قال الراعي:
هلا سألت هداك الله ما حسبي إذا رعائي راحت قبل حطابي
أخبرنا اشتد البرد راح الراعي ببله قبل الحطاب لأن الأرض ليس فيها كثير مرعى واحتبس الحطاب لشدة البرد أراد أنه يقري ويضيف ذلك الوقت.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقال النابغة:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي إذا الدخان تغشي الأشمط البرما
البرم الذي لا ييسر مع القوم، وخص الأشمط لأنه قد كبر وضعف فهو يأتي مواضع اللحم.
وقال ابن مقبل:
ألم تعلمي أن لا يذم فجاءتي دخيلي إذا اغبر العضاه المجلح
أي إذا أتاني ولم أستعد، المجلح الذي أكلته الإبل.
وقال الأعشى:
وإني لا يشتكيني الألوك إذا كان صوب السحاب الضريبا
الألوك الرسالة ومعناه لا أرد صاحبها بغير شيء، ومثله للبيد:
وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل
أو نهته فأتاه رزقه فاشتوى ليلة ريح واجتمل
أي لم ترسله فأرسلنا إليه، واجتمل من الجميل وهو الودك.
وقال الكميت:
وكان السوف للفتيات قوتًا يعشن به ونئت الرقوب
السوف التسويف والرقوب التي لا يبقى لها ولد.
[ ١ / ٤١٠ ]
وصار وقودهم للحي أمًا وهان على المخبأة الشحوب
يقول اجتمعوا عند النار فكأنها أم لهم. وقال يمدح:
وأنت ربيعنا في كل محل إذا المهداة قيل لها العفير
المهداة التي تهدي. والعفير التي لا تهدي من الجدب لأنه لا شيء لها. وقال أيضًا:
وأنتم غيوث الناس في كل شتوة إذا بلغ المحل الفطيم المعفرا
المعفر الذي تريد أمه فطامه فهي تعلله بالشيء ليستغني عن اللبن، ومنه قول لبيد:
لمعفر قهد تنازع شلوه
وقال آخر:
يكبون العشار لمن أتاهم إذا لم تسكت المائة الوليدا
يقول ينحرون الإبل في الجدب إذا لم يكن في مائة من الإبل ما يعلل به صبي.
وقال آخر:
[ ١ / ٤١١ ]
إذا النفساء لم تخرس ببكرها غلامًا ولم يسكت بتر فطيمها
وقال أوس:
وذات هدم عار نواشرها تصمت بالماء تولبا جدعا
الهدم الثوب الخلق، وأراد بالتولب طفلها، والنواشر عصب الذراع الواحدة ناشرة وبها سمي الرجل، والجدع السيء الغذاء.
وقال:
وشبه الهيدب العبام من ال أبرام سقبا مجللا فرعا
الهيدب مثل العبام وهو الثقيل الغبي والأبرام الذين لا ييسرون، والفرع أول ولد الناقة، وكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم، يقول فهذا قد لبس جلد الفرع من شدة البرد فكأنه فرع، وقال طرفة:
ألقوا إليك بكل أرملة شعثاء تحمل منقع البرم
[ ١ / ٤١٢ ]
قال الأصمعي منقع البرم، وأبو عمرو وابن الأعرابي منقع البرم والبرم جمع برمة وهي برام صغار تحملها المرأة فتنقع فيها أنكاث الأخبية وهو ما نقض منها فإذا نزلوا واستقروا خكن ذلك الغزل واتخذن منه أخبية، وقال لبيد:
تأوي إلى الأطناب كل رذية مثل البلية قالصًا أهدامها
الرذية امرأة مهزولة، والبلية الناقة تعقل عند قبر صاحبها فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، أهدامها خلقان ثيابها الواحد هدم.
وقال الفرزدق:
وعاش تمشي القراع أرامله
القراع الجرب واحدها قرعة وتجمع أيضًا على قرع، يقول تتمشي بالجرب يتصدقن فيها، وقال سويد بن أبي كاهل:
وأتاني صاحب ذو غيث زفيان عند إنقاذ الفرع
الغيث أصله في البئر يقال بئر ذو غيث إذا كانت لها مادة، زفيان خفيف.
