قال زهير:
تميمٌ علفناه فأكمل صنعه فتم فعزّته يداه وكاهلهُ
تميم تام، ويروي فلوناه أي فطمناه ويقال له إذا فطم فلوٌّ. عزته يداه وكاهله أي صار أعظم شيء فيه يداه وكاهله وهذا من صفة الجياد. وقال زهير:
وعزّتها كواهِلِها وكلّتْ سنابِكُها وقدّحت العيون
وقال أبو زبيد يصف الأسد:
إذا سار عزّته يداه وكاهله
وقال امرؤ القيس:
ورحنا وراحَ الطِرفُ ينفضُ رأسَه متى ما ترقُ العينُ فيه تسهّلُ
[ ١ / ٨٣ ]
ينفض رأسه من النشاط، يقول إذا رفع رأسه إليه ناظر رأى ما يعجبه فسهل وهذا مثل قولهم: صعد فيه البصر وصوبه، وقال رجل من جشم:
طِرف غدونا بسواد نستره
نستره مخافة العين عليه. وقال عنترة يذكر فرسه الأغر وإحسانه إليه:
أراه أهلُ ذلك حين يسعى رعاءَ الناسِ في طلبِ الحلوبِ
الحلوب جمع حلوبة وهي النوق تحلب، يقول أفعل ذلك به إذا اشتد الزمان وطلب الرعاء الحلوب في الإبل لشدة الزمان.
فيخفُقُ مرةً ويفيدُ أخرى ونفجع ذا الضغائنِ بالأريبِ
يخفق يخيب، أخفق الرجل، ويفيد يغنم، ونفجع نصيب ذا العداوة والحقد بالأريب وهو العاقل وهو الداهي أيضًا، وقال آخر - وهو أوس بن حجر -:
فأعقب خير أكلٍ أهوجٍ مِمْرَج وكل مفداةِ العُلالةِ صِلدمِ
[ ١ / ٨٤ ]
أي أعقبتهم خيلهم هذه خيرًا مما قاموا عليها وصنعوها، والأهوج الذي يركب رأسه، والممرج الكثير الجري، وقوله مفادة العلالة يقال لها إذا طلب علالتها وهي بقية جريها: وَيها فدى لك، ومثله لطفيل:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير تعقب
والعرب لكثرة انتفاعها بالخيل تسميها الخير، قال الله ﷿: " إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب " ذكروا أنه لها بالخيل وبالنظر إليها حتى فاتته صلاة العصر، وقال أبو ميمون العجلي:
فالخيل والخير كالقرينين
وقال خالد بن الصقعب النهدي:
يُصَبُ لها نطافُ القومِ سرًا ويَشهدُ خالُها أمرَ الزعيمِ
أي تؤثر بالماء لنفاستها، وخالها صاحبها، يقال أنه لخائل مال وخال مال - إذا كان حسن القيام عليه، والزعيم الرئيس، أراد أن لفارسها قدرًا فالرئيس يشاوره في أمره، وقالت ليلى الأخيلية:
حتى إذا برز اللواءُ رأيتهُ تحتَ اللواءِ على الخميسِ زعيمًا
وقال أبو ذؤيب:
[ ١ / ٨٥ ]
قصر الصبوحَ لها فشُرّج لحمها بالنِيّ فهي تثوخُ فيها الأصبعُ
قصره حبسه عليها لا يفارقها، فشرج لحمها أي صار ضربين شحمًا ولحمًا والشريج كل شيء مختلط، تثوخ وتسوخ واحد ساخت رجله في الأرض ثاخت، والمعنى أن عليها من الشحم واللحم ما لو غمزت فيه إصبعك لم تبلغ العظم أي لم تجد حسه، قال الأصمعي هذا من أخبث ما نعتت به الخيل والجيد قول الآخر، أنشدنيه عبد الرحمن عن عمه:
كثيرٌ سوادُ اللحمِ ما كان بادِنًا وفي الضمرِ ممشوقُ القوائمِ حوشبُ
يعني أن الفرس إذا كان سمنه بربو لحمه وكثرته ولم يكره الشحم فذاك أحمد له وإذا كانت المرأة كذلك كانت عضلة وسمنها بالشحم أحمد.
