قال عدي يصف الفرس والعير:
كأن ريقَه شؤبوبُ غاديةٍ لما تقفَّى رقيبُ النقعِ مُسطارا
يربي عليه تجاه الركبِ ذو دركٍ بالعقبِ إن لم يدم الجلزِ إحضارا
ريقه أول عدوه وريق الشباب وروقه سواء وهو أوله وجدته، والشؤبوب سحابة قليلة العرض شديدة الوقع عظيمة القطر، فضربه مثلًا لعدوه، وغادية أمطرت بالغداة، ولما تقفي يعني الفرس يريد لما تولي في أثر الحمار، رقيب النقع أي مراقبًا لنقع الحمار وهو غباره، مسطارًا أراد مستطارًا أي ذاهب الغبار من حدته، يربي عليه يعني الفرس يدرك ما طلب، والعقب عدو بعد العدو الأول، والجلز معظم السنان وأغلظه، يقول إن لم يدركه صاحبه فيطعنه حتى يدمي الجلز فإنه يدركه في العقب، وقال ابن الرقاع ووصف فرسًا يطرد عانة:
فرمى به أدبارَهُن غلامنا لما استتبّ به ولم يستدخلُ
استتب تتابع، ولم يستدخل أي لم يدخل الحمر دواخل الأرض
[ ١ / ٦٤ ]
ولكن جاهر الصيد كما قال زهير:
متى نره فإننا لا نختاله
وقال يزيد بن عمرو الحنفي:
نعم الألوك الوك اللحم ترسله على خواضبٍ فيها الليلَ تطريبُ
الألوك الرسالة، يقول ترسله فيأتيك باللحم أي يصيدك.
وقال أبو داود:
يزيّنَ البيتَ مربوطًا ويشفي قرم الركبِ
يقول إذا قرموا إلى اللحم ركبوه فصادوا عليه.
وقال آخر - خالد بن الصقعب:
وتُشبِع مجلسَ الحييْنِ لحمًا وتُبقي لِلإماءِ من الوَزيمِ
الوزيم البقية، يقول يفضل بعد شبعهم للإماء.
[ ١ / ٦٥ ]
وقال عوف بن الخرع يصف فرسًا:
فأثنتْ تقودُ الخيلَ من كل جانبٍ وقال الصديقُ قد أجادوا وأنعموا
هنالك لا تُلقي عليها هشيمةً لبخل ولكن صيدها متقسَّمُ
تقول الخيل أي تقاد الخيل إليها ليسابق بها، أجادوا جاؤوا بها جوادًا، وأنعموا زادوا ومنه يقال دققت الدواء فأنعمت، والهشيمة الصيد يقول لا يحملونه على هذه الفرس كما يفعل من يبخل ولكنه يقسم.
وقال عبد المسيح بن عسلة:
وعازبٌ قد علا التهويلُ جنبتَه لا ينفعُ النعلُ في رقراقِه الحافي
باكرته قبل أن تلغي عصافِره مستخفيًا صاحبي وغيره الخافي
لا ينفعُ الوحشَ منه أن تحذّره كأنه معلقٌ فيها بخطافِ
عازب نبت بعيد ليس فيه أحد، والتهويل الألوان من الحمرة
[ ١ / ٦٦ ]
والصفرة في نور البقل، والجنبة شجر من الحمض والخلة، لا ينفع النعل الحافي فيه من كثرة نداه، ورقراقه ما رق منه، تلغي تصيح، مستخفيًا صاحبي أي فرسي أخفيه لئلا يعلم به الوحش، وغيره الخافي أي مثله لا يخفي لطوله وإشرافه، وقال سلامة بن جندل:
والعادياتُ أسابيُّ الدماءِ بها كأن أعناقها أنصابُ ترجيبِ
العاديات خيل تعدو، قال الله ﷿ والعاديات ضبحًا، تعدو وتضبح والضبح صوت يخرج من حلوقها عند العدو، والأسابي طرائق الدم واحدها إسباءة، أنصاب ترجيب جمع نُصب وهو الذي ينصب لذبح رجب، شبه أعناقها لما عليها من الدم بالحجارة التي كانوا يذبحون عليها، وكان الفرس إذا عقر عليه خضبوه بدم الصيد وكذلك البازي إذا صاد شيئًا من عظام الطير، وقال أبو عمرو واحد الأسابي إسباء.
