قال عمرو بن الأهتم وذكر ضيفًا:
فبات له دون الصبا وهي قرة لحاف ومصقول الكساء رقيق
يعني باللحاف الطعام وبمصقول الكساء اللبن وذلك أن عليه رغوة فصبها؟ بمنزلة الكساء، وقال آخر " جرير ":
كم قد نزلت به ضيفًا فلحفني فضل اللحاف ونعم الفضل يلتحف
لحفني أطعمني وهو مثل، وقال آخر:
ينفي الدوايات إذا ترشفا عن كل مصقول الكساء قد صفا
وقال آخر:
فتحفي بهم ووحي قراهم وأتاهم به غريضًا نضيحا
تحفي أحسن القيام عليهم، والغريض الطري يعني لبنًا ومثله لرؤبة:
جاءت بمطحون لها لا يأجمه تطبخه ضروعها وتأدمه
يمسد أعلى حلقه ويأزمه
لا يأجمه الراعي لا يكرهه، يأدمه أي كأنه يجعل له أدمًا، يمسد يشد، والأزم نحو من ذلك يعني لبنًا وهو مأخوذ من الأزم وهو العض، أي يضم بعض خلقه إلى بعض، وقال آخر وذكر إبلًا:
[ ١ / ٣٩٨ ]
يهل ويسعى بالمصابيح حولها لها أمر حزم لا يفرق مجمع
يمد لهم بالماء لا من هوانهم ولكن إذا ما ضاق شي يوسع
ويروي: بالمصابيح وسطها، قوله يهل أي يدعو بعضنا بعضًا نقول هاتوا ما عندكم، والمصابيح واحدها مصبح وهو الإناء الذي يصبح فيه ويقال مصباح، لها أمر حزم أي أصحابها يحزمون، مجمع صواب أجمعت الأمر، وقال آخر وذكر امرأة:
من المهديات الماء بالماء بعدما زمى بالمقاري كل قار ومعتم
هذه امرأة سخية تهدي المرق وتصب عليه الماء ليكثر فتهديه، والمقاري الجفان ولك ما يقري فيه الواحد مقرى والمعتم المبطئ القري. وقال آخر:
ما زلت أسعى معهم وألتبط حتى إذا جن الظلام المختلط
جاؤوا بضيح هل رأيت الذئب قط
يريد لبنًا أورق من كثرة مائه، وأنشد ابن الأعرابي:
شربنا فلم نهجأ من الجوع نقرةً سمارًا كإبط الذئب سودًا حواجره
[ ١ / ٣٩٩ ]
أي لم يغن عنا شيئًا إلا أنه رد أنفسنا، حواجره نواحيه، وأنشد غيره:
ويشربه محضًا ويسقي ابن عمه سجاجًا كأقراب الثعالب أورقا
السجاج الذي مذق حتى تغير لونه وهو السمار، وقال الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج
وأصبب لأضيافك من رسلها فإن شر اللبن الوالج
الكسع أن ينضح الضرة بالماء البارد ثم يضربها بالكف صعدا، أراد، فشر اللبن ما حقن في الضرع، ومثله:
أكثر ما نعلمه من كفره إن كلها يكسعه بغبره
ولا يبالي وطأها في قبره
سمع الحديث إن الإبل والغنم إذا لم يعط صاحبها الحق منها بطح لها بقاع قرقر فوطئته.
وقال النمر بن تولب يذم قومًا:
كانوا يسيمون المخاض أمامها ويغرزون بها على اغبارها
أي يسرحونها قدمًا والتغريز مثل الكسع، وقال الجعدي:
[ ١ / ٤٠٠ ]
غرزها اخضر النواجذ نسا ف يخول الفصال بالقدم
يخول من حسن القيام عليها، يقال فلان خال مال إذا كان مصلحًا له.
وقال آخر:
تسمنها بأخثر حلبتيها ومولاك الأحم له سعار
الأحم من الحميم كما يقال الأقرب من القرابة، أي ترد لبنها فيها، سعار تسعر من الجوع، وتحرق، وقال آخر:
مسعورة إن غرثت لم تشبع
أي ملتهبة من الجوع، وقال النمر:
أرى أمنا أضحت علينا كأنما تجللها من نافض الورد أفكل
يعني امرأته والعرب تقول للرجل يضيفهم أبونا ولامرأته أمنا ويقال هو أبو الأضياف، أي كأنما أصابتها رعدة لما رأتنا نسقي الألبان ولا ندعها لها.
وما قمعنا فيها الوطاب وحولنا بيوت علينا كلها فوه مقبل
[ ١ / ٤٠١ ]
أي مالنا نملأ الوطاب بالقمع وحولنا بيوت أفواهها مقبلة علينا.
