قال امرؤ القيس:
مرسعةٌ وسطَ أرباعِهِ به عسَمٌ يبتغي أرنبا
ليجعلَ في كفِه كعبَها حِذارِ المنية أن يعطّبا
كانت العرب في الجاهلية تقول من علّق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ولا نفس ولا سحر وكانت عليه واقية من الجن لأن الجن تهرب منها للحيض ولا تمتطيها، وقال عروة بن الورد:
[ ١ / ٢٦٧ ]
وكانوا إذا دخل أحدهم قرية خاف منالجن أهلها أو من وباء الحاضرة أشد الخوف إلا أن يقف على باب القرية فيعشر كما يعشّر الحمار في نهيقه ويعلق عليه كعب أرنب، وقال آخر:
ولا ينفعُ التعشيرُ في بابِ قريةٍ ولا دعدعٌ يغني ولا كعبُ أرنبِ
دعدع كلمة تقال عند العِثار، وقالت امرأة يهودية:
وليس لوالدةٍ نفثها ولا قولها لابنها دعدعِ
فربكَ يحدث أحواله وربكَ أعلمُ بالمَصرعِ
وقال آخر:
هل ينفعنَكَ اليوم إن همَّتْ بهم كثرةٌ ما توصى وتَعقاد الرَتَمِ
الرتم شجر وكان الرجل إذا خرج في سفر عمد إلى هذا الشجر فعقد بعض أغصانه ببعض فإذا رجع من سفره وأصابه على تلك الحال قال لم تخني امرأتي وإن أصابه قد انحلّ قال خانتني، وأنشد:
إلى سنا نار وقودها الرتم
وهذا من فعلهم كالزجر، وقال آخر:
يزيلُ على غِرّاتِ أشوسٍ يتَّقى يرى الطيرَ لو يحزو له الطيرَ عائف
[ ١ / ٢٦٨ ]
يقول يرى الطير تجري له بما بيني وبينها لو يجزو له الطير عائف من نفسه لعرف ذاك، ويحزو يزجر هو الحازي، والعائف، وكان أصل التطير في الطير وكذلك الزجر بأصواتها وعددها والتفلّي والتنتف ثم صاروا إذا عاينوا الأعور والأعضب والأبتر زجروا، وزجروا بالسنوح والبروح، وقال رؤبة:
يشقى بيَ الغيران حتى أحسبا سيدًا مغيرًا أو لَياحًا مُغرَبا
يقول يخافني الغيران على حرمته كما يُخاف الذئب على الغنم، واللياح الثور الأبيض، وكانوا يتشاءمون بالمغرب الذي تبيض أشفاره، يقول لا يقدر على النظر إليّ، وقال أيضًا:
قد علمَ المرْهِيئون الحمقا ومن تحزَّى عاطسًا وطَرقا
أن لا نُبالي إذ بدرْنا الشرقا أيومَ نحسٍ أم يكونُ طَلقا
المرهيئون المهيئون يقال جاء بشهادة مُرَهْيَأة، والتحزي التكهن، وكان يتطيرون بالعطاس والطَرق، والطرق طرق الحصى والتخطيط بالأصابع، يقول إذا غدونا غدوة فبدرنا الشرق لم نتطير، والطلق السهل، ومنه يقال طلق اليدين.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وقال الهذلي - ربيعة بن الجحدر:
وخَرقٌ إذا وجّهتَ فيه لغزوةٍ مضيتُ ولم تحسبكَ عنه الكَوادسُ
الكوادس العواطس، يقال كدس إذا عطَس.
وقال امرؤ القيس:
وقد اغتدى قبل العطاس بهيكل
أي قبل أن ينتبه إنسان فيعطس فأتطير منه، وقال الكميت وذكر الصائد والثور:
فتماري بنبأةٍ من خفي بين حِقفيْنِ كلّفته البكورا
عطسةُ العائفِ الذي بمناهٍ حِسبَ الفألِ فألُها المزجورا
النبأة الصوت الخفي، والخفي الصائد، والحقف ما اعوج من الرمل، والعطسة كلفت الصائد زجر الفأل على مناه فقال: لأصيبن خيرًا اليوم فبكّر.