وقال امرؤ القيس وذكر الفرس:
وقام طُوال الشخصِ إذ يخضِبونه قيامَ العزيزِ الفارسي المنطَّقِ
يقول يخضبونه بدم ما يصاد عليه. وقال الأعشى:
بمشذبٍ كالجذعِ صا كَ على حواجبهِ خضابَه
صاك لزق والمشذب الطويل وقال العباس بن مرداس:
[ ١ / ٦٧ ]
صنيعًا كقارورةِ الزعفرا نِ مما تُصانُ وما تُؤثرُ
إذا شاء أربابُها لم يزل خضاب بلبتها أحمرُ
يصاد اعتباطًا عليها الظلي م في القطر والفرأ الأقمرُ
الفرأ حمار الوحش، وقال ابن مقبل:
وغيثٌ تبطنت قُريانه إذا رفه الوبلُ عند دُجنَ
ذعرتْ به العيرُ مستوزيًا شكير جحافله قد كَتِنَ
مستوزيًا متهيئًا، شكير جحافله صغار الشعر على جحافله، كتن لزج واتسخ، ومثله له:
والعيرُ ينفخُ في المكنانِ قد كتِنت منه جحافلُه والعَضرسِ الثُجَرِ
والمكنان نبت وإنما ينفخ فيه لأنه قد سنق من الكلأ، والعضرس نبت أحمر النوار إلى السواد، والثجر جماعات متفرقة الواحدة ثجرة
[ ١ / ٦٨ ]
وواحدة المكنان مكنانة، وقال معاوية بن مرداس:
وعازب عاشبٌ قفرٌ مساربه تلقي أوابده عِينا وأثوارا
باكرتُه بكرةٌ أخشى اللقاءَ به أقودُ منجردًا كالسِيد عَيّارا
يكاد في شأوه لولا أسَكنّه لو طارَ ذو حافرٍ من شدِّهِ طارا
فاخترتهنَ ولم تُنجَد مغابنه وكنتُ لا بد إذ عاديتُ مختارا
عاديت واليت بين اثنين كما قال امرؤ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة
وقوله: لم تنجد لم تعرق والنَجد العرق، فاخترتهن يقول اخترت منهن. وقال المرار العدوي:
نبعثُ الحُطّاب أن يعدي به يبتغَى صيدَ نعامٍ وحمرِ
يقول نبعث من يحتطب لأنا نثق بأنه يصيد، وقال الهذلي وذكر خمارين:
وقد لقيا مع الإشراقِ خيلًا تسوفُ الوحشَ حسبها خياما
السائف الصائد وأصله و- هو - يسوف يصيد، وقال زياد - بن منقذ - لعدي أخو المرار:
[ ١ / ٦٩ ]
من غير عُرى ولكن من تبذلهم للصيدِ حين يصيحُ السائفُ اللحِمُ
وقال عدي بن زيد:
شاءنا ذو ميعة يُبطِرنا خمر الأرض وتقديم الجُننِ
شاءنا أعجبنا ما نرى منه وهو من شؤت به، قال - الحارث بن خالد المخزومي:
مر الحمول فما شأونك نقرة " ولقد أراك تشاء بالأظعان
يريد سرّنا، ذو ميعة ذو نشاط، يبطرنا يعجلنا عن أن نتقدم إلى خمر أو جنة توارينا من الصيد، وأصل يبطرنا يدهشنا والبطر والدهش واحد.
يرأب الشدُ بسحٍ مرسلٍ كاحتفالِ الغيثِ بالمزنِ اليفنِ
يرأب الشد بسح مرسل أي يصلح شده بسرعة، والاحتفال الاجتماع، والمزن السحاب، واليفن الشيخ البالغ، يقول قد بلغ هذا السحاب الغاية وكثر ماؤه، وهو من المقلوب إنما هو كاحتفال المزن اليفن بالغيث.
أنسل الذرعانُ غربَ خذم وعلا الربرب أزم لم يَدُن
أنسل أي خلّف الذرعان خلفه فنسلت، ويقال أسقطها من قولك نسل وبر البعير أي سقط، والذرعان أولاد البقر واحدها ذرع، وإنما يطلب الكبار منها، غرب نشاط، خذم سريع، أزم عض لأن الفرس
[ ١ / ٧٠ ]
يعض على لجامه إذا أرسل، وإنما أراد العدو الذي يكون فيه العض لا العض، لم يدن لم يضعف من قولك دان يدون دونًا وأُدِين إدانةً أي أضعف، أبو عمرو لم يُدَنّ لم يقصر وأنشد:
يا من لقوم رأيهم خلف مدَن
وقال عدي بن زيد وذكر الحمار والفرس:
متى يهبطا سهبا فليس حماره وإن كان علجًا مُضمرَ الكشحِ طالعا
السهب المنصوب من الأرض، علجًا غليظًا، يقول متى صارا في السهب فليس الحمار بمنفلت منه حتى يطلع أي يشرف من ذلك السهب.
