قال المرار يذكر الظليم:
ويطيرُ أسودُه ويبرقُ تحتُه برقَ السحابةِ شدّ ما يُجلي
أسوده جناحه ويبرق تحته ما ابيض من ريشه الصغار، برق السحابة شد ما يجلى أي شد ما يكشف.
ذو بُردةٍ خُلّت على جؤشوشهِ سوداء جافية من الغزلِ
جافية من الغزل لانتفاش ريشه.
وشقيقةٌ بيضاءُ غيرُ طويلةٍ عن ركبتيْه قليلةُ العضلِ
شبه السواد أعاليه وصدره ببردة سوداء قد خلّت عليه، وشبه بياض أسافله إلى ركبتيه بشقيقة بيضاء وهو ما شق باثنين، وقليلة العضل لأن ريشه إذا بلغ ركبتيه انقطع.
وقال الطرماح في هذا المعنى وكان الأصمعي يستحسنه، ويتعجب منه:
مجتابُ شملة بُرجُد لسراتِه قدرًا وأسلم ما سواء البرجدُ
سراته ظهره.
وقال المرار:
حُرقَ الجناحُ كأنه متمايلٌ من آل أحبشٍ شاسعِ النعلِ
أي قد انحص ريش جناحه وكأنه يميل في شق، من آل أحبش أي من الحبش قد شسع نعله وقال لبيد:
[ ١ / ٣٢٨ ]
ومكانُ زعلٍ ظلمانه كحزيقِ الحبشيين الزُّجُلِ
وقال ذو الرمة:
كأنه حبشيٌ يبتغي أثرًا أو من معاشرٍ في آذانها الخُرَبُ
يقول قد تطأطأ يرعى فكأنه حبشي يطلب أثرًا في الأرض أو سندي في أذنه خربة أي ثقب.
هجنَّع راحَ في سوداءِ مُخمَلة من القطائِفِ أعلى ثوبِه الهُدُبُ
وهذا مثل قول بشر يشبهه.
وكأنه، حبشي حازقة عليه القرطف
حازقة جماعة، والقرطف الكساء، شبهه ذو الرمة بأسود عليه قطيفة مقلوبة فالهدب ظاهر، وقال عنتر:
صَعل يعودُ بذي العُشيرةِ بيْضَه كالعبدي ذي الفروِ الطُوالِ الأسحمِ
شبه الظليم بعبد أسود عليه فرو مقلوب، والأسحم من نعت العبد وهو الأسود، وقال العجاج:
فاستبدلَتْ رسومُه سفنَّجًا أصك نَغضًا لا يني مستهدجَا
كالحبشي التف أو تسبجا
السفنج الظليم الواسع الخطو السريع المشي، أصك يصطك رجلاه، لا يني لا يزال، مستهدجًا يحمل على الهدَج وهو تقارب الخطو مع
[ ١ / ٣٢٩ ]
سرعة المشي، تسبج ليس سبيجًا وهو بردة سوداء بقيرة وهو بالفارسية سبي فعرب.
وقال ذو الرمة:
كأنه حبشيٌ يبتغي أثرًا أو من معاشرٍ في آذانها الخُربُ
أو مقحمٌ أضعف الإبطانَ حادجُه بالأمس فاستأجر العِدلانُ والقتَبُ
المقحم البعير الذي يقحم سِنَّين في سن وذلك أن يسدس ويبزل في سنة، والحادج الذي يشد الحدج وهو مركب، أضعف الإبطان أي لم يشد بطانه فيستوثق فاستأجر عدلاه وقتبه. شبه جناحي الظليم بالعدلين وذلك أنهما مسترخيان.
أضله راعيًا كلبية صدرًا عن مُطلبٍ وطُلي الأعناقِ تضطربُ
كلبية إبل كلب وهي سود فشبه الظليم ببعير منها، أضلاه أي غفلا عنه حتى ضل، صدرًا يعني الراعيين، عن مطلب أي عن ماء بعيد لا يدرك إلا بطلب، والطُلية عرض العنق تضطرب من النعاس يقول ناما فضلَّ هذا البعير.
عليه زادٌ وأهدامٌ وأخفيةٌ قد كاد يجتزّها عن ظهرِه الحقَبُ
أهدام أخلاق وأخفيه أكسيه واحدها خِفاء ممدود، والحقب حبل يشد على حقو البعير، أراد أن حمله قد تأخر، شبه به جناحه.
كلٌ من المنظرِ الأعلى له شبهٌ هذا وهذانِ قدُّ الجسم والنُقَبُ
[ ١ / ٣٣٠ ]
المنظر الأعلى الأرفع الأبعد، هذا يعني البعير وهذان يعني الحبشي والسندي، والنقب الألوان جمع نقبة.
وقال لبيد:
ويظلُ مرتقبًا يقلّبُ طرفَه كعريشِ أهلِ الثَلّة المهدومِ
يريد أن في جناحه استرخاء فهو شبه بعريش قد تقوض.
ونحوه قول الآخر:
سماوة جون كالخباء المقوّض
وقال أبو النجم:
كأن بالسُهبِ أو حزبائه عرشٌ تحنَّ الريحُ في قَصبائِهِ
شبهه بمظلة من قصب وقال تحن الريح في قصبه يريد أن له حفيفًا في عدوه كحفيف الريح في هذا العرش.
وقال الطرماح:
بات يحفّ الأدحيّ متخذًا كسريْ بجادٍ مهتوكةٍ أصُده
الكسر جانب البيت، والبجاد كساء أسود، شبه جناحه وريشه على البيض ببيت مهتوك، أصده وهو ما بعضه إلى بعض.
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال أوس وذكر ظليمًا:
وتُبرى له زعراءُ إما انتهارها ففوَّتَ وإما حين يعي فتلحقُ
كأنّ جهازًا ما تميلُ عليهما مُقاربة إخصامِه فهو مُشنَقُ
الجهاز المتاع وما زائدة يريد كأن على كل واحد منهما حملًا من جناحه: وأخصامه نواحيه واحدها خُصم، ومُشنق مرفوع عليهما، وقال طرفة:
ومكانُ زعلٍ ظلمانه كالمخاضِ الجربِ في اليومِ الخَضِرِ
زعل نشيط، والمخاض الحوامل واحدتها خلفة من غير لفظها، والخضر البارد، والمخاض في اليوم البارد تضم فشبهها بها، وقال ابن مقبل وذكر منزلًا:
وتمشي به الظُلمان كالدُهمِ قارفَتْ بزيتِ الرهاءِ الجَون والزِفتِ طاليا
يقول كأن النعام فيه إبل دهم قد جربت فطليت بعكر الزيت، والجون الأسود، وقارفت خالطت، وقال أبو النجم:
كالآدمِ المطليّ في طلائِه صعدًا وما حقواه في هنائه
شبه الظليم بالبعير المهنوء، يقول هو أسود وحقواه أبيضان هُنئ كله الأحقوية، وقال أيضًا:
[ ١ / ٣٣٢ ]
والنَغض مثل الأجرب المدجّل
فالنغض الذي يحرك رأسه إذا عدا، والمدجل المهنوء بالقطران وشبهه بالأجرب لأنه قد أسن ذهب ريشه من أرفاغه.