وقال الشمردل اليربوعي:
نبيتُ نَلحفه طورًا ونغبقه شحمَ الذَري وقَراحَ الماءِ نَغتبقُ
أي نغبقه اللبن الذي هو شحم لأنه يذهب بالشحم إذا در، ونغتبق نحن الماء القراح أي نؤثره به، ومثله - للشماخ:
[ ١ / ٨٦ ]
إذا دَعَت غوثُها ضراتَها فزعت أطباقُ نِيّ على الأثباجِ منضودُ
يقول هي سمان فإذا احتاجت إلى الدر أتتها شحومها بالدر، وقال يزيد بن خذاق العبدي:
وداويتُها حتى شتَّت حبشيةٌ كأن عليها سندسًا وسدوسا
أي ألقت شعرها وطرّت فكأن عليها هذا السدوس، قال أبو عبيدة هي الطيالسة وهو بالضم، وقال الأصمعي السدوس الطيلسان وهو بالفتح واسم الرجل سُدوس، قالوا غلط الأصمعي وهو بالضم، وداويتها سقيتها اللبن وصنعتها والدواء اللبن، وقال آخر - وهو ثعلبة بن عمرو العبدي:
وأهلكَ مهرَ أبيكِ الدوا ء ليس له من طعامٍ نصيبِ
الدواء اللبن وإنما أراد طلبه اللبن وهو لا يجده، ومثله قول جرير:
لما تذكرتُ بالديرينِ أرّقَني صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيسِ
أي تذكرت المسير فأرقني انتظار الديوك أن تصيح، والنواقيس أن تضرب فأرتحل - وقال آخر:
جزتني ما خفنتُ لها عيالي وكرّي في المقيظِ لها لقاحي
وإعمالي لها رَسفُ المطايا تكُر على الكلالةِ والرُزاحِ
[ ١ / ٨٧ ]
حفَنت أي أعطيتهم أحفن لهم حفنًا لا أبالي كيف أعطيهم، وكرّي لقاحي لها أسقيها لبنها مرة بعد أخرى، والرسف والرسفان والرسيف واحد وهو ضرب من السير مقارب الخطو أي يأتيها بالماء، يقول إن اللبن لها طعام والماء لا تجد منه بدًا، ومثله لمالك بن نويرة:
جزاني دوائي ذو الخمارِ وصنعتي بما باتَ أطواء بنيَّ الأصاغرُ
رأى أنني لا بالقليلِ أهورهُ ولا أنا عنه في المواساةِ ظاهرُ
ذو الخمار فرسه، وصنعتي من قولك صنعت الدابة أي قمت عليها، أهوره أي لا أظن القليل يكفيه يقال هو يهار بكذا أي يظن به قال بعض الرجاز:
قد علمتْ جِلادُها وخُورُها أني بشربِ السَّوءِ لا أهورها
أني لا أظن القليل يكفيها ولكني أطلب لها الكثير، والخور الضعاف وقال زهير يصف الفرس:
صدّت صدودًا عن الأشوالِ فاشترفتْ قُبلًا تقلقَلُ في أفواهها الحكمُ
[ ١ / ٨٨ ]
يقول صدفت عن الماء لأن عادتها أن تسقي اللبن.
وقال ابن مقبل:
فيهم تجاوبَ أولادُ الوجيهِ إذا صامَ الضُّحى تقدع الذِبّان بالنُّخَرِ
من كل أهوجٍ سرداحٍ وهيكله تقات يوم لِكاكِ الوِردِ في الغُمَرِ
تقدع الذبان بالنخر تطردها بأفواهها، والنخر جمع نخرة، ويروي تقدع الذبان كالشُجُر: وهو جمع شجار وهي عيدان الهودج، شبه الخيل في ارتفاعها بذلك، لكاك الورد ازدحامه، والغمر القدح الصغير تقات فيه اللبن لأنها تضمر.
وقال أبو داود:
وقصرنا الشتاء بعد عليه فهو للذَودِ أن يقسَّمن جار
يقول حبسنا الإبل عليه الشتاء كله يشرب ألبانها، فهو لها جار من أن يغار عليها فتتقسم لأن صاحبه يقاتل عليه من يريدها ويلحق من أغار عليها فيردها.
علِقتْ هابتي بهنَ فما يم نعُ مني الأعنةَ الإقتارَ
أي أولعت بالخيل فما يمنعني إقتاري من اتخاذهن حتى أوسر.
