يُذَدن ذيادَ الخامساتِ وقد بدا ثَرى الماءِ من أَعطافِها المُتحلبِ
وإنما أراد الأول صفاء شعره وقصره، يقول إذا عرق فكأن عليه مسائح فضة.
[ ١ / ٧ ]
العرق
قال زهير:
يَعودُها الطرادُ وكل يومٍ تُسَنَّ على سنابِكِها القرونُ
القرون العرق الواحد قرن يريد مرة بعد مرة، وأصل القرن الطلق يقال عصرنا الفرس قرنًا أو قرنين يريد العرق الذي يكون في ذلك الطلق، وإذا لم يعرق الفرس فهو صلود وذلك مذموم. والهِضَبْ الكثير العرق. ومنه قول طرفة:
وهِضَبَات إذا ابتلّ العذر
وقال خفاف بن عمير السلمي:
من المغضباتِ بفضِ القرونِ إذا رُدَّ منها حميمٌ غرارا
وقال المستوغر القريعي:
يِنشّ الماءُ في الربَلاتِ منها نَشيشَ الرّضفِ في اللبنِ الوغيرِ
[ ١ / ٨ ]
الربلات أصول الفخذين والرضف الحجارة المحماة والوغير اللبن ساعة يحلب فسمى المستوغر بهذا البيت.
قال ابن ميادة:
هم الضاربونَ الخيلِ حتى إذا بَدَتْ نواجِذُها واستغضبتْها جلودها
بدت نواجذها، يريد كلحت في الحرب، ولهذا قيل لها عوابس ولا يقال عوابس إلا في الحرب.
وقال لبيد:
ومقطِعٌ حلقُ الرحالةِ سابحٌ بادٍ نواجذه على الإطرابِ
وأنشد:
إذا العوالي أخرَجَتْ أقصى الفمِ
وقوله واستغضبتها جلودها، أي عرقت فأغضبتها. ويقال في قوله باد نواجذه على الإطراب، وبدت نواجذها، النواجذ آخر الأضراس أي أنها تنازع فتكبح اللجام وتكف فتفتح أفواهها وتبدو
[ ١ / ٩ ]
نواجذها، ولذلك قال بادٍ نواجذه على الإطراب، أراد أنه ينازعه على الطرب لنشاطه ومرحه فيكبحه فينفتح فوه وتبدو نواجذه.
وقال أبو النجم:
والحُصنُ شُوسُ الطرفِ كالأجادلِ تَردى معًا شاحيةَ الجَحافلِ
أي مفتوحة الأفواه، يقال شحافاه إذا فتحه وليس ذلك بمحمود إذا كان من عادتها، إنما يريد أنها تنازع فتكبح باللجم فتنفتح أفواهها.
وقال بشر بن أبي خازم:
تَراها من يَبيسِ الماءِ شهبًا مخالطَ درةٍ منها غرار
قال ابن الأعرابي: يقول لا ينقطع عرقها ولا يكثر فيضعفها، والدرة أن تدر، والغرار القلة، ويقال غارت الناقة إذا قل لبنها بعد مجيئه.
وقال غيره - أراد سيرها إذ تنفتق من عزة نفسها ونشاطها ثم ترجع إلى الذي كانت عليه من سيرتها، وعرق الخيل إذا يبس ابيض وعرق الإبل إذا يبس اصفر.
وقال طفيل الغنوي يذكر خيلًا:
كأن يبيسَ الماءِ فوق متونِها أشاريرُ ملحٍ في مَباءةِ مُجرِبِ
يبيس الماء العرق الجاف شبهه بالملح، والأشارير لحم يشر كما يشر الإقط واحدها إشرارة.
[ ١ / ١٠ ]
والمجرب الذي قد جربت إبله وهو يجمع الملح ليداويها به.
وقال طفيل:
كأن على أعطافِهِ ثوبٌ مائحٌ وإن يُلق كلب بين لحييه يذهبُ
المائح الذي يدخل البئر فيملأ الدلو فيسيل الماء على ثيابه فيبتل، أراد أنه قد عرق فكأن عليه ثوب مائح.
وقوله - وإن يلق كلب بين لحييه يذهب، لسعة شدقه.
