أنشدني السجستاني لأبي ميمون النضر بن سلمة العجلي هذا الشعر وقال قرأته على أبي عبيدة والأصمعي:
قُدنا إلى الشأم جِيادَ المصريْنِ آلُ الحرونِ قد سُحقنَ العصرينِ
قال أبو عبيدة: آل الحرون أولاد الحرون وهو فرس كان لمسلم بن عمرو بن أسيد الباهلي، والذائد من نسل الحرون.
شهرًا فشهرًا فاغتفرنَ الشهريْنِ فهنَ قُبٌ مالئاتٌ للعينِ
اغتفرن أي احتملن ذاك لأنها تطعم قوتًا على قدر فاحتملت ذاك.
مثل قِداحِ النبعِ مما يُبرينَ أنضجهن الطبخُ طبخ الصِرعينِ
الصرعان غدوة وعشية وهما العصران والبردان، والطبخ هو الحِناذ وهو التسخين للخيل بعد التقريب حتى يذهب الشحم ويبقى اللحم، وتستوكع على الجري ويفعل ذلك بها في البردين.
والركضُ بعد الركضِ حتى يُمهينَ والقودُ بعد القَودِ قد تمكَّينَ
يمهين يستخرج عرقهن كما تمهى الركية يستخرج ماؤها، أمهت وأمهيت الحديدة سقيتها الماء وماهت هي، تمكين ابتللن وخمص فضولهن.
[ ١ / ١٧١ ]
مستقبلاتُ الريحِ حينَ يُلقّينَ للأرضِ يعركنَ بها ما يأذَينَ
أذيت به بعلت به، يعركن بالأرض يريد التمريغ.
عَرك ذوي العُرّةِ جربي يطلينَ حتى تبعثنَ وقد تثرّينَ
أي لصق بهن ثرى الأرض.
ثم انتفضْنَ مرةً أو اثنتين نفضَ عتاقِ الطيرِ حين يُندينَ
ثم توذَّفنَ كأن لن يُجرينَ وجُلنَ في الأرسانِ حتى يخلّينَ
أصل التوذف التبختر، يخلين تعلق عليهن المخالي.
كل طويلِ الساقِ حُر الخدينِ مقسمُ الوجهِ هريت الشِدقينِ
مقسم الوجه حسن الوجه، رجل قسيم ووسيم.
مؤلّلُ الأذنينِ صافي العينينِ ذي حاجبينِ أشرفا كالصفَّينِ
مؤلل محدد، والحاجب يستحب منه الخشوع كما قال ابن مقبل:
وحاجب خاشع وماضغ الهز
ومدح هذا بإشرافه:
ومنخرينِ رحبا كالكيرينِ صلت الجبينِ رحب شجرِ اللَّحيينِ
الكير زق الحداد، والشجر ما بين لحييه من اللحم من ظاهر وباطن.
[ ١ / ١٧٢ ]
في فهقةٍ غامضةِ المقذينِ وعنقٍ كالجذعِ حرِ الليتينِ
الفهقة الفقرة التي هي مركب الرأس في العنق، والليتان صفحتا العنق.
ضافي السبيب مدبرِ العلباويْنِ في منكبيْنِ رهليْنِ ضخميْنِ
ضافي سابغ، والسبيب شعر ناصيته وذنبه، والعلباء يدبر فتلين العنق وهما عصبتان في العنق وقد فسر ذلك، والرهل في المنكب والزور يستحب وإنما يكون ذلك لسعة الجلد.
ذي حافرٍ كقعبِ بين القعبينِ مستقدمِ السنبكِ وافي العرضينِ
النسور في باطن الحافر مثل النوى واللوز، والأشعر ما أحاط بالحافر من الشعر، والبريم المخلوط، يريد في الأشعر بياضًا، وكل شيئين خلطا فهما بريم.
وثننٌ تحمى حواميها الشينُ مثل الخوافئهَن للأرضِ الزينِ
الثنة الشعر المعلق في مؤخر كل قائمة من قوائمه، وشبهها بالخوافي لطولها، وطولها يستحب ويكره المعر وهو شينها، وحواميها جوانبها.
