قال ذو الرمة:
أرى ناقتي عند المحصَّبِ شاقها رواحُ اليماني والهديلُ المرجّعُ
أي نفر اليمانية ينصرفون، والهديل هاهنا أصوات الحمام، أراد أنها ذكرت الطير في أهلها فحنت إليهم.
وقال جران العود:
كأن الهديلَ الظالعَ الرجلِ وسطها من البغي شَريب بغزة منزَفِ
[ ١ / ٢٩٦ ]
الهديل هاهنا الفرخ بعينه، والشريب الكثير الشرب، وقال الكميت لقضاعة في تحولهم إلى اليمين:
وما مَن تهتفينَ به لنصرٍ بأقربِ جابةٍ لك من هَديلِ
العرب تقول كان في سفينة نوح فرخ فلما دف طار فوقع في البحر فغرق الطير فالطير كلها تبكي عليه، قال:
يبكي بقارعة الطريق هَديلا
جابة إجابة ويقال في المثل " أساء سمعًا فأساء جابة ".
وقال ابن مقبل:
في ظهر مَرتْ عساقيلُ السرابِ به كأن وَغرَ قطاه وَغرَ حادينا
أصواتُ نسوانٍ أنباط بمصنعةٍ يجّدن للنَّوحِ واجتنَبْنَ التبابينا
يجدن لبسن البُجُد، شبه أصوات قطاه لكثرتها بأصوات حُداة. وشبه أصوات الحمام بأصوات نساء من النبط مثاكيل.
وقال جران العود:
واستقبلوا واديًا صوت الحمام به كأنه صوت أنباط مثاكيل
ثم ذكر موضع المصنعة فقال:
[ ١ / ٢٩٧ ]
في مشرفٍ ليط ليّاق البلاطِ به كانت بشاشتهُ مُهدَى قرابينا
يقول تلك المصنعة للنصارى يتعبدون فيها في مشرف، ليط ألصق، ولياق البلاط ما لصق منه يقال ما يليق بك هذا وما يليط سواء، ويقال لاقت الدواة أي لصقت، ويروى: ليط ليّوق، وهو مثله، والقرابين جمع قربان وهو ما يقترب به النصارى، يقول كأن حسن ذلك الموضع وأنسه بإهداء القربان وإيقاد المصابيح وضرب النواقيس:
صوتُ النواقيسِ ما تفرّطه أيدي الجلاذيْ وجُون ما يُغفِّينا
الجلاذي قوَّامه وخدَّامه واحدهم جلذي.
وقال ابن الأعرابي إنما سمي جلذيًا لأنه حلق وسط رأسه فشبه ذلك الموضع بالحجر الأملس وهو الجلذي، وقال ابن الأعرابي ولم نزل نظن أن الجون في هذا البيت الحمام - وما يغفين من الهدير حتى حُدّثت عن بعض ولد أبي بن مقبل أن الجون القناديل سميت بذلك لبياضها، والجون الأسود والأبيض ويقال الشمس جَونة أي بيضاء، ما يغفين ما ينطفئن، ما تفرطه أي ما تفرط هؤلاء الخدام في قرع النواقيس. وقال النابغة:
واحكَم كحكمِ فتاةِ الحي إذ نظرتْ إلى حمامٍ شراعٍ واردِ الثَمدِ
[ ١ / ٢٩٨ ]
احكم كن حكمًا، كفتاة الحي يقال أنها زرقاء اليمامة إذ نظرت ثم قالت فأصابت والثمد الماء القليل:
قالت فيا ليتَ ما هذا الحمامُ لنا إلى حمامتِنا أو نصفُه فقَدِ
يحفّها جانبا نيق وتُتبعه مثلَ الزجاجةِ لم تكحَّل من الرمدِ
النيق الجبل، يقول كان الحمام في موضع ضيق قد ركب بعضه بعضًا فهو أشد لعده، أو نصفه أرادت ونصفه " أو " بمعنى الواو. فقد حسب وتتبعه عينًا مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد لم يكن بها رمد فتكحل منه مثل قول الآخر:
على لا حب لا يُهتدي بمناره
فحسّبوه فألفوه كما زعمتْ تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزدِ
فكمّلتْ مائةً فيها حمامتُها وأسرعتْ حسبة في ذلك العددِ
نظرت هذه المرأة إلى حمام مر بها بين جبلين وكان ستًا وستين فقالت ليت لي هذا الحمام ونصفه وهو ثلاث وثلاثون إلى حمامتي فيتم
[ ١ / ٢٩٩ ]
لي مائة فنظروا فإذا هو كما قالت، يقوا النابغة للنعمان فليكن نظرك في أمري وحدسك عما بُلِّغت عني كنظر هذه المرأة وحدسها.
