قال أبو الأسود:
وزيد ميتٍ كمد الحباري إذا ظعنت هُبَيدة أو مُلمُّ
يقال في مثل " مات فلان كمد الحباري " والحباري إذا تحسرت وألقت ريشها مع إلقاء الطير ريشه أبطأ نبات ريشها فإذا طار الطير ورامت هي الطيران فلم تقدر ماتت كمدًا، وملم مقارب للموت.
وقال الراعي:
حلفَتْ لهم لا تحسبونَ شتيمتي بعيني حباري في حبالةِ مُعزِبِ
رأتْ رجلًا يسعى إليها لحملقَتْ إله بمأقي عينِها المتقلبِ
[ ١ / ٢٩٢ ]
المعزب الصائد لأنه لا يأوي إلى أهله، حملقت قلّبت حملاق عينها.
والمعنى أن شتمكم إياي لا يذهب باطلًا فأكون بمنزلة الحباري التي لا حيلة عندها إذا وقعت في الحبالة إلا تقليب عينيها وهي من أذل الطير، ونحو منه قول الكميت:
وعيد الحباري من بعيدٍ تنفَّست لأزرقٍ معلولِ الأظافرِ بالخَضبِ
وقال الراعي:
تنوشُ برجليْها وقد بلَّ ريشُها رشاش كغسلِ الوفرةِ المتصبّبِ
تنوشُ برجليْها أي تضرب بهما، والغسل الخطمي يريد سلحت على ريشها، ويقال في المثل " أسلح من حباري " ولها خزاية بين دبرها وأمعائها لها فيها سلح رقيق لزج فمتى ألح عليها الصقر سلحت عليه فصار كالدبق في جناحه وبقي كالمنتوف فعند ذلك تجتمع الحباريات عليه فينتفن ريشه كله وفي ذلك هلاكه.
وقال الشاعر:
وهم تركوكَ أسلح من حباري وهم تركوكَ أشرد من نعامِ
وقال متمم بن نويرة:
[ ١ / ٢٩٣ ]
وأرملةٌ تمشي بأشعثٍ مُحثَلٍ كفرخ الحباري رأسُه قد تصوَّعا
محثل صبي قد أسيء غذاؤه وشبهه بفرخ الحباري لأنه قبيح المنظر منتف الريش. آخر:
وكل شيءٍ قد يحب ولدَه حتى الباري فتطير عَنَدَهُ
الحباري يضرب بها المثل في الموق قال فهي على موقها تعلم ولدها الطيران وإذا أرادت أن تعلمه ذلك طارت يمنة ويسرة وهو ينظر ليتعلم، وقوم يظنون أن الكروان ابن الحباري لقول الشاعر:
ألم ترَ أن التَّمر بالزبدِ طيبٌ وأن الحباري خالةُ الكروانِ
والعرب تقول:
أطرقُ كرًا أطرقُ كرا إن النعامَ في القرى
كرًا ترخيم كروان تقلب الواو ألفًا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها وكذلك ترخيم قطوان تقول يا قطا أقبل، وهذا مثل يضرب للرجل الحقير الصغير القد يتكلم في الأمر الذي غيره أولى بالكلام فيه فيقال " أمسك فقد جاء من هو أكبر منك وأولى بالقول " والكروان أيضًا سلاح، قال بعض بن أسد لمصدق:
يا كروانًا صُكّ فاكَبأَنا فشن بالسلعِ فلما شنّا
[ ١ / ٢٩٤ ]
بل الذّنابي عبسًا مُبِنّا
أصل العبس البعر، فأراد سلحه، مبنًا له بنّة أي رائحة.