وقال العجاج:
قالت سليمى لي مع الضوارسِ يا أيها الراجمُ رجم الحادِسِ
بالنفس بين اللُجَم العواطسِ
[ ١ / ٢٧٠ ]
هذا مثل، كانوا يتطيرون من العطاس فإذا عطس العاطس قالوا قد ألجمه، كأن العطسة تلجمه عن حاجته.
وقال ابن الأعرابي، يقال عطست فلانًا اللجم، أي أصابه الهلاك الذي تُطيِّر له به فمات، قال واللجم دوبية صغيرة.
وقال رؤبة:
ولا أبالي اللَجم العَطوسا
وقال آخر:
إنا أناسٌ لا تزال جزورُنا لها لجم عند المباءةِ عاطسُ
يريد أنا ننحرها فكأن اللجم عطس لها فأسابها الهلاك.
وقال طرفة:
لعمري لقد مرَتْ عواطسٌ جمّةٌ ومر قُبيل الصبحِ ظبيٌ مصمَّعُ
عواطس أشياء عطست يتشاءم بها، والظبي أيضًا يتشاءم به، مصمع صمعت أذنه أي صغرت والأذن الصمعاء الصغيرة، ويروي مصمع أي ذاهب مسرع، يقال صمّع إذا عدا.
وعجزًا دفَّت بالجناحِ كأنها مع الفجرِ شيخٌ في بجادٍ مقنَّعُ
[ ١ / ٢٧١ ]
عقاب جعلها عجزاء لبياض عجزها، دفت ضربت بجناحها، يجاد كساء والعقاب يتشاءم بها أيضًا.
فلن تمنعي رزقًا لعبدٍ يصيبُه ولن تدفعي بؤسي وما يتوقَّعُ
وقال ذو الرمة:
جرى أدعَجُ الروقيْنِ والعين واصح ال قرى الخديْنِ بالبيْنِ بارحُ
بتفريقِ طيّاتِ تُياسِرْنَ قلبُه وشق العصا من عاجلِ البيْنِ قادحُ
يعني ثورًا جرى بالفراق وهم يتشاءمون به، أدعج الروق أسوده، واضح القرى أبيضه، والسُفعة في الخد كل لون يخالف سائر لونه، تياسرن قلبه اقتسمن قلبه من الميسر والميسر الجزور نفسه، والقادح أكل يقع في العصا، بارح جرى من يساره وكانوا يتشاءمون بالبارح، وقال الرياشي الشعراء المتقدمون كانوا يتشاءمون بالسانح، وأنشد ابن قميئة:
وأشأم طير الزاجرين سنيحها
وهذيل تتشاءم بالسانح، قال أبو ذؤيب:
أرِبتُ لإربته فانطلقْتُ أزجي لحبِ الإيابِ السنيحا
قوله أربت لإربته أي كانت لي حاجة في حاجته فمضيت معه،
[ ١ / ٢٧٢ ]
أزجي أدفع عني الطير، يقول مضيت معه لا أتطير من السنيح فذاك إزجاؤه، يقول كنت ذا إربة في الغزو كإربة صاحبي والإربة الحاجة، فذكرت له بيت أبي داود يصف الحمار والأتان:
قلتُ لما نَصلا من قنةٍ كذبَ العيرُ وإن كان برَحَ
وقلت إنهم كانوا يفسرونه بأن الحمار جرى بارحًا بحرمان الصيد فقال أبو داود كذب فيما صنع يعني من البروح ولكني سأصيده، فقال بل أراد أن العير جرى لنفسه بارحًا كأنه تيمن بالبروح ورجا السلامة وكذب فيما قدّر لأني سأصيده، وقال زهير وذكر الظباء:
جرت سُنحًا فقلتُ لها: أُجيزي نوى مشمولة فمتى اللقاءُ
أجيزي أي مرّي يقال جاز وأجاز إذا ذهب، نوى مشمولة أي ليست على القصد كأنه أخذ بها نحو الشمال، ويقال في مشمولة إنها من الريح الشمال والعرب تتشاءم بها لأنها تفرق السحاب، والقول هو الأول ألا ترى الهذلي يقول:
زجرتُ لها طيرَ الشمالِ فإن يكنْ هواكَ الذي تهوي يصيبكَ اجتنابُها
وقال كثير:
أقولُ إذا ما الطيرُ مرّت مُخيفةً سوانحُها تجري وما أستثيرُها
فدتكَ ابن ليلى ناقتي حدث الردي وراكبها إن كان كون وكُورها
[ ١ / ٢٧٣ ]
مخيفة ومخيلة أي موهمة، يقول لا أزجرها لآثيرها ثقة بك وعلمًا بأنك لا تأتي ما أكره وإن جرت السوانح به، وقال الكميت يصف قومه:
وفي نهاوند قد حلوا بمغتفِر زجر البوارح بالإيمان والنُعب
بمغتفر كأنهم غفروا زجر الظباء والغربان أي لم يعملوا به وأبطلوه ومضوا على الإيمان والتوكل، يريد أنهم مؤمنون لا يتطيرون.