قال ابن أحمر:
لَهدجدَج جُرْب مساعره قد عادَها شهرًا إلى شهرِ
الهدجدج الذي يهدج في مشيته أي يقارب الخطو ويضطرب، والمساعر الآباط وباطن الأفخاذ، وليس هناك جرب إنما أراد أنه لا ريش عليه، وعادها يعني بيضة اختلف إليها شهرًا بعد شهر.
وقول لبيد يصفه:
أفذاكَ أم صَعل كأن عِفاءهأوزاعٌ ألقاءٍ على أغصانِ
شبه ريشه بخرق خلقان ألقيت على أغصان، وقال ذو الرمة:
على كلِ حِزباءٍ رعيلٌ كأنه حمولةٌ طالٍ بالعنيّة مُهمِلُ
الحزباء المكان الغليظ، رعيل جماعة نعام.
والحمولة الإبل يحمل عليها والعنية أبوال الإبل تخلط مع أشياء وتطبخ فإذا عتقت عمل منها قطران، مهمل أهملها بعد الطلاء بلا راع.
وقال ذو الرمة:
ومن خاضِبٍ كالبَكرِ أدلج أهله فزاغَ عن الأحفاضِ تحت بجادِ
شبهه ببكر ثم وصف البكر، زاغ هرب، والأحفاض المتاع الذي
[ ١ / ٣٣٣ ]
يحمله البعير والحفض أيضًا البعير نفسه، والبجاد كساء أسود مخطط تبنى به بيوت الأعراب.
قال كعب بن زهير:
ينجو بها خرِبُ المشاشِ كأنّه بخزامِه وزِمامه مسنوفُ
الخرب الذي لا مخ له، والمشاش المفاصل ويقال أن النعام جوف العظام لا مخ فيها، مسنوف مرفوع الرأس، وقال الهذلي ووصف عدوه وهربه:
كأن ملاءتيَّ على هِزَفٍّ يعنُّ مع العشيةِ للرئالِ
على حتّ البُرايةِ زمخري ال سواعدِ ظلَّ في شَرىٍ طوالِ
ملاءتاه ثوباه، والهزف الجافي، يعن يعرض، الرئال الصغار، حت سريع يقال فرس حت وسكب وبحر كل هذا في السرعة والالتهاب، والبراية ما يبقى منه بعد بري الكلال له يقال للدابة إنه لذو براية أي ذو بقية إذا براه السفر والمرض.
والزمخري الأجوف، والسواعد مجاري اللبن في الضرع وهي هاهنا مجاري المخ في عظام الظليم، والشرى شجر الحنظل، وقال أبو عبيدة على حت البراية على خفيف اللحم من الظلمان، والزمخري الشديد والسواعد ما ساعده من جناحه وقوائمه، وأراد: حت عند البراية في
[ ١ / ٣٣٤ ]
التفسير الأول وهو مثل قولهم " فلان صدق المبتذل " أي صدق عند المبتذل.
وقال زهير:
من الظلمان جؤجؤه هواء
ألا لا مخ فيه، وأما قول أبي النجم:
يزعزع الجؤجؤ من أنقائه
فإنه أراد أنه إذا عدا حرك جؤجؤه من موضع الأنقاء لا أن هناك نقيًا، والنقي المخ، وأنشد ابن الأعرابي لأعرابي في نفسه وأخيه:
وإني وإياهُ كرجليْ نعامةٍ على ما بنا من ذي غنى وفقيرِ
قال ابن الأعرابي كل طائر إذا كسرت إحدى رجليه أو قطعت تحامل على الأخرى خلا النعام فإن متى كسرت إحدى رجليه جثم ولم يتحامل بواحدة فأخبر أنه وأخاه كذلك إذا أصاب أحدهما شيء بطل الآخر.
وأنشد ابن الأعرابي:
إذا انكسرتْ رجلُ النعامةِ لم تجِد على أختِها نهضًا ولا باستْها جبرا
قالوا وإنما امتنع من الجبور لأنه لا مُخّ فيه.
وقال آخر:
[ ١ / ٣٣٥ ]
أجدْكَ لم تظلع برجليْ نعامةٍ ولستُ بنهّاضٍ وعظمُكَ زمخرَ
أي أجوف، وقول لبيد:
كأن جؤجؤه صفيح كِران
الكران العود والكرينة القينة.
وقال عنتر:
وكأنما أقصُ الأكامَ عشيةً بقريبٍ بين المنسميْنِ مصلّمِ
قريب بن المنسمين يعني ظليمًا، والمناسم للإبل والعرب تجعلها أيضًا للظليم ويقولون هو لا طائر ولا بعير، وفيه من البعير المنسم والوظيف والعنق والخزامة اليت في أنفه، وفيه من الطير الريش والجناحان والذنب والمنقار.
وقال حسان:
لعمركَ أنّ آلكَ في قريشٍ كآلِ السقبِ من رألِ النعامِ
أراد إنك ضعيف النسب في قريش وإنك حين وجدت أدنى سبب ادعيت إليهم وأن ذاك السبب في ضعفه كشبه الرأل بالسقب، وقال يحيى بن نوفل:
ومثلُ نعامةٍ تدَّعي بعيرًا تعاظمُها إذا ما قيلَ طيري
وإن قيلَ احمُلي قالتْ فإني من الطيرِ المرِبّة بالوكورِ
هذا يضرب مثلًا للرجل يعتل في كل شيء يكلف فعله.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وقول عنتر: مصلم يريد لا أذن له، والعرب تصف النعام بالتصليم خاصة وكل طائر مصلم وإنما اختصوا النعامة بذلك.