وقال خداش بن زهير يصف خيلًا:
وقد سالَ المسيحُ على كُلاها يخالفُ دُرةً منها غرارا
المسيح العرق، وأراد بكلاها بطونها والدرة أن يسيل، والغرار أن يقل، يريد أنها تعرق تارة وتجف تارة وهذا مما يحمد لأنه لو دام عرقها لأضعفها. وقال أبو ذؤيب:
تأبى بدّرَتِها إذا ما استُغضِبت إلا الحميم فإنه يتبصعُ
ويروي يتبصع أي تأبى بدرة العدو إذا حركت بساق أو ضربت بسوط تنزو وتمرح ولا تعدو إلا الحميم، وهو العرق فإنه ينفجر، وقال الأصمعي قد أساء الوصف لأنه يستحب من الفرس أن لا يعجل عرقه ولا يبطئ، وقال ابن أحمر وذكر فرسًا:
هَمِع إذا رشح العذار بِلِيته وكَفت خصائله وكيف الغرقد همع
[ ١ / ١١ ]
سائل بالعرق خصائله عضَلاته وأول ما يرشح موضع العذار والغرقد يسرع القطر - وقال الجعدي وذكر فرسًا:
فعرفَّنا هِزةً تأخذه فقرناه برضراضٍ رِفلِّ
فظننا أنه غالبه فزجرناه بيهياهِ وهلِ
كَلِبا من حسِ ما قد مسّه وأفانينُ فؤادٍ محتملِ
ويروي: " من حس ماء مسه " هزة نشاط، رضراض بعير كثير اللحم، رفلّ سابغ الذنب، يقول ظننا أن الفرس يستخف البعير ويغلبه حين قرن به فزجرناه لئلا يمرح. قوله كَلِبا من حسِ ما قد مسّه - أي لما وجد مس العرق أخذه شبيه بالجنون من شهوة العدو، وأفانين ضروب، ومحتمل مستخف يقال جاء فلان محتملًا إذا جاء غضبان مستخفًا.
وقال امرؤ القيس يصف فرسًا:
فعادى عَداءً بين ثورٍ ونعجةٍ دراكًا ولم ينضح بماءٍ فيُغسَلُ
هكذا أنشدنيه السجستاني عن الأصمعي ينضح، والناس يغلطون فيروونه يُنضَح وإنما هو مثل قول النابغة يصف خيلًا:
يَنِضحنَ نَضْحَ المزادِ الوُفرِ أتْأَقَها شَدّ الرواةُ بماءٍ غيرِ مشروبِ
[ ١ / ١٢ ]
شبه عرق الخيل بنضح المزاد ثم قال إلا أن هذا النضح ليس مما يشرب، والرواة المستقون، وعادي والي بين اثنين، ولم يرد بقوله ولم ينضح بماء أن العرق مكروه ولكنه أراد سرعة إدراكه إياهما وأنه عقرهما قبل أن يعرق الفرس، ومثل هذا قوله:
فأدرك لم يعرق مناط عذارهِ يمرُ كخُذْروفِ الوليدِ المثقبِ
قالوا والخيل إذا عرقت غُسلت بالماء وليس هذا بشيء، قول امرئ القيس مثل قول معقر بن حمار:
وكل سبوحٍ في العنان كأنها إذا اغتسلتْ بالماء فتخاء كاسرِ
لأن اغتسلت في هذا البيت عرقت، وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة " وكأنها إذا اغتمست بالماء فتخاء كاسر " والعرق عندهم محمود.
قال النجاشي:
كأن جنابَيه وصُفّةَ سرجِه من الماءِ ثوبًا مائحٍ خضلانِ
وقال أبو النجم:
كأنه في الجلِ وهو ساميٌ مشتملٌ جاء من الحمامِ
وقال أيضًا:
[ ١ / ١٣ ]
كأن مِسكًا غله مغلِّلُهْ في ناضحِ الماءِ الذي يشلشلهُ
" وغله فانغل أي دخل بعضه ببعض وغل فلان المفاوز أي دخلها، والغلل الماء بين الأشجار " وطيب رائحة العرق عندهم محمود أنشدني السجستاني عن أبي عبيدة:
إذا عرقَ المهقوعُ بالمرءِ أنعظت حليلتُه وازداد حرًا مِتاعها
قال أبو عبيدة أبقي الخيل المهقوع وكانوا يستحبون الهقعة وهي الدائرة التي تكون في عرض زوره حتى أراد رجل شراء فرس مهقوع فامتنع صاحبه من بيعه فقال هذا البيت فكُرهت الهقعة منذ ذاك.
قال أبو النجم وذكر فرسًا:
ساطٍ إذا ابتلّ رقيقاه ندا
رقيقاه جانبا منخره ابتلاّ من العرق، والساطي البعيد الأخذ من الأرض. وللعرق باب ألفته في كتاب الإبل فيه أبيات المعاني في عرق الإبل.