ألم يك ولدان أعانوا ومجلس قريب فنخزي إذ تلف وتحمل
أي أعانوا على السقي، ومجلس قريب فلنستحي من إن تلف الوطاب وتحمل وقال:
عليهن يوم الورد حق وحرمة وهن غداة الغب عهندك حفل
فإن تصدري يحلبن دونك حلبةً وإن تحضري يلبث عليك المعجل
وقال وذكر الإبل:
إذا هتكت أطناب بيت وأهله بمعطنها لم يوردوا الماء قيلوا
أي دنت منه يقال بنو فلان يطؤهم الطريق، والقيل شرب نصف النهار، وقال آخر يزيد بن الحكم الثقفي:
بدا لك غش طال ما قد كتمته كما كتمت داء ابنها أم مدوي
الدواية جليدة تركب اللبن وقد دوي اللبن، وادّوي فهو مدّو إذا أخذها وقال أبو الطمحان القيني:
وإني لأرجو ملحها في بطونكم وما بسطت من جلد أشعث أغبر
[ ١ / ٤٠٢ ]
كان نزل على قوم فأخذوا إبله، والملح الرضاع، ولفلان في بني فلان مخاطة أي رضاع وأراد اللبن الذي شربوا منها فبسط جلد من كان مهزولًا، وأنشد الأصمعي لشتيم بن خويلد:
لا يبعد الله رب العبا د والملح ما ولدت خالده
ويروي: والملح والملح أراد بالملح الرضاع، وقال آخر:
متبجح بقرى الضيوف وإنما طرق الضيوف بعشة لم تملح
متبجح مشمر لم تملح لم تسمن، وأما قول مسكين الدارمي:
لا تلمها إنها من معشر محهم موضوعة فوق الركب
ويروي ملحها:
[ ١ / ٤٠٣ ]
كشموس الخيل يبدو شغبها كلما قيل لها هال وهب
ويروي هال بلا تنوين، يقال للرجل الحديد: ملحه على ركبته وقيل له كيف قلت ملحا موضوعة فقال: كما يقال: عسل طيبة، وقال آخر:
وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم
ظلم السقاء أن يسقي قبل أن يدرك وتخرج زبدته وهي الظليمة والعكدة أصل اللسان، وقال آخر:
وصاحب صدق لم تنلني أذاته ظلمت وفي ظلمي له عامدًا أجر
يعني سقاء ومثله:
إلى معشر لا يلمون سقاءهم ولا يأكلون اللحم إلا مقددا
هذا هجاء، وقال آخر:
عجيز من عامر بن جندب تبغض أن يظلم ما في المروب
يعني سقاء، وقال الحطيئة:
قروا جارك العيمان لما جفوته وقلص عن برد الشراب مشافره
سنامًا ومحضًا أنبتا اللحم فاكتست عظام امرئ ما كان يشبع طائره
عام إلى اللبن إذا اشتهاه وقرم إلى اللحم، والعيمان العطشان، وقلص عن برد الشراب أي عن برد الماء فلم يقدر على شربه
[ ١ / ٤٠٤ ]
لشهوة اللبن، ومثله:
وهم سقوني المحض إذ قلصت عن الماء المشافر
ما كان يشبع طائره يقول لو وقع عليه طائر وهو ميت لما شبع من قلة لحمه وشدة هزاله، وقاله أبو عمرو الشيباني يريد ما كان عنده ما يشبه طائره من سوء الحال، وقال آخر:
يا أيها الفصيل المعني إنك ريان فصمت عني
يكفي اللقوح أكلة من ثن
صمت عني أي سكت، ويقال أصمت عني أي أسكت، يقول إذا صرفت اللبن عنك إلى الأضياف سكتوا، وقد فسر الباقي، وقال آخر:
وما يك في من عيب فإني جبان الكلب معزول الفصيل
لأنه يؤثر عليه بلبن أمه ومثله:
ترى فصلانهم في الورد هزلي
وقال النمر بن تولب وذكر إبلًا:
وفي جسم راعيها شحوب كأنه هزال وما من قلة الطعم يهزل
يريد أنه يؤثر بألبانها، وقال أبو خراش الهذلي:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأنتهي إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
يقول الجوع في بطني مثل الجاع يتلمظ، وقال أعشى باهلة:
[ ١ / ٤٠٥ ]
لا يعض على شرسوفه الصقر
يقال هي حية تكون في البطن من الناس والدواب والمواشي تشتد على الإنسان إذا جاع، والطعم الطعام والطعم الشهوة، والمزلج الضعيف من الرجال الذي ليس بكثيف، أنتهي أي تنهى نفسي عنه.
وقال آخر:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
أي أوثر بقوتي وأجتزئ بالماء في الشتاء والبرد.