وقال عنترة لامرأته:
لا تذكري مُهري وما أبليته فيكون جلدكِ مثل جلدِ الأجربِ
[ ١ / ٨٩ ]
أي لا تلومي فيه فأُنزل بك ما أنزل من الاتعاب.
إن الغبوقَ له وأنتِ مسوءةٌ فتأ وهي ما شئتِ ثم تحوَّبي
التحوب التوجع، وقال آخر - وهو طفيل الغنوي:
من الغيظ في أكبادنا والتحوب
كذبَ العتيقُ وماء شنٍ باردٍ إن كنتِ سائلتي غَبوقًا فاذهبي
يقول عليك بالتمر والماء البارد ودعي اللبن لفرسي، يقال كذب عليكم الحج، معناه الزموا الحج، فإن سألتني غبوقًا فاذهبي أي أنت طالق.
إن الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ إن يأخذوكِ تكحّلي وتخضبي
ويكونُ مركبكِ القعود ورحله وابن النعامةِ يوم ذلك مركبي
ابن النعامة فرسه، وقال بعضهم ابن النعامة الخط الذي في أسفل رجله في وسطها فاحتج بقوله - والبيت لعنترة أيضًا:
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوةً أقرَن إلى شر الركابِ وأجنبِ
فقال كيف يكون فرسه مركبه وهو يريد أنها إذا أخذت كُحِّلت وخضِّبت وإنما تؤخذ إذا اُسر فإذا أُخذ قرن إلى بعض الركاب وجنب كما يفعل بالأسير.
وقال ابن الأخيذ:
[ ١ / ٩٠ ]
أوكّل بالخِرازةِ كل عامٍ ويُقسَمُ بيننا لبن المصورِ
يريد أوكل بخرز الشكاء وهي جماعة شكوة وهي المزادة للغزو في كل شتوة، والمصور القليلة اللبن.
أحاذِرُ أن أصادَفَ في الروايا على رجلٍ كتابعةِ الكسيرِ
يقول أحاذر أن أصادف في هذه الإبل ولا فرس معي فأكون كالكسير الذي لا يقدر على النجاء، وقال يصف الفرس:
سليم شظَى اليدين تُرد فيه عُلالة كل مُبسئَة دَرورِ
العلالة حلبة بعد الدرة الأولى، والمبسئة الطيبة النفس بالحلب، وقال امرؤ القيس:
تقدمني نَهدة سَبوحٍ صلّبها العُضُ والحِيالُ
العض القت والشعير وهو يصفون الحائل من النوق والخيل بالصلابة والحائل التي لا تحمل.
وقال أبو النجم:
من كل شَوهاء عوان بِكر حالتْ حيالًا لم يكن عن عُقرِ
الشوهاء الحسنة، عوان حملت غير مرة، وهي بكر لم تلد شيئًا لأنها تخدج أولادها.
[ ١ / ٩١ ]
وقال الكميت يصف خيلًا:
أبدأنَ لالّو فيما قال ناعتها من صنعة ضامت الولدان في الحلَبِ
لالو يقول لا يقول ناعتها ما أحسنها لو كان أتم فزادها كذا، لأنه قد أحكم القيام عليها فتمت، ضامت الولدان يقول أصار أولادنا إلى الضر إيثارنا خيلنا باللبن عليهم.
إذا الصبوحُ لهم أسآر ما تركت بعد التعلّجِ والتَحساءِ في العُلبِ
لهم للولدان أسآر بقايا ما تركت الخيل مما فضل عنها بعد التعلج وهو الانتقاض من الامتلاء.
لا ينضحُ الصارباتَ الوطبَ من يُبُس لحالبٍ قبل أن يروينَ مصطربِ
لا ينضح السقاء صارباته بالماء حتى ينظرن هل يفضل عن الخيل أم لا، والصارب الذي يجمع اللبن في السقاء أراد الحلب، ومصطرب جامع.
[ ١ / ٩٢ ]
لا يخدع الألُ بالموماةِ أعينها من شربهنَ عن الأشوالِ في القِرَبِ
يقول لم يغر السراب قُوّامها فيُهريقوا ما بقي من الماء في قربهم الذي رفعوه لها، والشول دلو من ماء يبقى في القربة.
حتى يُصَبَّ لها فضلُ النطافِ إذا ما كدّر الماحة الساقون ذا القُلُبِ
النطاف الماء، ذا القلب يعني الذي في القلب وهو الماء والقلب جمع قليب.