تردَّين ثوبًا واستغاثَ بمغولٍ يضيفُ ويُعطي الغرب غربًا منازعا
تردين ثوبًا من الغبار، بمغول يعني فرسًا يغتال جريهن فيذهب به حتى يتركهن دون الغبار، ويقال مغول فرس يغول الأرض في جريه، ويضيف يجليء ما يطرد من الوحش ويخرجها من قولك فلان مضاف إلى كذا وكذا، قال ويعطي الغرب غربًا من جريه ينازعه به.
فلما استدارَ واستدرنَ بريق يُحلن به دون الغبارِ شوافعا
يريد لما بعد وبعدن - وذلك أن الفرس وكل عاد يبعد عنك فأنت تراه من بعيد وهو في حال عدوه كأنه يدور كما قال ذو الرمة:
حتى إذا دومت في الأرض
أي بعدت حتى رأيتها كأنها تدور، يقول فلما بعد الفرس وبعدت
[ ١ / ٧١ ]
بهذا الريق من العدو، يخلن به أي يخلن الوحش به دون الغبار أي مع هذا الفرس وهو دون غبارهن قد كاد يلحقهن فهو دون غبارهن لأن الغبار يتأخر عنهن فيخلن مع الفرس وهو دون غبارهن شوافعا، وقال الحرمازي: يحسب الواحد اثنين، وأنشد للبعيث:
وتيهُ مروراة تخالُ شخاصَه يحلنَ بأمثالٍ فهنَ شوافعُ
وقال لبيد:
يُغرق الثعلب في شرّته صائبَ الجذمةِ في غير فشلِ
الثعلب من القناة ما دخل منها في السنان، ويقال لما دخل فيه الثعلب من السنان الجبة، وأنشد في صفة الطعنة:
تغادرُ الجبّةَ محمرةً بقانئٍ من دمِ جوفٍ جميسِ
وشرته نشاطه وحدته، وقوله يغرق الثعلب يقول إذا طعنت عليه الطريدة أغرق ثعلب الرمح فيها من حدته وشدة جريه، صائب قاصد، والجذمة السوط، يقول إذا ضرب بالجذمة عدا عدوًا صائبًا غير منتشر، وجمع الجذمة جذم، والفشل الانتشار والفساد، والمعنى صائب عند الجذمة كما يقال ناقة رقود - الحلب - ٥ - أي رقود عند الحلب، وقال غير الأصمعي الجذمة السرعة والذهاب ومنه
[ ١ / ٧٢ ]
قيل أجذم فلان في سيره وأنشد - للربيع بن زياد:
حرّق قيسٌ عليّ البلا دِ حتى إذا اضطرمت أجذَما
وأنشدنيه السجستاني عن أبي عبيدة - للبيد:
يمكن الثعلب إن ثوّرته صائب الجِذمةِ من غير فَشَلِ
من نسا الناشِط في شِرّته ورئيسُ الأخدرياتِ الأولِ
أي يلحق الناشط فيمكن ثعلب الرمح من نساه، ونسا - رئيس - ٥ - الأخدريات، والناشط الثور، وقال أبو داود يصف فرسًا أنثى صاد عليها الوحش:
فلَهزتهنَ بها يؤّل فريصُها من لمعِ رابِئنا وهنَ غَوادي
يقال قد ألّ يؤل إذا أسرع في السير ويقال ألّ لونه يؤل إذا صفا وبرق ويكون يؤل في هذا البيت منهما جميعًا يقول لما لمع إلينا الرابيء بالوحش ركبت الفرس في آثارهن، وقال زهير:
ولقد غدوت على القنيص بسابح مثل الوذيلة جرشع لأم
الوذيلة الفضة أراد في صفاء شعرته وملاسته مثل قول الآخر - وهو سلمة من الخرشب:
كأن مسيحتي ورق عليها
[ ١ / ٧٣ ]
وقال آخر - وهو عبد الله بن سلمة -:
تُعلى عليه مسائح من فضة
وقال الفرزدق:
ووفراء لم تُخرز بسيرِ وكيعةٍ غدوتَ بها طيَّا يدي برشائها
ذعرتُ بها سربًا نقيًا جلودهُ كنجمِ الثّريا أسفرتْ من عَمائها
وفراء وافرة يعني فرسًا، وكيعة وثيقة الخلق شديدته وكل وثيق شديد فهو وكيع، يقال دابة وكيع. وسقاء وكيع ويقال استوكعت معدته إذا اشتدت وقويت، طيًا ضامر البطن، وقال ابن مقبل:
يُردي الحمارُ لزامًا وهو مبتركٌ كالأشعبِ الخاضعِ الناجي من المطرِ
يردي يهلك، لزامًا يلزمه، وهو مبترك أي معتمد، والأشعب الظبي وإنما يقال له أشعب إذا كان بعيد ما بين القرنين شبهه به في عدوه لا في خلقه.
[ ١ / ٧٤ ]