قال امرؤ القيس:
ويخطو على صُمٍ صلابٍ كأنها حجارةُ غَيلٍ وارساتٌ بطُحلُبِ
الغيل الماء الجاري على وجه الأرض، وارسات داخلات في الطحلب وإذا كان الطحلب على حجارة صلبت، ويقال وارسات أي صفر والحجارة تصفر إذا كان عليها الطحلب ولم يرد أن الحافر أصفر، وإنما أراد أن الحجر مصفر من الطحلب صلب، والنّقد في الحافر عيب وذلك أن تراه مثل المتقشر، وقال الجعدي في مثله:
كأن حوامِيَه مدبرًا خضبنَ وإن كان لم يخضبِ
حجارةُ غيلٍ برضراضةٍ كُسين طلاءً من الطحلبِ
الحوامي جوانب الحوافر، يقول هي سود كأنها خضبت، والرضراضة حجارة ترصف بعضها إلى بعض وإذا أصابها الماء وركبها الطحلب كان أصلب لها وأشد، وقال ساعدة بن جؤية:
[ ١ / ١٦٦ ]
وحوافرٌ تقعُ البراح كأنما ألف الزماعُ بها سلام صُلّب
البراح ما استوى من الأرض، تقع تضرب، ومنه يقال وقعت السكين إذا ضربتها بالمطرقة، والزماع أصله في الظلف في مؤخر الحافر وهي الزوائد كأنها الزيتون، أراد كأن ذلك الموضع حجارة صلب وواحد السلام سلمة، وقال النابغة:
بَرى وقع الصوّانُ حدّ نسورِها فهنَّ لطافٌ كالصعادِ الذوابلِ
الصوان الصلابة في الأرض واليبس، يقال وَقِعت الدابة توقِع وقعًا إذا أصابها وجع في الحافر ولا يكون ذلك إلا من وطئها في الغلظ فالغلظ هو أوقعها، وبرى نسورها والنسور ما ارتفع من باطن الحافر كأنه النوى أو الحصى، وقال علقمة بن عبدة:
سُلاّءةٌ كعصا النهدي غل لها منظمٌ من نوى قُرّان معجومِ
ويروى: ذو فيئة من نوى قرّان، سلاءة يقول هذه الفرس دقيقة المقدم كسلاءة النخل غليظة المؤخر، ومثله قول امرئ القيس:
إذا أقبلت قلت دُبّاءة
شبهها بقرعة في دقة مقدمها وغلظ مؤخرها ويستحب ذلك في الإناث من الخيل، وعصا النهدي أراد النبع والنبع نبت ببلاد نهد، وقيل أيضًا: شبهها بالسلاءة في صلابتها وضمرها، وقال آخر نهد
[ ١ / ١٦٧ ]
ينزلون الجبل فشجرهم أصلب من شجر غيرهم، غل لها أدخل لها، ذو فيئة أي ذو رجوع، وذلك أن الإبل تطعم النوى فإذا هي بعرت غسلوا البعر فإذا أصابوا نوى صحاحًا أطعمته الإبل ثانية وهو أصلب النوى أراد بذلك أن نسورها كنوى القسب من صلابته، معجوم يعني النوى أنه مما أكل ولم يطبخ وإذا طبخ كان أضعف له والمأكول أصلب، وقال أبو داود:
ترى بين حواميْه نسورًا كنوى القسبِ
وقال آخر:
مُفِّج الحَوامي عن نسورٍ كأنها نوى القسبِ تَرت عن جريمٍ مُلجلَجِ
مفج واسع يقال أفج أي اتسع، والجريم النوى، ترت ندرت شبهها بنوى ندر عن المرضحة ويقال الجريم هاهنا التمر المصروم والجرام الصرام، والملجلج تمر لجلج في الفم، وقال أبو النجم:
سُمُرُ الحوامى وأبةُ الآثارِ كالأقعُبِ البيضِ من النُضارِ
ركِبنَ في كاسيةٍ عوارى يهمشنَ جوزَ القَلّعِ الصّرارِ
الحافر يوصف بالسمرة والخضرة والورقة وإذا كان كذلك كان أصلب له، وأبة الآثار أي مقعبة الآثار
[ ١ / ١٦٨ ]
فهو أحمد لها، وقوله: من النضار، وإنما أراد صفاء الحوافر ولم يرد البياض، والصفاء فيها أحمد من أن تكون كمدة متقشرة، كاسية قوائم كسيت بالجلد والعصب وهي عوار من اللحم، والقلع الصخر الأسود يصرّ لصلابته إذا وطئته الحوافر ولا يتكسر، يقول فحوافر هذه تكسره، وقال عوف بن عطية بن الخرع:
لها حافرٌ مثلُ قعبِ الوليدِ يتخذُ الفأرَ فيه مَغارا
يتخذ الفأر مغارا في الحافر، شبهه في تقعيبه بالقعب يريد لو كان الفأر يتخذ فيه مغارًا لكان له فيه مغار، ومثله جاءنا بجفنة يقعد فيها ثلاثة أي لو قعد فيها ثلاثة لوسعتهم، ويقال بل أراد يتخذ الفأر مغارًا في القعب لأن القعب للوليد لا يزال يكون فيه الشيء من الطعام يعلل به الوليد فالفأر يدخله.
وقال آخر - وهو أبو النجم:
بكلِ وأبٍ للحصى رَضّاحٍ ليس بمصطرٍ ولا فرشاحِ
ضافي الحوامي مكرَب وَقاح
أي مقعب، مصطر ضيق، فرشاح منبسط، مكرب شديد.
وقال طرفة:
تتقى الأرضُ بُرح وُقُح ورُق تقعر أنباكَ الأكم
[ ١ / ١٦٩ ]
الرح جمع أرح وهو الحافر الكثير الأخذ من الأرض الواسع وهو ضد المصطر والوقُح الصلاب، ورق في لونها.
وقال أبو داود:
سلطاتِ رُكّبنَ في عجِراتٍ مكرِباتٍ لم يخفها التقليمُ
ونسورٌ كأنهن أواقٌ من حديدٍ يشقى بهن الرضيمُ
سلطات طوال، أراد القوائم، عجرات حوافر غليظة فهو من المعجور الذي فيه كالعقد، والأواقي مكاييل الزيت، والرضيم الحجارة المرضومة.
وقال دكين:
يُبثنَ نبثًا كالجراء الأطفالِ بسلطاتٍ كمساحى العُمّالِ
أي يقلعن من الطين بحوافرهن مثل الجراء من شدة عدوهن، سلطات حوافر طوال.
وقال سلمة بن الخرشب:
ومختاضٌ تبيضُ الرُبدُ فيه تُحومي نبته فهو العميمُ
غدوتُ به تدافعني سبوحٌ فَراشُ نسورِها عجمٌ جريمُ
مختاض بلد يخاض خوضًا كأنه بحر أو ليل من كثرة نبته وخضرته، والفراش كل عظم رقيق، وكل رقيق من حديدة أو عظم يتقشر فهو فراشة، أراد أن ما يتقشر من نسورها مثل العجم وهو النوى، جريم مصروم، وجعله مصرومًا لأنه قد بلغ واشتد نواه.
[ ١ / ١٧٠ ]