وقال ذو الرمة:
ألا ظعنت ميٌّ في هاتيكَ دارُها بها السُحم تَردي والحمام الموشَّمُ
كأن أنوفَ الطيرِ في عرصاتِها خراطيمُ أقلامِ تخط وتعجمُ
السحم الغربان، والموشم به وشوم ونقط تخالف لونه، وشبه مناقير الطير بأطراف الأقلام.
وقال الراعي يصف نفسه:
كهُداهد كَسَر الرماةُ جناحَه يدعو بقارعةِ الطريقِ هديلا
وقعُ الربيعُ تقاربَ خطوهُ ورأي بَعقوَته أزلّ نسولا
هداهد حمام يهدهد في صوته ولم يرد الهدهد، يقول قد كُسر جناحه فهو لا يستطيع البراح، قارعة العقيق أعلاه.
وقال أبو ذؤيب:
فليتهمُ حذّروا جيشَهم عشيةَ هم مثل طيرِ الخَمَرِ
أي يُختَلون ويُستتر لهم كما يستتر للطير في الخمر، والخمر كل ما واراك من شيء شجرًا كان أو غيره، والضراء ما واراك من شجر.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقال آخر:
أمن ترجيعِ قاريةٍ تركتُم سباياكم وأبتم بالعَناقِ
القارية طير أخضر والجمع قَوار، أي فزعتم لما سمعتم ترجيع هذا الطائر فتركتم سباياكم وأبتم بالخيبة، والعناق الخيبة.
وقال الكميت:
ودوية أنفذت حضني ظلامها هدّوا إذا ما طائرُ الليلِ أبصرا
أنفذت قطعت، وطائر الليل يريد الخشاف.
وقال رؤبة:
إذا تداعى في الصِمادِ مأتمُه أحنّ غِيرانا تنادي زُجّمُه
الصمد الغليظ المرتفع يقع عليه البوم، ويقال: البوم ينوح على الأفراط وهي إكام صغار يقع عليها، والمأتم جماعة النساء، شبه البوم بنساء ينحن، أحن غيرانا قال الأصمعي لا أدري ما معناه، ويقال زجم له بشيء يعرفه من كلام وهو الذي تسمع الصوت به ولا تدري ما هو، وقال غيره: أحن غيرانا - يريد أن البوم إذا صوتت حنت الغيران بمجاوبة الصدى وهو الصوت الذي تسمعه من الجبل أو من الغار بعد صوتك.
وقال زهير:
[ ١ / ٣٠١ ]
وبلدةٌ لا ترام خائفةَ الف وّادِ مغبرةً جوانبِها
تسمع للجنِ عازفيْنَ بها تضبح من رهبةِ ثعالبِها
الفواد جمع فياد -؟ - ويقال أنه ذكر البوم.
قال الأعشى:
يؤنسني صوت فيّادها
إذا كان الفياد بها خائفًا فكيف غيره.
وإنما يوصف أصوات البوم والهام والصدى بالليل.