فقال زهير:
أصّك مصلّم الأذنينِ أجني له بالسِيّ تنومُ وآهُ
وقال كبشة بنت معدي كرب:
فمُشوا بآذان النعامِ المصلم
وقال علقمة:
ما يسمع الأصوات مصلوم
لأنهم يضربون المثل بالنعامة في الموق وسوء التدبير ويقولون ذهبت النعامة تطلب قرنين فقطعوا أذنيها، فأرادوا بمصلم هذا المعنى، وقال أبو العيال:
أو كالنعامةِ إذ غدتْ من بيتها ليصاغُ قرناها بغيرِ أذيْنِ
فاجتُثَّتِ الأذنانِ منها فانتهتْ صلماءَ ليست من ذواتِ قرونِ
وكذلك يقولون ذهب الغراب يتعلم مشية الديك فلم يحسنها ونسي مشيته.
قال أبو عمران الأعمى في تحوّل قضاعة عن نزار إلى اليمين:
[ ١ / ٣٣٧ ]
كما استوحش الحي المقيم لرحلة ال خليط ولا عز الدين تحملوا
كتارك يومًا مشية من سجية لأخرى ففاتته وأصبح يحجلُ
فصار قولهم مصلم كافيًا من قولهم ظليم، وكذلك يقولون صكاء فيكفيهم من نعامة، ويقولون خنساء فيكفيهم من بقرة، ويقولون أعلم فيكفيهم عن بعير. قال عنتر:
تمكو فريصته كشدق الأعلم
وقال الرجز:
أخو خناثير أقود الأعلما
وقال آخر:
خنساء ضيعت الفرير
وقال المسيب بن علس يصف ناقة:
صكاءَ علبةٍ إذا استقبلتُها حرج إذا استدبرتُها هلواعِ
[ ١ / ٣٣٨ ]
والصكك اصطكاك رجلي الناقة وهو عيب ولم يكن ليصفها بعيب ولكنه أراد بصكاء نعامة فكأنه قال نعامة إذا استقبلتها.
وقال عدي بن زيد:
والخدّيف العاري الزوائد مل حفا ن داني الدماغ للآماق
الخدب العظيم من النعام ومن كل شيء، والزوائد ربما كانت في مناسمه كزيادة الأصابع في الناس وكذلك زوائد الأسد.
قال لبيد:
أوذي زوائد لا يطاف بأرضه
والجفان فراخ النعام، وقوله داني الدماغ للآماق يريد أن رأسه منصوب إلى بين يديه فدماغه قريب من آماق عينيه وأراد أنه عاري الزوائد من الريش.
وقال امرؤ القيس:
كأني ورحلي والقرابُ ونمرقي على يرفئي ذي زوائدٍ، نقنقِ
اليرفئي الخائف الفزع.
وقال أبو النجم:
يحفرُ بالمنسمِ من فرقائهِ ومرةً بالحدِ من مجذائِه
[ ١ / ٣٣٩ ]
الفرقاء الفرق الذي في المنسم، ومجذاؤه منقاره وقيل ما يجذو عليه أي ينتصب.
وقال أوس بن حجر:
وينهي ذوي الأحلامِ عني حلومهم وأرفعُ صوتي للنعامِ المخزَّمِ
جعله مخزمًا للخرقين اللذين في عرض أنفه وهو في موضع الخزامة من البعير.
وقوله أرفع صوتي للنعام فخصه لنفاره وشروده وموقه وسوء فهمه فضربه مثلًا للجهال، يقول: الحكيم يكفينيه حلمه والجاهل أزجره أشد الزجر.
وقال سهم بن حنظلة يهجو بني عامر:
إذا ما لقيتُ بني عامرٍ رأيتُ جفاءً ونوكًا كبيرا
نعامٌ تمدُ بأعناقِها ويمنعُها نوكُها أن تطيرا
وقال بشر بن أبي خازم:
وأما بنو عامرٍ بالنسارِ فكانوا غداةً لقونا نعاما
نعامًا بخطمةِ سعرِ الخدوِ دلًا تطهُمُ الماءَ إلا صياما
شبههم بالنعام حين هربوا مسرعين.
ويقال في المثل: أشرد من نعام.
قال الشاعر:
[ ١ / ٣٤٠ ]
وهم تركوني أشرد من ظليم
ولخفة النعامة وسرعة طيرانها وهربها قالوا في المثل " شالت نعامتهم - وزف رألهم " إذا هلكوا وقوله " لا تطعم الماء إلا صيامًا " أي قيامًا.
وقال آخر يصف الخيل:
كأنهم برملِ الخلِ قصرًا نعام قلنَ في بلدٍ قفارِ
وقال زيد الخيل وذكر قومًا هاربين:
كأنهم بجنبِ القاعِ أصلًا نعام قالصٌ عنه الظلولُ
وقال علقمة بن عبدة:
فوهٌ كشدقِ العصا لأيًا تبيّنه أسكُ ما يسمع الأصواتَ مصلومَ
قوله كشق العصا يريد أنه لاصق ليس بمفتوح فلا يكاد يرى شقه كأنه صدع في قوس.
وقال النظار الفقعسي:
[ ١ / ٣٤١ ]
محدرجُ العينِ كأنّ خطْمه في الرأسِ صدعًا سية خفيّانِ
السية ما انحنى من القوس شبه فاه بصدع في سية، وقال ذو الرمة:
أشداقها كصدوع النبع في قلل
وقوله أسك ما يسمع الأصوات فيه قولان أحدهما أنه أراد بما معنى الذي أي أسك الذي يسمع الأصوات والذي يسمع الأصوات أذنه وكأنه قال أسك الأذن مصلوم، والآخر أنه يقال أن الظليم لا يسمع الأصوات ويكفيه الشم والاسترواح من السمع والمثل يضرب باسترواحه، قال:
أشم من هَيق وأهدي من جَمل
وقال الراجز:
وهو يشتم اشتمام الهَيق
وقال آخر:
وربدا يكفيها الشميمُ ومالَها سوى الربدِ من أنسٍ بتلك المجاهلِ
يقول لا تأنس بشيء من الوحش إلا بنعام مثلها.
وقال آخر:
وجاءَ كمثلِ الرأل يتبعُ أنفَه لعقبيْه من وقعِ الصخورِ قعاقعُ
وأحسب هذا البيت لبعض المحدثين، والرأل يشم ريح أبيه وأمه والسبع والإنسان من مكان بعيد، وأراد بقوله يتبع أنفه أنه يستروح الشيء فيتبع الرائحة كما قال الآخر في الذئب:
[ ١ / ٣٤٢ ]
خفي الشخص للريح تابع
ليس قول من قال أنها لا تسمع بشيء لأن الشعراء جميعًا على غير ذلك.
