قال أبو داود:
إذا قيد قحّم من قادَه وولت علاّبيه واجلعبّ
وهادٍ تقدّم لا عيبَ فيه كما الجذعُ شُذِبَ عنه الكَرب
الهادي العنق، وقوله كما الجذع شذب عنه الكرب نحو قول امرئ القيس:
[ ١ / ١٢٦ ]
ومستفلك الذفرى كأن عنانَهُ ومثناتَه في رأس جذعٍ مشذبِ
وكقول الفرزدق:
بجذوع خيبر أو جذوع أوال
قد فسرناهما فيما تقدم من الكتاب، وقوله: إذا قيد قحّم من قاده يقول يتقدم من يقوده فيقحمه، والعلباوان عصبتان في العنق وذلك أن العلباء يمتد حتى يكاد يتصل بالرأس ثم يولى إلى ناحية العنق شيئًا وإذا جَسَت العنق لم يدبر العلباء، وقال ابن مقبل:
وحاوطني حتى ثنيت عنانه على مدبر العلباء ريّان كاهله
حاوطني داورني وعالجني حتى ألقيت عنانه على عنق مدبر العلباء، يريد أنه طويل العنق لينها ففي طرف علبائه إدبار، وقال ابن الرقاع:
ومنيف غوج اللبان يرى منه بأعلى علبائه إدبار
غوج اللبان واسعه، يقال للفرس إذا جعل ينثني في شقيه أنه يتغوج، واللبان مجرى اللبب من صدر الفرس، قال أبو ميمون العجلى:
ضافي السبيب مدبر العلباوين
وقالت الخنساء:
[ ١ / ١٢٧ ]
ولما أن رأيتُ الخيل قُبلًا تُبارى بالخدودِ شبا العَوالى
الشبا حد السنان تريد، أنها طوال الأعناق فهي تباري الأسنة بخدودها، ومثله لبشر:
يبارينَ الأسنة مُصغياتٍ كما يتفارطُ الثمدَ الحمامُ
يتفارط يريد أن بعضها يتقدم بعضًا إلى الماء وهو أشد لطيرانها، والثمد ركايا يجتمع فيها ماء المطر. وقد تقدمت أبيات في هذا المعنى في وصف خدودها فتركنا ذكرها. وطول العنق من علامات العتق وقصرها من علامات الهجنة.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵀ لما شك في العتاق والهجن دعا سلمان بن ربيعة الباهلي بطست من ماء فوضعت على الأرض ثم قدم الخيل فرسًا فرسًا فما ثنى منها سنبكه فشرب جعله هجينًا وما شرب ولم يثن سنبكه جعله عتيقًا، وذلك لأن في أعناق الهجن قصرًا فهي لا تنال الماء على تلك الحال حتى تثني سنابكها وأعناق العتاق طوال وفي ذلك يقول لبيد:
من يمدُدا لله إصبعًا في الخيرِ والشرِ يلاقه معا
أنت جعلت الباهلي مِفَنّعا
[ ١ / ١٢٨ ]
قال أبو عبيدة أول من عرّب العراب رجل من وادعة همدان أغارت الخيل فصبحت العدو وأبطأت الكوادن فجاءت ضحَى فأسهم للعراب وترك الكوادن وكتب إلى عمر بذلك، فقال عمر: هبِلت الوادعيّ أمه لقد أذكرني أمرًا أكنت نسيته وكتب إليه أن نعم ما صنعت، وقال خالد بن الصقعب:
ملاعبةُ العنانِ بغصنِ بانٍ إلى كتفينِ كالقتبِ الشميمِ
يقول عنقها لينة ليست بجاسية، ومعنى إلى معنى مع، والشميم من الأشم وهو المرتفع يقال جبال شم أي مرتفعة، وإذا كانت العنق غير لينة المعاطف كانت معيبة، والقصر في العنق والجساءة أن تكون غير لينة.
وقال:
لما أتيتُ الحيَ في متنِه كأنّ عرجونًا بمثنى يدى
وقال سلامة بن جندل:
تم الدسيع إلى هادٍ له تَلِع في جُؤجُؤ كمداكِ الطيبِ مخضوب
الدسيع صفحة العنق من أصلها والجمع دسائع، والهادي العنق تلع الطويل منتصب، والجؤجؤ الصدر، مداك الطيب الصلاية.
[ ١ / ١٢٩ ]
يقول: هو أملس قصير الشعر وكأن جؤجؤه صلاية، ورقة الجؤجؤ عندهم محمود، مخضوب بدم الصيد.
وقال أبو داود:
يهزّ العنقَ الأجرَ دفى مستأ من الشَّعْبِ
مع الحاركِ مخشوش يجنبٍ مُجَفر رَحْبِ
يقول إذا سار هز عنقه، والأجرد الأملس قصير الشعر، والعنق يؤنث ويذكر يقول قد ركب في أصلٍ وتين، والشعب الوصل المركب في الحارك وهو موصل العنق مع الكاهل، والمخشوش المدخل فيه كما يدخل الخشاش.
وقال أبو النجم:
في مُفْرع الكتفيْن حلو عطَلُه سوند في هادٍ كثيفٍ خَلله
مفرع مشرف، الأصمعي: عطله عنقه يقال شاة حسنة العطل أي العنق وأصل ذلك العنق التي لا حلى عليها ويقال عطله جسمه ومجرده.
وقال خالد بن كلثوم: عطله ضمره وذهاب لحمه، يقول: هو حلو في الضمر فكيف في السمن، سوند رفع وضم بعضه إلى بعض، في هاد أي مع هاد وهو العنق، كثيف خلله يقول هو مكتنز ما بين الأضلاع والفقَر.
[ ١ / ١٣٠ ]
وقال ابن فسوة يصف فرسًا:
بعيدة بين العَجب والمتلدَّد
والمتلدد المتلفت وأصل ذلك من اللديدين وهما صفحتا العنق ومنه قبل فلان متلدد أي متلفت يمينًا وشمالًا.