[ ١ / ٤١٣ ]
وقول الكميت:
وكاعبهم ذات الغفارة أسغب
الغفارة شعر الصدغ وما يليه.
وقال الخرشب:
وإن وراء الحزن غزلان أيكة مضمخة أردانها والغفائر
ويروي العفاوة وهو ما يرفع للإنسان من المرق ويروي القفاوة وهو من القفي وهو ما خص به الإنسان، ومنه قول سلامة:
ليس بأسفي ولا أقني ولا سغل يسقي دواء قفي السكن مربوب
[ ١ / ٤١٤ ]
وقالت أخت عمروذي الكلب الهذلية:
وليلة يصطلى بالفرث جازرها يخص بالنقرى المثرين داعيها
ويروي يختص، تقول يدخل يده في الكرش من شدة البرد لتدفأ.
وقال الأسدي مثله:
يبيتون أمثال العشار وجارهم على الفرث يحيي الليل يفرح بالمحل
يقول هم سمان أمثال العشار من الإبل وضيفهم سيء الحال بالعراء على الفرث يدخل رجليه فيه يستدفئ به، وقال الكميت:
واحتل برك الشتاء منزلة وبات شيخ العيال يصطلب
أي يجمع العظام فيطبخها بالماء ليخرج ودكها، ومنه سمي المصلوب لأنه يسيل ودكه، والصليب الودك، قال الهذلي وذكر عقابا والبيت لأبي خراش:
جريمة ناهض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبًا
أي ودكًا، وقال الفرزدق:
إذا السنة الشهباء حل حرامها.
أي يأكلون فيها الميتة والدم وقال رؤبة:
حدباء فكت أسر القعوس
[ ١ / ٤١٥ ]
القعش الهودج يريد أنهم حلوا القد من هوادجهم وفكوها وأوقدوها من شدة البرد، وقال الكميت:
فأي عمارة كالحي بكر إذا اللزبات لقبت السنينا
أكر غداة إبساس ونقر وأكشف للأصائل أن عرينا
العمارة الحي الضخم، واللزبات الشدائد لقبت بكحل ونحوه، وقال:
ولم يند من أنواء كحل جبوبها
كحل سنة جدب، والجبوب وجه الأرض، والإبساس والنقر تسكين الدابة، والأصائل العشيات، عرين بردن يقال ليلة عرية ويوم عر أي بارد يقول يكشفونها بالإطعام.
وقال يصف شدة الزمان:
[ ١ / ٤١٦ ]
ولم ينبح الكلب العقور ولم يخف على الحاطبين الأسود المتقوب
الأسود الحية والمتقوب السالخ وذلك أنه لا يظهر في شدة البرد وقال:
وحالت الريح من تلقاء مغربها وضن من قدره ذو القدر بالعقب
وكهكه المدلج المقرور في يده واستدفأ الكلب بالمأسور ذي الذئب
أي نفخ من شدة البرد في يده، والمأسور الغبيط، وكل شيء حنيته وعطفته فهو مأسور، والذئبة فرجة بين عودي القتب والغبيط.
وقال سلامة بن جندل:
كنا نحل إذا هبت شآمية بكل واد حطيب البطن مجدوب
شيب المبارك مدروس مدافعه هابي المراغ قليل الودق موظوب
[ ١ / ٤١٧ ]
يقول ننزل بكل واد كثير الحطب لنعقر ونطبخ ولا نبالي أن يكون مجدوبًا أي معيبًا والعائب الجادب مباركه شيب من الجدب والصقيع فهو أبيض لا كلأ به مدروس مدافعه أي قد درست ورقت ووطئت وأكل نبته ومدافعه مسايل مائه، موظوب قد وظب عليه حتى لم يبق منه شيء، هابي المراغ أي منتفخ التراب لا يتمرغ فيه قد ترك لخوفه، وقال ذو الرمة يمدح:
وخير إذا ما الريح ضم شفيفها إلى الشول في دفء الكنيف المتاليا
الخير الكرم والشفيف البرد والكنيف حظيرة من شجر دفؤها مسترها، والشول التي تشولت ألبانها وقعت بطونها من أولادها وأتى على نتاجها أشهر، والمتالي التي نتجت وفي بطونها أولادها وهي مثقلة مكروبة والبرد إلى الشول أسرع منه إليها لخفة بطونها فإذا بلغ البرد إلى المتالي حتى يضمها إلى الشول في الكنيف فهو أشد البرد.