[ ١ / ١٧٣ ]
وحوشبٌ لا يتشكّاه القيْنِ هادي العروقِ سالمُ الشظاتيْنِ
الحوشب موصل الوظيف في الرسغ والقينان حرفًا وظيفي اليدين، يقول هو شديد الحوشب وثيقه فليس يتشكى الوظيف، وقوله: هادي العروق أي هي غير منتشرة كما قال الآخر:
نيام الأباجل لم تضرب
والشظاة عظم لاصق بالركبة فإذا شخصت شظى الفرش:
في عصباتِ مصحٍّ لا يُخشيْنَ عارى الوظيفِ أحدب الذراعيْنِ
يقول عصباته قد خفيت لأنها غير منتشرة فلا يخشى عليها الانتشار، والعرى في الوظيف محمود، واعوجاج الذراعين أيضًا محمود وأنشد - للعماني:
ترى له عظم وظيف أحدبا
مستقدمُ البركة ضخمُ العضدينِ مشترفُ الكتْفِ طُوالُ القرنيْنِ
نهدُ الغرابِ ناهدُ المعدّيْنِ معقربٌ منبترُ الحماتيْنِ
البركة الصدر، والغرابان ملتقى أعالي الوركين، والقطاة بينهما على العجز والمعدّان موضع السرج من جنبي الفرس، ويستحب أن ترتفع القطاة وإذا ارتفعت اشتد الغرابان، والحماة عضلة الساق ويستحب انتبارها وقد فسر ذلك:
قليلُ لحمِ الشدقِ ضخمُ الفخذينِ أشق قاسى الظهرِ عاري الكعبينِ
[ ١ / ١٧٤ ]
غوجٌ جهيزُ الشدِ حين يُبلينَ ترى الغلامَ بعد ركضِ الميلينِ
يقال هو يتغوج في مشيته إذا تثنى في شقيه، والشد العدو، ويبلين يختبرن، جهيز سريع.
وبعد تقريبٍ أفاضَ العطفينِ في ربذٍ منه يوارى الساقينِ
أفاض عطفيه ماء أي عرقًا.
مستمسكًا منه بلهبِ العُرشَينِ ترمي به الرجل فروع الكتفينِ
الهلب الشعر، والعرشان منبت العرف، يقول قد استمسك بالعرف خوفًا من أن يسقط:
يقول قد حنَتْ وما منه الحين ثم ثنى يجذِبه بالكفيْنِ
بالسبقِ فوق السبقِ بين الجمعيْنِ ثم مشى فاهتزّ بين الحزبينِ
يريد أنه سبق سبقًا بينًا كأنه تجاوز السبق فهناك حبسه الغلام بكفيه.
مثلَ اهتزازِ الرمحِ بين النصليْنِ فمثل هذا نعم كحلِ العينيْنِ
بين النصلين بين السنان والزج.
ونعم حشو السرجِ بين الخيليْنِ ونعم تالى الحمرِ حين يتليْنِ
فالخيلُ منى أهلٌ ما أن يدنينِ وأن يقرّبنِ وأن يقصيْنِ
وأن يبأ بأن أن يفدين وأن يكون المحضُ مما يسقينِ
وأهل إن أغلين أن يغالين بالطُرف والتلد وأن لا يُجفينِ
[ ١ / ١٧٥ ]
وأهل ما صحبننا أن يقفين وأهل ما أعقبننا أن يجزيْنِ
قوله أعقبننا يريد أهل أن يجزين بما أعقببنا من إحساننا إليهن كما قال الآخر:
فأعقب خيرًا كل أهوج مهرج
ألسن عزُ الناس فيما أبليْنَ والحسبُ الزاكي إذا ما يثنينِ
والأجر والزين إذا رمت الزينُ وأي يوم حظوة لم يحظينِ
وأي يوم غارةً لم يدميْن وكم كريمٌ جدّهُ قد أغلينِ
وكم طريدٌ خائفٌ قد أنجين ومن فقيرٍ عائلٍ قد أغنينِ
وكم برأس في لبان أجرين وجسد للعافيات أعرينِ
يقول مثل رؤوس الجوارح تجعل في أعناقها وتجرئ والعافيات الطير والسباع تعفو أجساد القتلى تأتيها.
وأهل حصنٍ ذي امتناعٍ أدَّينِ وكم لها في الغنم من ذي سهميْنِ
يكون فيما اقتسموا كالرّجلينِ وكم وكم أنكحن من ذي طِمريْنِ
المنكحاتُ البيض مما يسبين بغير مهرٍ عاجلٍ ولا دينِ
كل معروف البلا أبلينَ فالخيلُ مخٌ في سُلامَى أو عينِ
ما بلّل الصوفةَ ماءُ البحريْنِ
ما أنقين ما كان لهن مخ وهو النقى، ويقال أن المخ يبقى في السلامى والعين بعد أن يذهب من جميع العظام، وأنشدني أيضًا لأبي
[ ١ / ١٧٦ ]
صدقة العجلي في هذا الوزن عن أبي عبيدة:
أعددتُ سامي الطرفَ حدر العينيْنِ في محجرينٍ سُهّلا كاللصّيْنِ
يقال عين حدرة وحادرة وهي الضخمة الصافية.
عارٍ من اللحمِ صبيا اللحييْنِ مؤلل الأذنِ أسيل الخديْنِ
الصبيان مجتمع اللحيين من مقدمهما، وقلة اللحم هناك محمود.
في هامةٍ بهيةٍ وصدغيْنِ تم له هاد طويل العَرشيْنِ
منتصبُ العلباءِ تحت الخُشّيْنِ منفرجُ المنخرِ رحبُ الشدقيْنِ
الخشاء والخششاء عظم ناتئ خلف الأذن وهما اثنان، وكان ينبغي أن يقول الخشاوين.
مستنتِلُ المنكبِ رَسل العضديْنِ طالتْ ذراعاهُ تمام الحبليْنِ
مستنتل متقدم.
