قال أبو كبير:
ولقد غدوْتُ وصاحبي وحشية تحت الرداءِ بصيرةٌ بالمشرفِ
حتى انتهيتُ إلى فراشِ عزيزةٍ سوداءِ روثةٍ أنفها كالمِخصفِ
وحشية يريدها ريحًا، عزيزة يعني عش العقاب، والمخصف المِخرز، وقال طفيل:
تبيتُ كعقبانِ الشُريّفِ رجالهُ إذا ما نووا إحداثَ أمرٍ معطِّبِ
أي تبيت الرجال معدة للغدوّ كما تبيت هذه العقبان، معطب مهلك، وقال الشماخ وذكر الحمير:
كأن متونهُنَ مولِّياتٍ عصيّ جناحٍ طالبة لَموعِ
عصي أصول الريش شبه متونهن في استوائها وانملاسها بقصب
[ ١ / ٢٧٧ ]
الريش وذلك لأن في متونهن خطوطًا سودًا، طالبة يعني عقابًا، لموع تلمع بجناحها.
فما تنفكُ حول عويرضاتٍ تجرّ برأسِ عِكرِشةٍ زموعِ
العكرشة الأرنب الأنثى، والذكر خُزَز، زموع يقال مسرعة في عدوها ويقال زموع تطأ على زمعاتها وهي مواضع الثنن من الدواب وذلك هو التوبير وإنما تفعله لئلا يعرف أثرها.
تطارد سِيدَ غاباتٍ ويومًا تطاردُ سيدَ قاراتِ الجموعِ
يقول هذه العقاب تطارد الذئاب وذلك لأنها تقع على القتلى والذئاب عليها.
وقال يذكر وكر العقاب:
ترى قطعًا من الأحناشِ فيه جماجمهن كالخَشْلِ النزيعِ
الأحناش الحيات واحدها حنش، والخشل المقْل الواحدة خشلة، وروي عن الأصمعي أنه قال الخشل ما انكسر من رؤوس الأسورة والخلاخيل شبه رؤوس الحيات به.
وقال المسيب بن علَس:
أنتَ الوفي بما تُذِم وبعضهم يودي بدمتهِ عقابُ ملاعِ
تذم تعطي من الذمة، ملاع يقال امتلعه إذا اختلسه، أخرجه مخرج
[ ١ / ٢٧٨ ]
حذار أي كأن ذمته طارت بها عقاب.
ومثله - لامرئ القيس:
كأنّ بني شيْبان أودَت بجارُهم عقاب تَنَوفا لا عقاب القَواعلِ
تنوفا ثنية مشرقة والقواعل ثنايا صغار، وقال عمرو بن معدي كرب يصف خيلا ً:
بساهمةٍ خصبْنَ بجادياتٍ سوابقهن كالحِداء الشحاحِ
شحّت أن يسبقها شيء، والحدأ جمع حدأة، وقال جران العود:
عقاب عقنباة كأن وظيفها وخرطومها الأعلى بنار ملوَّحَ
عقنباة سريعة الخطفة، خرطومها منسرها، ووظيفها ساقها، أراد أنهما أسودان، وقال امرؤ القيس يصف فرسًا:
كأني بفتخاءِ الجناحيْنِ لقوةٍ صيودٍ من العقبان طأطأت شيمالي
كأن قلوبَ الطيرِ طبًا ويابسًا لدى وكرِها العنابِ والحشفِ البالي
يقول كأني بطأطأتي هذه طأطأت فتخاء وهي العقاب سميت
[ ١ / ٢٧٩ ]
بذلك لفتخ في جناحها والفتخ اللين إذا انقضت، وشيمال وشملال خفيفة. قال أبو عبيدة أُراه أراد شمالي فزاد ياء كما قالوا:
من يانع الثيمار
أراد الثمار، ويقال فلان يطأطئي في ما له أي يسرع، والقلوب أطيب ما في الطير فهي تأتي به فراخها.
