- د -
فيأنسون بهم ويجدون عندهم الهداية لخير ما يعرفون؛ وقد تخرج في دكاكين الوراقة علماء وأدباء قادوا النهضة الفكرية في العالم العربي، وبرزت آثارهم بين التراث الثقافي مراجع أولى للدارسين.
* * *
ومن بين هؤلاء الوراقين سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشيمي بن القاسم، الإمام أبو حاتم السجستاني، البصرى، الكوفى، المقرى، صاحب كتاب المعمرين، وكتاب الوصايا اللذين أنشرهما في هذه الطبعة، فقد كان جماعة للكتب، يتجر فيها، وكان إمامًا في علوم اللغة والأدب، والقرآن والشعر، وصاحب مؤلفات عديدة، ذكرها ابن شاكر المؤرخ في كتابه "عيون الأخبار" - مخطوطة رقم ١٤٩٧ تاريخ بدار الكتب المصرية - فقال:
"وله كتاب إعراب القرآن، وكتاب ما يلحن فيه العامة، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المقاطع والمبادئ، وكتاب القراءات، وكتاب الفصاحة، وكتاب الوحوش، وكتاب اختلاف المصاحف، وكتاب الطير، وكتاب النخلة (^١)، وكتاب القسى والنبال والسهام، وكتاب السيوف والرماح والدرع والفرس، وكتاب الحشرات، وكتاب الهجاء، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الإدغام، وكتاب اللبن والحليب، وكتاب الكرم، وكتاب الشتاء والصيف، وكتاب النحل والعسل، وكتاب الإبل، وكتاب العشب، وكتاب الخصب والقحط، وكتاب الأضداد، وغير ذلك".
وقد ولد أبو حاتم السجستاني في وقت ما حوالى سنة ١٦٠ هـ (٧٧٦ م) ومات في سنة ٢٤٨ هـ، أو سنة ٢٥٠ هـ، أو سنة ٢٥٤ هـ على ما عليه الخلاف بين الرواة؛ وبين هذين الزمنين، المولد والوفاة، عاش أبو حاتم السجستاني حياة طويلة، نشأ فيها تلميذا على الأخفش، إمام اللغة، فقرأ عليه كتاب سيبويه مرتين؛ وجلس إلى العلماء
_________________
(١) طبع في بالرمو بصقلية سنة ١٨٧٣، وقد نشره الأستاذ "لاغومينا"، ومعه ملحوظات باللغة الإيطالية.
[ ٤ ]
- هـ -
غيره، وروى عنهم، أمثال أبي عبيدة، وأبي زيد، والأصمعي، وعمر بن كركرة، وروح بن عبادة؛ ثم صار أستاذا يحضر حلقته في مسجد البصرة المتأدبون، أمثال أبي العباس المبرد، العالم اللغوى المشهور، وقد روى عنه أبو بكر بن دريد عالم اللغة.
ويروى الإمام العالم جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١٠ هـ (١٥٠٤ م) في كتابه "بغية الرواة" صحيفة ٢٦٥ من الطبعة الأولى المطبعة السعادة سنة ١٣٢٦ هـ أن أبا حاتم السجستاني دخل بغداد، فسئل عن قوله تعالى: "قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". ما يقال منه للواحد؟
فقال: قِ.
فقال: فالاثنين؟
فقال: قِيَا.
قال: فالجمع؟
قال: قُوا.
قال: فاجمع لى الثلاثة.
قال: قِ، قِيَا، قُوا.
قال: وفى ناحية من المسجد رجل جالس، معه قماش، فقال لواحد: احتفظ بثيابي حتى أجيء.
ومضى إلى صاحب الشرطة، فقال: إلى ظفرت بقوم زنادقة، يقرءون القرآن على صياح الديك.
قال: فما شعرنا حتى هجم علينا الأعوان والشرطة، فأخذونا، وأحضرونا مجلس صاحب الشرطة، فسألنا، فتقدمت إليه وأعلمته الخبر.
وقد اجتمع خلق من خلق الله ينظرون ما يكون.
فعنفنى، وعذلنى، وقال: مثلك يطلق لسانه عند العامة بمثل هذا؟!
وعمد إلى أصحابي، فضربهم عشرة، عشرة، وقال: لا تعودوا إلى مثل هذا.
[ ٥ ]