قال رؤبة:
وصيحت في ليله أصداؤه داعٍ دعا لم أدرِ ما دعاؤه
الصدى ذكر البوم، يقول دعا فلم أدر ما دعا، وقال ذو الرمة:
وأسودٌ ولاجٌ لغير تحيةٍ على الحي لم يُجرم ولم يحتمل وزرا
قبضتْ عليه الخمس ثم تركته ولم أتخذ إرساله عنده ذخرا
يعني الخطاف. وقال الطرماح:
فيا صبحَ كمّش غُبّر الليلِ مُصعِدا ببمّ ونبّه ذا العفاء الموشحِ
[ ١ / ٣٠٢ ]
إذا صاحَ لم يخذل وجاوب صوتَه حماشُ الشوي يصدحنَ من كل مصدحِ
كمش ارفع، وغبر الليل بقاياه، وصعدًا مرتفعًا ذاهبًا، والعفاء الريش، والموشح الذي وشح بشيء غير لونه يعني الديك، إذا صاح لم يخذل يعني أن الديوك تجيبه من كل ناحية، وقال آخر:
ماذا يؤرقني والنومُ يعجبني من صوتِ ذي رعثاتٍ ساكن الدارِ
[ ١ / ٣٠٣ ]
كأن حُمّاضةً في رأسهِ نبتتْ من آخرِ الليلِ قد همّت بإثمارِ
يعني ديكًا والحماض أحمر، وأنشد:
والشيب بالحناء كالحماض
وقال جرير:
لما تذكّرتُ بالديريْنِ أرَّقني صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيسِ
يقول أرقني انتظار الديوك أن تصدح وقرع النواقيس أن تضرب فأرحل.
فلم يرد أن الديوك صوتت والنواقيس ضربت فأرقته أصواتها.
وقال لبيد يصف راكبًا:
فصدهم منطق الدجاج عن ال قصد وضرب الناقوس فاجتنبا
يقول ما سمعوا ذلك عدلوا ليعرسوا والتعريس آخر الليل.
وقال آخر:
وبلدة يدعو صداها هندا
قوله هند حكاية صوت الصدى إذا صاح فقال هن هن، ومثله قول رؤبة:
كالبحر يدعو هَيقما وقَيقما
حكي صوت أمواجه، ومثله:
[ ١ / ٣٠٤ ]
تسمع للجن فيه زِيرَ يزَما
حكي أصوات الجن، وأما قول أبي داود:
سَلَّط الموتُ والمنون عليهم فلهم في صدَى المقابرِ هامُ
فإنهم كانوا يزعمون أن الميت إذا دفن خرج من قبره طائر مثل الهامة فلا يزال يصيح على قبره بالليل حتى يقتل من قتله ويدرك بثأره، ويقال أنهم كانوا يزعمون أن عظام الموتى تصير هامة فتطير.
أبو عمر قال وكانوا يسمون ذلك الطائر الصدى، والهام والصدى واحد.
وقال أمية بن أبي الصلت:
غيمٌ وظلمًا وفضلُ سحابةٍ أيام كفّن واسترداد الهدهدُ
يبغي القرارُ لأمه ليكنها فبنى عليها في قفاهِ يمهدُ
[ ١ / ٣٠٥ ]
فيزال يذبح ما مشى بجنازة منها وما اختلف الجديد المسندُ
الأعراب يزعمون أن أم الهدهد لما ماتت قبرها في رأسه فأعطاها الله القُزّعة ثوابًا على بره بأمه وستر تلك الوهدة وأن نتن رائحته من تلك الجيفة.
وقال العجاج:
ذا النهارُ كفَّ ركض الأخيل إن قالَ قَيل لم أقِلُ في القُيَّلِ
الأخيل طائر أخضر يقال له الشِقرّاق وهو لا ينجحر نصل النهار كما ينجحر الطير من الجر، يقول فالأخيل قد ينجحر وأنا لا أنجحر، ويقال ركض الطائر إذا اجتهد، قيل جمع قائل مثل سافر وسَفْر.