ذا عصبٍ تم على الوظيفيْنِ وثنَّتيْنِ
وحافريْنِ أدمجا كالقُعبينِ وأبين قد لُمّا كلّم الفهريْنِ
وحوشبين فيهما سليمين تحرَّزا في سنبكٍ ونسرينِ
وبركةٌمثل مقيلِ الفهدينِ لط بها زور نبيلُ العرضيْنِ
منتفجُ الجوفِ رحيبُ الجنبينِ إلى قطاةِ زانت الغرابينِ
وذنب أضمر كالعسيبينِ نازي الحماتيْنِ عريضُ الفخذيْنِ
محددُ العرقوبِ أظمى الكعبينِ إذا تعالى طَلقًا أو اثنينِ
خلتُ بعطفيْهِ له جناحينِ ولثق الشرسوف بعد العطفيْنِ
وانحدرَ الماءُ كفيضِ الغربيْنِ وصارَ للناظرِ لونيْنِ اثنيْنِ
[ ١ / ١٧٧ ]
يهتز في المشيةِ بين القُتريْنِ حتى إذا حانَ رِهانُ المصريْنِ
وقد صُنعن قبل ذاك شهريْنِ حتى تملّينَ وقد تعزيْنِ
تملين قال أبو عبيدة أطلن المكث في ذلك المضمار وتمتعن به ومنه يقال تمليت حبيبك وشبابك، وتعزين تشددن وقوله عزيته إنما هو شددته وعززته.
قُوّدنَ بالليلِ ولم يعنّين حتى تخففنَ وقد تطوينِ
أخذْنَ بالتقريبِ حتى يندينَ طورًا يقربنَ وطورًا يجريْنِ
وبالجناذِ بعد ذاك يعلين حتى إذا رفَّه عنها أفضيْنِ
يعركن بالأرضِ إذا ما يُلقينَ عرك هناء الجربِ حين يطليْنِ
حتى إذا بعثتُها تمطّينَ ثم انتفضْنَ مرةً أو اثنتيْنِ
حتى تشقّقْنَ ولما يُشقيْنَ شبه قداحِ النبعِ حين يُبريْنِ
أبو عبيدة تشققن ضمرن وهو من الأشق والأشق الضامر، وقال الأصمعي الأشق الطويل، ولما يشقين أي لم يفعل ذلك بهن للشقاء، والحِناذ أن يعتصر ماؤها، وفي أخرى:
فهي إذا رفقتُها تمطيْنَ يخلطنَ من جهلٍ وحلمٍ خلطيْنِ
وأنشد الدكين:
أعددتُ للرَّوعِ ويومَ التَشلالِ مطهَّمُ الصورةِ مثل التمثالِ
[ ١ / ١٧٨ ]
التشلال الطرد والمطهم التام الخلق.
قاظَ بقيدٍ مقفلٍ وتطوالِ في تولجٍ ممردٍ وتظلالِ
مفرجُ الرُفغِ مِرَّخى الأذيالِ فهو مُمر كقناةِ المنوالِ
حتى إذا كان غداةُ الإرسالِ وأشرف الديرُ له والطربالِ
وصاح من مبرذِن وبغّالِ وجعلَ السوط شمال الشّمالِ
بشرٌ منه بصهيلٍ صلصالِ بين خفاقي مأزقٍ ذي أهوالِ
جاء يفدّي بالأبين والخالِ ينجّيه من مثلِ حمامِ الأغلالِ
وقع يد عجلى ورجل شملالِ ظمأى النِسا من تحتِ ريّا من عالِ
ينبثنَ نبثًا كالجراءِ الأطفالِ بسلطاتٍ كمساحى العمالِ
خضرُ النواحي ريّثاتُ الأنصالِ كأنما غلامُنا في تَلتالِ
يرمي به المنسجُ جالًا عن جالِ تطاوحِ الأرجاء مدلاة الدالِ
على ضروعٍ كقرونِ الأوعالِ يخرجنَ من قرطفٍ جونٍ منجالِ
وقال لا أملكهُ على حالِ بهبةٍ مني ولا بيع غالِ
قد فسرنا ما يحتاج إلى التفسير منها فيما تقدم.
وأنشد ابن الأعرابي:
[ ١ / ١٧٩ ]
يا رُب مُهرٍ مزعوقٍ مقيّلٍ أو مغبوقٍ
من لبن الدهمِ الرُوقِ حتى شتا كالذعلوقِ
أسرعُ من طرفِ الموقِ وذي جناحٍ أو فوقِ
وكل شيءٍ مخلوقِ
الذعاليق بقل شبيه بالكراث يلتوى طيب يؤكل، وقال آخر:
ورَبربٌ حمّاضُ يطعنَ بالصياصي
ينظرنَ من خصاصٍ بأعينٍ شَواصِ
كفلقِ الرصاصِ يأكلنَ من قُرَّاصِ
أو ٥ حمصيص واصِ
تمت معاني الخيل والحمد لله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
[ ١ / ١٨٠ ]