قال الحارث بن حلزة:
بزفوفٍ كأنّها هقلُة أمٍّ رئالٍ دويّة سقفاءُ
آنستُ نبأةً وأفزعَها القنّا صُ عصرًا وقد دنا الإمساءُ
النبأة الصوت، وقال علقمة:
تحفّه هقلةٌ سقفا خاذلةٌ تجيبه بزمارٍ فيه ترنيمُ
يوحي إليها بإنقاصٍ ونقنقةٍ كما تراطَنَ في أفدانِها الرومُ
وقال لبيد:
متى ما تشأ تسمعُ عرارًا بقفرةٍ يجيبُ زمارًا كاليراعِ المثقّبِ
وقال الطرماح:
يدعو العرارَ بها الزمار كأنّه ألِم يجاوبُه النساءُ العوّدُ
وقال طرفة:
أو خاضبٌ يرتعي بهِقْلتِه متى تَرُعْه الأصواتُ يهتجِسُ
وأما قول الهذلي - أسامة بن الحارث:
[ ١ / ٣٤٣ ]
لعمري لقد أمهلتُ في نهي خالدٍ إلى الشأمِ إما يعصينكَ خالدُ
وأمهلتُ في إخوانهِ فكأنما يسمع بالنهي النعامُ الشواردُ
فأراد أن الشوارد من النعام لا تعرج عليك ولا تقبل منك كما قال الله ﵎ " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين " فأراد كأنني أسمعت بإسماعي خالدًا نعامًا شاردًا لا يرعوي لقول، ونحو منه:
وأرفع صوتي للنعام المخزم
جعل النعامة مثلًا للجهال الذين لا يقبلون ولا يفهمون، يقول: من كان جاهلًا زجرته أشد الزجر، وقال أبو النجم وذكر ظليمًا:
إذا لوى الأخدع من صمعائه صاح به عشرون من رعائه
يريد إذا لوى عنقه يلتفت إلى الفارس صاح به عشرون من الجن وهم يزعمون أن النعام نعم الجن، يقول يلعي عنقه من موضع أذنه.
وقال:
ومَهْمَهَ مشتبهُ الأعلامُ تهابُه الجنُ على النعامِ
وقال:
يتبعنَ هيقًا غافلًا مضللًا قَعود جنٍ مستفزًا أغيلا
أغيل عظيم، يقال ساعد غيل إذا كان ممتلئًا، وهم يزعمون أيضًا أن الجن تمتطي الثعالب والظباء والقنافذ وتجتنب الأرانب لمكان الحيض ولذلك كانوا يعلقون كعب الأرنب، وأنشدني الرياشي:
[ ١ / ٣٤٤ ]
كراعي الخيال يستطيف بلا فَكر
وقال: راعي الخيال الرأل ينصب له الصائد خيالًا فيألفه فيأخذ الخيال فيتبعه الرأل، قال وأخبرني ابن سلام الجمحي عن يونس النحوي قال: يقال ليس لي في هذا الأمر فكر بمعنى تفكر.
وقال النظار الفقعسي:
أصكٌّ صعلٌ ذو جرانٍ شاخصٍ وهامةٍ فيه كجروِ الرمانِ
أصك يصطك عرقوباه، وصعل صغير الرأس، وجرو الرمان والحنظل والقثاء صغارها - يريد أنه صغير الرأس، وقال عنتر:
يتبعنَ قلةَ رأسِه فكأنه حرَجٌ على نعشٍ لهن مخيّمُ
قلة رأسه أعلاه، والحرج عيدان تشد بعضها إلى بعض يحمل فيها الموتى يقول هذا الظليم قد علاهن كأنه حرج على نعش.
تأوي له حِزَقُ النعامِ كما أوَتْ حزقٌ يمانيةٌ لأعجمٍ طِمطِمِ
تأوي له أي إليه جماعات النعام شبه جماعة النعام حول هذا الظليم بقوم من اليمن حول رجل من العجم يستمعون كلامه ولا يدرون ما يقول، ويروي قُلص النعام وهي شوابها، وقال الطرماح:
وقلاصًا لم يَغُذهنَ غبوقٌ دائماتُ النحيمِ والانقاضِ
القلاص إنات النعام الفتاء، والنحيم والانقاض أصواتها، وقال
[ ١ / ٣٤٥ ]
ذو الرمة:
شخت الجُزارةُ مثل البيتِ سائره من المسوحِ خدب شوقبُ خشبُ
كأن رجليه مسماكان من عشر صقبان لم يتقشر عنهما النجَبُ
شخت الجزارة يقول هو دقيق القوائم، وسائر خلقه كبيت مسوح، خدب ضخم، شوقب طويل، خشب جاف، مسماكان عودان، ضقبان طويلان، والنجب لحاء الشجر.
ألهاهُ آهٌ وتنّومُ وعقبته من لائحِ المروِ والمرعى له عُقَبُ
الآء والتنوم نبتان، يقول إذا رعاهما مرة رعى المرو مرة أخرى وهو الحصى الصغار، ولائحه الأبيض الذي يلوح والظليم يغتذي الصخر والحصى ويذيبه بحر قانصته حتى يجعله كالماء الجاري وهو يبتلع الجمر وأوزان الحديد وربما أحميت له فابتلعها.
وقال أبو النجم:
والمروُ يلقيه إلى أمعائه في سرطمٍ هادٍ على التوائهِ
يمرُ في الحلقِ على علبائهِ تعمَج الحيةُ في غشائهِ
السرطم الحلق يسرطم يبتلع، هاد لا يجوز على أنه ملتو في الخلقة، تعمج تلوي شبه التواء المرو إذا ابتلعه فمر في حلقه ملتويًا بالتواء الحية.
وقال الشماخ:
ودويةٌ قفزٌ تمشي نعامُها كمشي النصارى في خفافِ الارندجِ
[ ١ / ٣٤٦ ]
شبه سواد أرجل النعام بسواد خفاف الارندج في أرجل النصارى لأنهم كانوا يلبسونها والعرب كانت تلبس الأدم.
وإنما يقال للظليم خاظب إذا احمر وظيفاه وهما يبتدئان في الاحمرار عند دخول الصيف وابتداء الحمرة في البسر ثم لا يزالان يزدادان حمرة إلى أن ينتهي حمرة البسر.
وأما الخاضب من بقر الوحش فهو الذي يخضر أظلافه من وطء الرطب وإنما أراد أن النعام آمنة مطمئنة بهذه الأرض فهي تتبخر في مشيها، والأرندج جلود سود.
وقال أبو النجم:
خلُ الذنابي أجدفُ الجناحِ يمشينَ بالتلعِ وبالقِرواحِ
مشي النصارى بزقاقِ الراحِ
الخل القليل الريش، والأجدف القصير يقول النعام يمشين مشيًا بطيئًا لأنها آمنة ممتلئة من المرعى كمشي النصارى قد حملوا زقاق. خمر تحت آباطهم فهم يمشون في شق مشيًا بطيئًا.
