومة أم تقسم ما فيها.
وقال أعشى باهلة:
لا يعجلُ القومَ أن تغلي مراجلُهم ويدلجُ الليلُ حتى يُفسحُ البصرُ
يقول هو رابط الجأش فإذا أغار عليه قوم وأصحابه يطبخون لم يفزعه ذلك حتى يعجلهم عن الطبيخ، ويسير بالليل حتى يفسح البصر
[ ١ / ٣٧٣ ]
بالصبح، والمراجل القدور.
وقال بشر وذكر ناقة:
تجرّ نعالَها ولها نفيّ نفي الحَبِّ تُطحره الملالُ
أي تسقط نعالها من شدة سيرها، والنفي ما تنفيه من تحت قوائمها، تطحره ترمي به، والملال المقالي أخذ من الملة وهو الموضع الحار.
وقال آخر:
لا تعدلنَ أتاويّين تضربُهم نكباء صرّ بأصحابِ المُحِلاتِ
الأتاويون الغرباء، والمحلات القدر والقربة والفأس والقدّاحة والدلو والرحى وإنما قيل لها محلات لأن من كانت معه حل حيث شاء وإلا فلا بد له من أن ينزل مع الناس، يقول لا تعدلن الغرباء بهؤلاء، ويقال هي سبعة أشياء منها السكين.
وقال الفرزدق:
وقِدرٌ فثأنا غلِيها بعد ما غلتْ وأخرى حششنا بالعوالي تؤثّفُ
القدر هاهنا الحرب، فثأنا أطفأنا لهبها، وأخرى حششنا أي أحميناها بالرماح فكانت لها كالأثافي التي تحت القدر تثبتها وتمسكها وتحميها من كل جانب.