وقال عدي بن زيد:
تربّبته لم أَل في ثغباتهِ فتُبصرهُ عينٌ إذا أشير ضائعًا
الثغب الغدير العذب.
يقول لم أقصر في مشربه، ويروى: في سبغباته أي في جوعه شير عرض.
يقول: لم أقصر في الإحسان عليه خوفًا من أن تبصره العين ضائعًا.
فذلَّقته حتى ترفع لحمه أداويه مكنونًا وأركَبُ وادِعا
ذلقته ضمرته وحددته حتى ترفع لحمه في الضمر، أداويه أسقيه اللبن، مكنونًا مصونًا بحل، وأركبه وادعًا أي رافقًا به، وقال الراعي:
[ ١ / ٩٣ ]
نوضح بالحَوْم الهجانِ ونَقترى مراعيه بالمخلّصات الضوامرِ
نوضح نظهر أي أنا نستر بأنفسنا لا نخشى فنورى، والحوم الكثير من الإبل، والمخلصات خيل خالصات، نقترى نتبع.
بجرد عليهنَ الأجلّة سويت بضيق الشتاءِ والبنينِ الأصاغرِ
وقال خداش بن زهير:
ما إن يرودُ ولا يزال فِراغه طحلًا ويحفظهُ من الاعيالِ
الفِراغ حوض من أدم، طحلًا أي وسخًا، والاعيال سوء الغذاء من عيّل الرجل عِياله إذا أساء إليهم، ويروى الاغيال وهو الحمر والبشم، يقول لا يقضمه الشعير وأنشد ابن الأعرابي:
ومنتخبٌ كأن هالةَ أمه سبيه الفؤاد ما يعيش بمعقولِ
قصّرنا عليه بالمقيظِ لقاحنا فعيّلنه من بين عَشى وتقييلِ
قال: هالة الشمس، والهالة الدارة حول القمر، قول غيره أخبر أنه
[ ١ / ٩٤ ]
كريم كأن الشمس ولدته، سبيه الفؤاد ومسبوه الفؤاد واحد أي كأنه مجنون من نشاطه، والعشى العشاء والتقبيل شرب نصف النهار، وعيلنه هاهنا مثل علنه وليس مثل الاعيال في البيت الأول، أنشدني عبد الرحمن عن عمه للنابغة:
ومعلّقين على الجيادِ حَليّها حتى تصوبَ سماؤهم بقطارِ
قال الحلى إذا كان رطبًا فهو نصى، يقول يعلقون عليها الحلى لتأكله حين لا يكون في الأرض نبت حتى تصوب السماء لهم بقطر فيحيا لهم النبت. ورواه غيره: ومعلقين على الجياد حُليها، بضم الحاء وفسره لجمها وفسر حتى يصوب سماؤهم حتى يوقعوا.
وهو نحو قول الآخر:
أبوكَ الذي نئبت يحبسُ خيلَه حذار الندى حتى يجفَّ لها البقلُ
قال الندى هاهنا النشر، والنشر نبت ينبت عن مطر يكون في الصيف بعد يبس الكلا والخيل إذا رعته دويت، فيقول: أبوك عالم بالخيل فإذا جاء ذلك الوقت حبسها حتى يذهب ذلك عنها، وفسر هذا البيت فقيل: إنما حمّقه بهذا لأن الحافر كله لا يضره السُهام والسُهام داء يعتريها من النشر إذا رعته وإنما يضر الإبل، ويقول: فأبوك يحبس خيله من أن تُسهَم لقلة علمه بالخيل.
وأنشد للأحمر:
[ ١ / ٩٥ ]
سَقى سَكَرًا كأسَ الذُعافِ عشيةً فلا عاد مخضرًا بعشبِ جوانبه
سكرًا جمله، وكان رعى النشر فسُهِم، قال الأصمعي الخيل تدوى من النشر وإن لم تسهَم.
وقال علقمة بن عبدة وذكر خيلًا:
تتبعُ جُونا إذا ما هُيّجت زَجِلت كأن دُفًا على العَلياء مهزوم
هذه خيل تتبع جونًا أي إبلًا تسقى ألبانها، إذا ما هيجت زجلت يريد أنها تهيج عند الحلب فتحانُّ أي تحن بعضها إلى بعض، ومهزوم مشقوق يقول كأن فيه خرقًا فهو أبح لصوته.