وقال ذو الرمة:
حتى إذا الهَيقُ أمسي شام أفرخَه وهنٌ لا مؤيسٌ منه ولا كَثَبُ
أراد لا نظر مؤيس منه فلذلك لم يقل مؤيسات أي ليس الفراخ بعيدات منه فيؤيسه البعد من بلوغهن في يومه فيفتر ولا بالقريبات فيغتر ولكنها بين ذلك فهو أنجى له وأسرع.
وقوله يذكر الظليم:
[ ١ / ٣٤٧ ]
ويسطعُ أحيانًا فينتسبُ
أي يرفع رأسه فيتبين لك أنه ظليم، وقال يصف النعامة:
كأنها دلوُ بئرٍ جدّ ماتحها حتى إذا ما رآها خانَها الكربُ
الماتح الذي يستقي على البكرة، يقول حين ظهرت الدلو له فرآها انقطع الكرب وهو العقد على خشب الدلو فهوت في البئر فشبه سرعة النعامة بسرعة الدلو في تلك الحال.
وقال امرؤ القيس يذكرهما:
إذا راحَ للادحيّ أوبًا يفنها فترمدّ من إدراكهِ وتحيضُ
أوبًا مساء يقال أبت الحي أتيته مساء، قال الأخطل:
ولو يشاؤون آبوا الحيّ أو طرقوا
والطروق ليلًا، يفنها يطردها والفانّ الطارد، وترمد تسرع.
وقال الأعشى يذكرهما:
يتباريانْ ويَخشيانْ إضاعة ملثِ العشيّ وإن يغيبا يُفقدا
يتباريان في العدو ويخشيان إضاعة الفراخ، ملث العشي اختلاط الظلام، وإن يغيبا عن الفراخ تجد الفراخ فقدهما، وقال أبو النجم:
ورفَعَ الظليمُ من لوائهِ إشراف مُرديّ على صُرّائِه
لواؤه عنقه، شبهها بمردى قد أشرف على رأس الملاح يرفعه ويقذف به في الماء.
وضُم صُعدا جانبي خبائهِ ضمُّ فتي السوءِ على عطائهِ
[ ١ / ٣٤٨ ]
خباؤه جناحاه، صعدا ارتفعا إلى فوق وكذلك يفعل إذا عدا أي كما يضم على عطائه البخيل كي لا يراه أحد فيسأله.
وطَمَحتْ عيناه في قرعائِه ونَسْيَ ما يذكرُ من حيائهِ
قرعاؤه هامته لأنه لا ريش فيها، يقول سا ببصره أمامه ليعدو، ونسي ما يذكر من حيائه، هذا مثل لأن الرجل إذا استحيا طأطأ رأسه، يقول كان الظليم يرعى مطأطئًا رأسه كالمستحي فلما فزع رفع رأسه فكأنه رجل نسي حياءه، ويقال بل كان يحمي بيضه أو رئاله من السباع فلما رأى الطارد نسي حياءه يعني محاماته عن البيض فهرب.
هاوٍ تضلّ الطيرُ في خوائِه وجدّ يفري الجلدُ من أنسائهِ
هاو يهوي في الأرض، قال الأصمعي: أراد أنه من سرعته بين السماء والأرض والطير بينه وبين الأرض كأنها ضلت، ويروي تضل الريح، أي من سعة ما بينه وبين الأرض، والخواء ما بينه وبين الأرض، يُفرى يُقطع في فساد، والأنساء جمع نسا وهو عرق في الرجل، يقول كأن جلد رجليه قد انشق بالعدو.
وقال الكميت يصف النعام:
[ ١ / ٣٤٩ ]
فاستورأت بفريّ كاد يجعله طيرورة زفيان الحرجف الزجل
فاستورأت مرّت على نفار، والفري العدو الشديد، وزفيان صوت، والحرجف ريح ممتدة، والزجل المصوت ويقال زفيان من زفاه يزفيه أي استخفه وطرده، يقول كاد طرد الريح له أن يجعل عدوه طيرانًا والظليم يستقبل الريح إذا عدا وكلما اشتد عصوف الريح كان أشد لعدوه.
وقال أبو عبيدة: وإنما يستقبلها لأنه إن استدبرها أكبته فيضع عنقه على ظهره ثم يخرقها، قال غير أبي عبيدة: والثور أيضًا يستقبل الريح إذا عدا.
وقال عبدة بن الطبيب يصف الثور:
مستقبلُ الريحِ يهفو فهو مبتركٌ لسانُهُ عن شمالِ الشدقِ معدولُ
والثور إذا عدا أخرج لسانه من الشدق الأيمن وعدله إلى الأيسر. والذئب يستقبل الريح إذا عدا يشم أرواح جرائه وغيرها.
قال طفيل:
كسِيدِ الغضا الغادي أضلّ جراءه على شرفِ مستقبِلِ الريحِ يلحَبُ
وقال الأخطل يصف الظليم والنعامة:
تعاوَرَا الشدّ لما اشتدّ رفعهما وكان بينهما من غائطٍ وشعِ
[ ١ / ٣٥٠ ]
خمسًا وعشرين ثم استدرعتْ زغبًا كأنهنَ بأعلى لعلعٍ رِجَعِ
الوشع الطريقة من الغبار وهي الوشائع شبه طرائق الغبار إذا عدا بوشائع الثوب وهي الخيوط التي لحم بها السدى، وقوله خمسًا وعشرين يعني أنهما يختلفان إلى بيضهما خمسًا وعشرين ليلة، حتى استدرعت فراخها زغبًا أي تدرعت، رجع حواسر الإبل وصغارها.
وقال زهير وذكر نعامة:
تحنُّ إلى مثلِ الحمانينِ جُثّما لدى سكنٍ من قيضِها المتفلِّقُ
تحطّم عنها قيضها عن خراطِمٍ على حدقٍ كالنبحِ لم يتفتّقُ
الحمانين القردان واحدها حمنان شبه بها الفراخ، لدى سكن من قيضها أي عند الموضع الذي كانت تسكنه من البيض المتكسر، وشبه حدقها بالجدري الذي لم يتحفر، وقوله على حدق أي مع حدق.
وقال أبو النجم:
والبيضُ في نَؤي من انتئائه والأمُ لا تسأمُ من ثوائهِ
حتى يدبُّ الرألُ من خِرشائِه وباتَ مأوى الوَدِّ من بنائهِ
يقول جعل البيض في حظيرة كالنؤي لئلا يحتمله السيل، والأم لا تمل من حضنه وأراد من ثواء عليه، والخرشاء قشر البيضة
[ ١ / ٣٥١ ]
الرقيق، يقول بات قريبًا من أبويه كمكان الودّ من الخيمة.