وقال الأعشي وذكر فرسه:
وكأنما تبعُ الصوارِ بشخصِها عجزًا ترزُق بالسُلّيّ عِيالها
أي كأنما تبع الصوار حين تبعته الفرس عقاب، وعجزاء في أصل ذنبها بياض، أبو عبيدة: عجزاء شديدة الدابرتين، والسلي واد دون حجر، وعيالها فراخها.
وقال أبو خداش الهذلي:
كأني إذ غدوا ضمَّنتُ بزي من العقبانِ خائِتَة طَلوبا
بزي سلاحي، يقول كأن ثيابي حين غدوت على عقاب من سرعتي، خائتة تسمع لجناحها صوتًا إذا انقضّت.
جريمةُ ناهضٍ في رأس نيقٍ ترى لعظامٍ ما جمَّعت صليبا
جريمة كاسبة، يقال فلان جارم أهله أي كاسبهم، ناهض فرخ،
[ ١ / ٢٨٠ ]
قال الله ﷿ " لا يجر منّكم شنآن قوم " أي لا يكسبكم، والصليب الودك ولهذا مصلوب أي يسيل ودكه.
رأتْ قنصًا على فوتٍ فضمّت إلى حيزومها ريشًا رَطيبا
على فوت أي كاد الصيد يفوتها، الرطيب الناعم، والحيزوم الصدر، أي كسرت جناحها لتنقضّ حين رأت الصيد.
فلاقتْه ببلقعةٍ بَراحٍ فصادمَ بين عينيْه الجَبوبا
أي رفعته ثم أرسلته فصادم الجبوب أي الأرض.
وقال آخر يصف فرسًا:
هو سِمع إذا تمَطر مشيًا وعقابٌ يحثّها عِسبارُ
السمع ولد الذئب من الضبع، والعسبار ولد الضبع من الذئب، وقوله وعقاب يحثها عسبار يريد أن العسبار يسرع في عدوه فتسرع العقاب في طلبه فكأنه هو حثها.
وقال ابن كُنَاسة يصف فرسًا:
كالعقابِ الطلوبِ يضربُها الطلُّ وقد صوّبتُ على عِسبارِ
وقول الهذلي:
فلو أن أمي لم تلدني لحلّقتْ بي المُغرِب العنقاء عند أخي كلبِ
قال بعضهم العنقاء المغرب لأنها تأتي من مكان بعيد
[ ١ / ٢٨١ ]
وكانت أمه كلبية فأسره رجل من كلب أراد قتله فلما انتسب له خلي سبيله، وقوله لحلقت بي المغرب أي هلكت كما يقال شالت نعامته.
وقال أبو ذؤيب:
فألقى غِمدَه وهوى إليهم كما تنقضُّ خائتة طَلوبِ
خائتة منقضة يقال سمعت خَوَات القوم أي أصواتهم وخوات العقاب أي انقضاضها وسمي الرجل خَواتًا من ذلك وأنشد:
يخوتون أولى القوم خوت الأجادل
موقّفة القوادمِ والذنابي كأن سراتَها اللبنِ الحليبِ
يقول في قوادمها وذنبها بياض وظهرها أبيض وهي شر العقبان، والخالصة هي الخُدارية وهي السوداء وخدر الليل سواده، وأنشد الأصمعي:
لها ناهضٌ في الوكرِ قد مهّدتْ له كما مَهدتْ للبعلِ حسنًا عاقرُ
العاقر أشد تصنعًا للزوج وأحفى به لا ولد لها تدل به ولا يشغلها عنه، وقال الهذلي وذكر فرخي عقاب فقدا أمهما:
فُريخيْنِ ينضاعان في الفجرِ كلما أحسَّا دويّ الريحِ أو صوتَ ناعبِ
ينضاعان يتحركان ومنه تضوع المسك كأنه تحركه، في الفجر لأنه وقت حركة الطير.
[ ١ / ٢٨٢ ]