وقال كثير وذكر خطة:
غموم لطير الزاجريها أريبة إذا حاولت ضر الذي الضغن ضَرّت
غموم أي غامرة للزجر تشكل عليهم ولا يقدر زجر الطير.
وقال ابن أحمر:
ألا قلّ خير الدهر كيف تغيرا فأصبح يرمي الناس عن قرن أعفَرَا
يقول كأنما يرميهم عن قرن غزال والغزال يتشاءم به.
وقال أيضًا:
زجرت لها طيرًا فيزجر صاحبي وأقول هذا أزائد لم يحمَد
[ ١ / ٢٧٤ ]
لم يحمد لم يأت موضعًا محمودًا.
آخر:
قامتْ تباكي لأن مرّتْ بنا أصُلًا بجانبِ الدَوّ أسرابٌ من العينِ
قالت أبو مالكٍ أمسي ببلقعةٍ تسفي الرياحُ عليه غير مدفونِ
فبيَّنتُ صدقَ ما قالت وما نطقتْ وصاحبُ الدهرِ في خفضٍ وفي لينِ
هذه امرأة مرت بها ظباء فتشاءمت بها فقالت لعل أبا مالك أمسى في هذه الحال، ثم جاءها الخبر عنه بنحو مما خافت فقال فبينت صدق ما قالت، وصاحب الدهر في خفض في اتضاع مرة وفي لين أي في خير مرة أخرى.
وقال الفرزدق لناقته:
إذا قطنا بلغتِنيه ابن مدركٍ فلاقيتِ من طيرِ الأشائمِ أخيَلا
الأخيل الشِقِرّاق وهو يتشاءم به ويقال بعير مخيول إذا وقع الأخيل على عجزه فقطعه.
وقال هو أو جرير:
[ ١ / ٢٧٥ ]
ويقطع أضعاف المتون أخايله
أراد - إذا - أنتِ بلغتني هذا الممدوح لم أُبَل بهلكك كما قال ذو الرمة:
إذا ابنَ أبي موسى بِلالا بلغتِه فقامَ بفاسٍ بين وِصليكَ جازِرُ
وكما قال الشماخ:
إذا بلغتِني وحملت رحلي عرابةَ فاشرَقي بدمِ الوتينِ
وقال كعب بن زهير:
فما نلتني غدرًا ولكن صبحتنا غداةَ التقيْنا في المضيقِ بأخيلِ
أي لقيتنا بشؤم كالأخيل، وقال الأعشى:
انظر إلى كفٍّ وأسرارَها هل أنتَ إن أوعدتني ضائري
الأسرار خطوط الكف وكانوا ينظرون إليها فيستدلون بها وقال الكميت:
وانظُر إلى أسراِ ك فٍ أجمٍ مقلومِ الأظافرِ
الأجم الذي لا سلاح معه، وكذلك المقلوم الأظافر وإنما يريد نفسه أي انظر إلى أسرار كفك فإنه أجم مقلوم الأظافر
[ ١ / ٢٧٦ ]
فهل تقدر لي على ضر.
وقال جرير:
وما كانَ ذو شَغبٍ يمارسُ عيضا فينظُر في كفَّيْه إلا تندُّما
العيض الغيضة، شبه حسبهم به فينظر في كفيه يقول إذا تعيّف فنظر في كفيه علم أنه لاق شرًا.