وقال ذو الرمة يذكر الرئال:
أشداقُها كصدوعِ النبعِ في قُللٍ مثل الدحاريجِ لم ينبتْ بها الزغبُ
كأنّ أعناقَها كُرّاثٌ سائفةٌ طارتْ لفائفُه أو هيشر سُلُبُ
أراد أشداقها كشقوق في النبع، والأشداق في قلل أي في رؤوس، مثل الدحاريج والدحروجة ما دحرجته من شيء، وشبه أعناقها بلون الكراث وهو نبت ويقال شبهها به لرقتها، سائفة مسترقّ الرمل طارت لفائفه أي قشوره، وهيشر شجر، سلب سقط ورقه.
وقال الكميت لقضاعة:
كأمِ البيضِ تلحفُه غُدافًا وتفرشُه من الدمثِ المهيلِ
غداف ريش أسود طويل، والدمث أرض لينة.
لما قيِّض عن حَتَكٍ لصوقٍ بأزعرٍ تحت أهدبٍ كالخميلِ
قيض عن حتك تفلق، والحتك الفراخ واحدها حتكة، أزعر صغار الريش، وأهدب طواله، والخميل القطيفة، يعني الظليم.
كأنّ القيضَ رعَّثه بودعٍ مع التوشيحِ أو قطعِ الوذيلِ
رعثه يقول بقي قطعة من كسر البيض في موضع أذن الفرخ مثل القرط الرعثات القرطة، والوذيل الفضة.
أويْنَ إلى ملاطِفةٍ خضودٍ لمأكلهنِ صفطافَ الرُبولِ
[ ١ / ٣٥٢ ]
ملاطفة أم، خضود كسوب، لمأكلهن أي لأكلهن، والطفطاف ما تدلى منالجر، والربول شجر واحدها ربْلة وهي تنبت في الصيف في الرمل، يريد لهن ابقل.
تسبّع دونهنَّ لكلِ وحيٍ تعرض من أزلّ لها نسولِ
الوحي الصوت، والأزل الذئب، نسول في عدوه، يقول تحمي الفراخ.
فلما استرألتْ حسبتُ سواءً مفارقةَ الرعيلِ إلى الرعيلِ
فساقَطَها الفراقُ بكلِ غيبٍ خواذل بالمقدِّ وبالمُقيلِ
استرألت صارت رئالًا، والرعيل الجماعة، ساقطها الفراق يقول فارقت أبويها واستبدلت بهما نعامًا أخرى، والغيب المطمئن منالأرض، خواذل مفارقة، والمقد طريق يقد الأرض قدًا، حيث تقيل، شبه قضاعة في انتقالها إلى اليمن عن نزار بهذه الرئل وقال أيضًا في مثل هذا المعنى:
أولى وأولى له حسني وسيئة تَبالِيَ الهيقُ والمكلوءُ ذي الزغبِ
يقول أوليه حسني وأولاني سيئة كتبالي الهيق وفخه حين يحفظه ويكلؤه وتبالي تفاعل.
لما تفلَّق عنه قيضُ بيضَتُه آواهٍ في ضِبنٍ مضبوءٍ به نصبِ
يقول آواه أبوه في ضبنه، مضبوء لاطيء بالأرض.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وإن تعرضَ معتسُ الذئابِ له أوفى بأولقٍ ذي الزبّونةِ الحرِبِ
الأولق الجنون، والزبونة من زبنة أي دفعه، والحرب العالم بالحرب.
حتى إذا علمَ التدارجُ واتخذتْ رجلاهُ كالودعِ آثارًا على الكُثُبِ
وخالَهُ ضد من قدْ كان يكلؤه بالأمسِ إنّ الهوى داعٍ إلى الشجبِ
ظن أنه مثل أبيه وأنه سيقاوم الذئب إن لقيه، والشجب الهلاك.
ولي مباعدةٌ منه ومزريةٍ من غيرِ مُزري به والحينُ ذو سببِ
يريد أنه ترك أباه وانفرد. وقال - ذو الرمة:
وبيض رفعنا بالضحى عن مُتونها سماوة جونٍ كالخباءِ المقوضِ
هَجومٌ عليها نفسُه غيرَ أنه متى يُرمَ في عينيْه بالشخصِ ينهضِ
بيض يعني بيض نعام، وسماوة الشيء شخصه، والجون الظليم هاهنا، والمقوض المقلوع، شبه الظليم بالخباء المقلوع، هجوم عليها نفسه أي يرمي نفسه على البيض، متى يرم في عينيه بالشخص أي متى ير شخصًا يقم عن بيضه.
وقال ذو الرمة:
إذا هبّتِ الريحُ الصبا درجتْ به غرابيبُ من بيضِ هجائنٍ دردقِ
الصبا والجنوب تهبان في أيام يبس البقل وهو وقت ينقف فيه
[ ١ / ٣٥٤ ]
النعام بيضه، فيقول إذا كان هذا الوقت درجت بهذا الموضع رئلان سود، من هجائن أي بيض ابيض، دردق صغار وهو من صفة الرئلان لا واحد لها من لفظها، وقال الشماخ:
ووحشيةٌ بيضا قد صدَّتْ صاحبي ولادة صِعونَّينِ حمشٌ شواهُما
ولودين للبيضِ الهجانِ وحالكٌ من اللونِ غريبٌ بهيمٌ علاهُما
وحشية يعني بيضة نعام، والصعون الخفيف الرأس، حمش دقيق، شواهما أطرافهما، حالك أسود، يقول يلدان بيضًا أبيض وهما أسودان، وقال ذو الرمة:
وبيضًا لا تنحاشُ منا وأمُّها إذا ما رأتنا زيل منا زويلُها
نتوج ولم تقرفْ بما يمتنى له إذا أنتجتْ ماتتْ وعاش سليلُها
بيضاء يعني بيضة نعامة، لا تنحاش لا تفزع، وأمها يعني النعامة إذا ما رأتنا ذعرت وفزعت، يقال للرجل إذا رعب: زيل منه زويله وزيل بغير الغ لغة، نتوج حامل يعني البيضة، ولم تقرف لم تدان، لما يمتنى له أي للضراب الذي يمتنى له، والسليل الفرخ، وقال أيضًا:
وميّتةُ الأجلادِ يحيا جنينُها لأولِ حملٍ ثم يورثُها عُقرا
يعني البيضة إذا خرج الفرخ لم تحمل البيضة بعده حملًا، وقال الكميت وذكر النساء:
لهنَ وللمشببِ ومن علاه من الأمثالِ قائبةٌ وقوبُ
[ ١ / ٣٥٥ ]
قائبة قشر البيضة، والقوب الفرخ يقول ذو المشيب من النساء بمزلة الفرخ من البيضة إذا خرج منها وانكسرت فليس يرجع إليها أبدًا، وقال لقريش:
فقائبةٌ ما نحنُ غدوا وأنتم بني غالبٍ إن لم تفيؤوا وقوبُها
يقول إن لم ترجعوا عما أنتم عليه فارقناكم غدًا كفراق الفرخ بيضته إذا خرج منها لم يعد إليها، وقال ذو الرمة يذكر بيضًا:
ترائكٌ أيأسن العوائدُ بعد ما أهفن فطارُ الفرخِ بعد رُزامِ
ترائك فواسد قد تركت واحدتها تريكة، أيأسن العوائد يعني الأمهات من أن يعدن فيحضنّ البيض، بعد ما أهفن أي دخلن في الهيف وهي الريح الحارة، بعد رزام بعد أن لا تستطيع تنهض، يقول من هذا البيض ما فسد ومنه ما لم يفسد طارت فراخ بعد أن كان
[ ١ / ٣٥٦ ]
رازمًا، والرازم المهزول الذي لا ينهض من الإبل وغيرها، وسئلت ابنة الخس هل يلقح البازل؟ قالت نعم وهو رازم، أي وإن كان لا يقدر على النهوض.