وقال ابن مقبل في مثله:
يظل الحصان الورد فيها مجللًالدى الستر بغشاه المصك الصمحمح
يعني يغشى الفرس البيت من شدة البرد فأراد يظل الحصان الورد المصك الصمحمح مجللًا من شدة البرد لدى الستر يغشاه ويقال
[ ١ / ٤١٨ ]
مصك بعير يغشاه من شدة البرد وقال الفرزدق وذكر جدبًا وبردًا.
وهتكت الأطناب كل غليظة لها تامك من صادق الني أعرف
تامك سنام، أعرف طويل العرف يقول إذا أصابها البرد دخلت في الخباء.
وراح قريع الشول قبل إفالها يزف وراحه حوله وهي زفف
قريع الشول فحلها، يزف يسرع لشدة البرد وقلة المرعى فتتبعه الإبل وتسرع حوله.
وقال ابن أحمر وذكر سنة جدب:
وراحت الشول ولم يحبها فحل ولم يعتس فيها مدر
أي ذهل الفحل عن الشول وهمته نفسه من شدة الزمان ويقال هو يحبو ما حوله أي يحميه ويمنعه، ولم يعتس أي لم يسع فيها ذو عس. لأنه لا ألبان لها، وقال الكميت:
إذا اللقاح غدت ملقى أصرتها ولم تند عصوب كف معتصب
ملقى أصرتها لأنها لا ألبان بها، والعصوب التي لا تدر حتى تعصب فخذاها.
وقال أيضًا:
[ ١ / ٤١٩ ]
فأي امرئ أنت أي امرئ إذا الزجر لم يستدر الزجورا
ولم تعط بالعصب منها العصو ب إلا النهيت وإلا الطحيرا
النهيت صياح ورغاء، والطحير أن تضرب برجلها، والزجور التي لا تدر حتى تزجر، وهذا في شدة الزمان.
وقال أيضًا:
وأسكت رز الفحل واسترعفت بهحراجيج لم تلقح كشافا سلوبها
رزه صوته ينقطع من شدة البرد، استرعفت به تقدمت والكشاف أن تلقح في دمها بعد الولاد، والسلوب التي سلب ولدها.
وقال وذكر سنة جدب:
بعام يقول له المؤلفو ن هذا المعيم لنا المرجل
المؤلف الذي له ألف بعير، والمعيم الذي أعامهم إلى اللبن، ومرجل أرجلهم.
وكان سواءً لدى الناتجين تمام الحوارين والمعجل
أي ليس للأمهات لبن فالتمام يموت أيضًا، قال أبو عمرو هما حواران أحدهما تمام والآخر معجل.
وقال أيضًا:
هدما للكنيف يلقي لدي المبر ك لا يتبع الصريف الهديرا
[ ١ / ٤٢٠ ]
هدمًا أي محب لكنيفه لا يريد مفارقته، يقال ناقة هدمة إذا كانت تحب الفحل.
والرؤوم الرفود منهن بالأم س علوقًا لسقبها أو زجورا
الرؤوم العطوف على ولدها، والرفود التي تملأ رفدين في حلبة أي قدحين، والعلوق التي ترأم بأنفها وتمنع درها، والزجور التي لا تدر حتى تزجر.