وقال ابن أحمر:
وما بيضاتُ ذي لبدٍ هجفٍّ سقيْنَ بزاجلٍ حتى روَينا
هجف يعني ظليمًا جافيًا والزاجل مني الظليم من زجله يزجله.
يظلُّ يجفهنَ بقَفْقَفيْه ويلحفهُنَ هفافًا ثخينا
وهو ثخين أي بعضه فوق بعض.
وضعْنَ وكلهنَ على غرارٍ حصانُ الجيبِ قد وسقت جَنيْنا
وضعن يعني البيضات، وهن على غرار أي على مثال في الأقدار ويقال أيضًا أنها تضع بيضها طولًا ثلاثين بيضة أو نحوها كخيط ممدود ثم تعاقب بينها في الحضن فمن ذهب إلى هذا قال في قوله - وكلهن على غرار - أي على استواء في الطول ومثال واحد لا تخرج واحدة عن الأخرى كما قال الآخر:
على غرارٍ كامتدادِ المطمرِ
يعني بيض النعام والمطمر خيط البناء، وقوله حصان الجيب يعني البيض لم يقارفن سواء، وسقت جنينًا حملت جنينًا، والقول في البيض هو الأول أنهن على مقدار.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وقال ثعلبة بن صعير العدوي وذكر الظليم والنعامة:
فتذكرت ثَقَلًا رثيدًا بعدما ألقت ذُكاء يمينها في كافر
الثقل هاهنا البيض وجعل بيضها ثقلها ومتاعها والرثيد المطروح بعضه على بعض فقد رثدته، وذكاء الشمس وهي لا تنصرف، وكافر الليل لأنه يغطي كل شيء، وقوله ألقت يمينها هذا مثل أي صار أوائلها في الغور.
ومثله قول لبيد في الشمس:
حتى إذا ألقَتْ يدا في كافرٍ وأجنّ عوراتُ الثغورِ ظلامُها
وقال علقمة بن عبدة:
حتى تلافي وقرنُ الشمسِ مرتفعٌ أدحيّ عرسينِ فيه البيضُ مركومُ
فجعل البيض بعضه على بعض، وقال أبو النجم:
والبيض في نؤي من انتئائه
يقول حفر له حفيرة كالنؤي، وقال لبيد:
بكثيِّبٍ رابيةٍ قليلٍ وطؤُه يعتادُ بيتُ موضَّعٌ مركومُ
الموضع بيضه، وبيته الأدحى. وقال ابن أحمر وذكر امرأة:
كودعةِ الهجاجِ بوأها ببِراق عاذَ البَيْضُ أو ثجُر
[ ١ / ٣٥٨ ]
لهدجدج جرب مساعره قد عادها شهرًا إلى شهر
وديعته بيضته، والهجهاج الظليم وهو الجافي الفزع، وعاذ موضع منسوب إلى البيض كأن النعام تبيض فيه، وقال ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمينَ وقَدَحي بكَفي زندا شحاحا
كتاركةٍ بيضَها بالعراءِ وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
ويقال في المثل: أموق من نعامة، وذلك أنها ربما خرجت للطعم فرأت بيض نعامة أخرى قد خرجت لمثل ما خرجت له فتحضن بيضها وتدع بيض نفسها، ويقال: أخرق من حمامة، وذلك لأنها لا تجيد عمل العش وربما وقع البيض فانكسر، قال عبيد:
عيّوا بأمرِهم كما عيَّت ببيضتْها الحمامه
جعلتْ لها عودينِ من نشمٍ وآخرٍ من ثَمامه
النشم شجر يتخذ منه القسي صلب، والثمام نبت ضعيف، يقول قرنت هذا بهذا فسقط البيض فانكسر، ويقال أيضًا: أخرق من عقعق، لأنه وإن كان حذرًا فإنه من الطير الذي يضيع بيضه وفراخه، ويقال: أسرق من كِنش، وهو العقعق، وأنشد ابن الأعرابي:
هل تلحقني بالغادينَ دوسرة كأنها ذِعلبٌ بالطُفْي ملتحفُ
ألقي الثماني على أجسادٍ مطبَقةٍ بالدومنهنَ منتوجٌ ومكترفُ
الطفي خوص الدوم والثماني يريد الثماني ريشات ومن مقاديم
[ ١ / ٣٥٩ ]
جناحه، والمطبقة البيض أطبقت على ما فيها، والمكترف الذي مات في بيضه وأنتن.
وقال عدي يصف نباتًا:
لم تعبه إلا الأداحي فقد وب ر بعض الرئال في الأفلاق
وبر ازلغّب وهذا مستعار إنما التوبير في الإبل، يقول: هذا الموضع لا ترى فيه إلا أدحيا ونباتًا وزهرًا فهو أحسن ما يكون وأحفل، والأفلاق فلق البيض، وقوله لم تعبه مثل قول النابغة:
ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم بهنَ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
لأنه ما كان كذلك فهو مبرأ من العيوب، ونحو منه قوله يصف النساء:
كدمي العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنير
سئلت ابنة الخس أي شيء أحسن منظرًا؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر.
وقال الأخطل وذكر الثور:
وزمَّتِ الريحُ بالبُهمي جحافِلُهُ واجتمعَ القيضُ من نَعمانِ والخَضرِ
زمت الريح الجحافل بالسفا وهو شوك البهمي وهذا حين يهيج النبت واجتمع القيض والخضر، القيض قشور البيض والخضر النبت الأخضر، يريد أنهما ذهبا جميعًا وجف النبت فكأنهما لما فارقا هذا الموضع اجتمعا ولم يرد أنهما اجتمعا في موضع.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقال امرؤ القيس:
وتحسبُ سلمى لا تزالُ ترى طلي من الوحشِ أو بيضًا بميثاءِ مِحلالِ
يقول تحسب سلمى لا تزال في هذا الموضع وهو مبدأها في الربيع، قال وإنما يرى البيض والطلي في الربيع فإذا جاء الصيف تفرقوا.
وقال يصف امرأة:
كبِكرِ المقاناةِ البيّاضِ بصفرةٍ غذَّاها نميّرِ الماءِ غير محللِ
ويروي: كبكر مقاناة البياض بصفرة، يعني البيضة قونيت بياضًا بصفرة أي خالط بياضها صفرة وكذلك بيضة النعامة، يقال ما يقانيني هذا الأمر أي ما يوافقني، وهو مثل قول ذي الرمة:
كحلاء في برج صفراء في نعج كأنها فضة قد مسها ذهب
يقول ليست بيضاء مهقاء والأمق الذي لونه لون الجص، ونمير الماء النامي في الجسد وإن كان غير عذب، غير محلل يقول لم يحله الناس فيغيروه ويثوّروه، يصف حسن غذاء المرأة، وقال طفيل يذكر إبلًا:
عوازبٌ لم تسمَعْ نبوحَ مقامةٍ ولم ترَ نارًا تمّ حول مجرَّمِ
سوى نارِ بيضٍ أو غزالٍ بقفرةٍ أغن من الخنس المناخر توأمِ
عوازب تبيت القفر لا تروح إلى أهلها، والنبوح جلبة الحي وأصواتهم، تم تمام، مجرم مقطوع ماض، أي هي في القفر لا ترى نارًا ولا تسمع جلبة سوى نار بيض نعام توقد له وغزال يصاد،
[ ١ / ٣٦١ ]
والنار توقد للظباء لتعشى إذا أدامت النظر إليها فتصاد وللرئال ويطلب بها بيض النعام في أداحيها، وقال الطرماح وذكر مكانًا:
كم به من مَكْنِ وحشيةٍ قِيضَ في منتثَلِ أو شيامِ
المكن البيض وهو للضباب واستعاره، وحشية نعامة، قيض السهلة، والمنتثل الذي أخرج ترابه لأنه حفر قبل ذلك، والشيام الأرض السهلة، ويروي: من مكو وحشية والمكو الجحر وجمعه مِكاء مثل دلو ودلاء ومن قال مَكا قال أمكاء مثل قفا وأقفاء، أنشد أبو زيد:
أما تعرف الأطلال قد طال طيلها بحيث التقت رمُد الجِناب وعينِها
يقال قد طال طيلك وطيَلك، والعِين البقر، والرُمد النعام.
وقال أوس يصف ظليمًا:
يدُّفُ فويقَ الأرضِ فوتًا كأنه بإعجالِه الطرفُ الحديد معلقُ
يقول كأنه من سرعته معلق بين السماء والأرض، وقوله فوتًا أي قدر ما يفوته بإعجاله الطرف يقول يسبق طرف العين.
وقال آخر:
ومجوَفاتٌ قد علا ألوانَها أسآرُ جردِ مترصاتٍ كالنوا
مجوفات يعني نعامًا والمجوف من الخيل الذي ارتفع بياض بلقه إلى
[ ١ / ٣٦٢ ]
بطنه فجعل النعام هكذا، وقد علا ألوانها أي قد علا التجويف ألوانها، أسآر خيل قد طردت نعامًا فبقيت منها هذه النعام والخيل أسأرت هذه أي أبقتها، والمترص المحكم يعني الخيل، كالنوى في الضمر.
وقال آخر:
وانتصف النهارُ والنعامُ والمهرُ مزدمٌّ له قتامُ
هذا رجل طرد نعامًا على فرس فصرع نصفها إلى وقت انتصاف النهار، مزدم رافع رأسه يقال جاءنا زامًّا بأنفه.
وقال ابن مقبل ووصف نبتًا:
فيه من الأخرجِ المرياعِ قرقرةٌ هدرُ الديافيّ وسط الهجمةِ البُحُرِ
الأخرج الظليم فيه بياض وسواد، والمرياع الراجع إلى مكانه، ويروي: المرتاع، وهو الفزع، والبحر الغزار أخذ من البحر، وقال أبو النجم وذكر ظليمًا:
قلتُ لشيبانٍ ادْنُ من لقائهِ كما نغدِّي القوم من شوائه
شيبان ابنه قلت له: اركب في طلبه، كما بمعنى كيما يقول كيما نصيده فنغدي القوم به مشويًا، وقال الأخطل:
وداويةُ قفرٍ كأنّ نعامَها بإرجائِها القصوى رواجنٌ هُمّلُ
الرواجن إبل قد رجنت وأكلت علف الأمصار، قال وهذه إبل قد جربت فقد طليت بالقطران فكأنها نعام.
وقال مالك بن خالد الهذلي:
[ ١ / ٣٦٣ ]
والله ما هقلةُ حصاءٍ عنّ لها جونُ السراةِ هزفٌّ لحمه زيمُ
هقلة نعامة، حصاء قد تحاصّ عنها الريش وذلك من كبرها وهو أشد لعدوها.
وقال آخر - وهو المتنخل الهذلي:
كانوا نعائمَ حفّان منفرة مُعْط الحلوقِ إذا ما أدركوا طَفَحوا
لحمه زيم أي قطع على رؤوس العظام ليس بمذموم.
كانت بأوديةٍ محل فجادَها من الربيعِ نجاء بينها ديمُ
فهي شنونٌ قد ابتلتْ مساربُها غير السَحوفِ ولكن عظمَها زِهمُ
ابتلت مساربها يريد مجاري اللحم منها وأصل المسارب مجاري الماء إلى الروض، والشنون بين السمين والمهزول، يقول هي شنون غير سحوف وهو أجود لشدها وأقوى لها والسحوف التي تسحف عن ظهرها الشحم ثم قال لكن عظمها زهم أي فيه مخ والزهم الشحم وهذا خلاف قول الآخر:
زمخري السواعد
وقول زهير:
جؤجؤه هواء
تم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
[ ١ / ٣٦٤ ]