وقال آخر:
أيانق قد كفأت أرفادها نطعمها إذا شئت أولادها
حرادها يمنع أن نمتادها
الأرفاد جمع رفد، كفأت الإناء قلبته أي انقطع لبنها فكفئت الأقداح، وأراد بعنما أولادها فأنفقنا أثمانها عليها، والمحاردة انقطاع ألبانها في الشتاء، نمتادها نقتلعها من مدت الرجل أخبرنا أعطيته، والمعنى أنها إذا حاردت لم يكن لها لبن يميد الناس.
وقال آخر:
حبسنا وكان الحبس منا سجيةً عصائب أبقتها السنون الأورام
ابن الأعرابي: عصائب المال بقاياها، الأورام المستأصلة.
وقال الكميت:
ويأرم كل نابتة رعاء وحشاشا لهن وحاطبينا
وقال الكميت يذكر سنة جدب:
وكان لبيت القشعة الهدم والصبا أحاديث منها عاليات الأرواد
[ ١ / ٤٢١ ]
القشعة بيت من جلود، والهدم الخلق، والصبا الريح، والأرواد من رويد أي قليلًا، يقول فأضعفها شديد.
وقال ابن مقبل:
فلا أصطفي شحم السنام ذخيرةً إذا عز ريح المسك بالليل قاتره
قاتره من القتار، عزه غلب عليه، يقول في أزمان الجدب يكون ريح القتار أطيب من ريح المسك، يقول: لا أصطفي السنام لنفسي وأطعم ما سواه.
وقال آخر وذكر الضيف واللحم:
فإن يك غثًا أو سمينًا فإنني سأجعل عينيه لقلبه مقنعا
ترك مد الهاء في مثل لقلبه لغة لبعضهم، يقول إذا ذبح الجزور بين يديه اتخذت له الطعام بحضرته لا أغيب عنه غثًا كان أو سمينًا لئلا يظن أني قد استأثرت عليه.
وقال آخر:
ولا يتقاضى القوم جاري هديتي بأعينهم في البيت من خلل الستر
أي لا تمتد أعينهم إلى ما أبعث به إلى جاري الأدنى لأني أوسعهم كلهم من قرب منهم ومن بعد فلا يحتاج البعيد إلى القريب.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وقال آخر:
بلى إن الزمان له صروف وكل من معاركه السنين
فيسمن ذو العريكة بعد هزل وتعتر الهزيلة بالسمين
يقال ناقة عروك إذا لم يكن في سنامها إلا شيء يسير، وتعتر الهزيلة أي تأتي والهزيلة الهزال بعينه أي تأتيه، والمعنى إن صروف الدهر تقلب فتسمن الهزيل وتهزل السمين، والهزال من الشحم والهزل من الجدب والموت. وقال عروة بن الورد:
أقيموا حذر الهزال نكحت عبدًا وصهر العبد أقرب للهزال
وقال:
وصاحبين شتيت اللون نجرهما في جسم حي وروح واحد خلقا
يغذوهما الخصب حتى يسمنان له وإن أصابا هزالًا بعده افترقا
يعني الشحم واللحم، وأنشد ابن الأعرابي:
[ ١ / ٤٢٣ ]
يحملن أوصال غلام متخم لو لم يهو ذل طرفاه لنجم
في جنبه مثل قفا الكبش الأجم
يهوذل يسيل يريد أنه قاء وسلح ولولا ذلك لصار في جنبه من التخمة مثل قفا الكبش الذي لا قرن له، وأنشد:
تعدون القراح ولم تعدوا علي نقارة إلا القراحا
يقول ما لكم عندي يد إلا أنكم قريتموني ماء قراحًا كما تقول مالك نقرة ولا أثر أي قدر ما نقره الطائر، وأنشد:
قرانا التقيا بعد ما هبت الصبا
التقيا شيء يقراه الضيف يتقي به الأذى بقدر ما تقول أطعمته شيئًا، وأنشد أبو زيد:
ونصبح بالغداة أتر شيء ونمسي بالعشي طلنفحينا
التار الممتلئ والطلنفح الخالي الجوف.