في كلمات في الزهد وترك الدنيا
نذكر في هذه المقابسة أشياء سمعناها من أبي سليمان في مجالس الأنس إن لم تكن في صدد الفلسفة فإنها لا تخرج من جملتها، ولها فائدتها التي يحتاج إليها ولا يستغنى في الأغلب عن الوقوف عليها، قلت له يوما: كيف أصبحت؟ قال: مالك الظاهر مملوك الباطن لا أفقد عدوًا، ولا التذ إلا عفوًا، إن حزنت حزنت طباعا، وإن فرحت فرحت خذاعًا، إن أنا خالطت ذممت الناس، وإن اعتزلت اجتلبت الوسواس، إن بحثت دهشت، وإن قدرت استوحشت، بهذا مسائي وصباحي، وعليه غدوي ورواحي، وأشوقا إلى وطء ذاك البساط،
[ ٢٩٥ ]
واكربا من عقد هذا الرباط، يا لها سعادة لو وجدت بالجد والتشمير، وزهد من أجلها في النقير والقطمير. وهذا كما ترى.
وحدثنا يومًا قال: اجتزت بالري متوجهًا إلى سجستان سنة من السنين، وكان بها أبو جعفر الخازن فزرته فاضيًا لحقه وسنه، لما انصرفت ابتعني برقعة يصحبها، يروي في الرقعة: بسم الله الرحمن الرحيم: من استحقر في قضاء حقوق الإخوان ما يبلغه عاجل الاستطاعة، فقد عرضها للتقصير والإضاعة، لأن الأيام لا تكاد تسعف بكل المراد، ولا تزول من عادتها في الفساد.
وجرى يوما بحضرة أبي سليمان حديث أحكام النجوم فقال: من طريف ما ظهر لنا منها إنه ولد في جيرتي ابن نباتة فقيل لي: لو أخذت الطالع؟ فأخذته وعرضته على علي بن يحيى فعمل وقوم فقال لنا فيما قال: هذا المولود يكون
[ ٢٩٦ ]
كذب الناس! فتعجبنا منه! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعرًا كما ترى، معدودًا في عصره ثم أنشدنا له مستحسنًا:
وتأخذ من جوانبنا الليالي كما أخذ المساء من الصباح
أما في أهلها رجل لبيب يحس فيشتكي ألم الجراح؟
أرى التشمير فيها كالتواني وحرمان العطية كالنجاح
ومن لبس التراب كمن علاه وقد تخدعك أنفاس الرياح
وكيف يكد مهجته حريص يرى الأرزاق في ضرب القداح
ثم أنشدتها ابن نباته فأقر لي بها.
وقلت لأبي سليمان يومًا: أنشدنا أبو زكريا الصميري عن ابن سمكة القمي عن ابن محارب الفيلسوف لنفسه:
صدفت عن الدنيا على حبي الدنيا ولا بد من دنيا لمن كان في الدنيا
وأدفعها عني بكفي ملالة وأجذبها جذب المخادع بالأخرى
فقال: هذا كلام رقيق الحاشية، حسن الطالع، مقبول الصورة، يدل على ذهن صاف، وقريحة شريفة، واختيار محمود، وذهن ناصع، ورأي بارع. ثم انظر إلى قول شيخنا أبي زكريا يحيى بن عدي فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب:
[ ٢٩٧ ]
لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى
لو تفرغت لاستطالت ليلي ولرعى النجوم كنت مخلًا
فقال له يحيى بعد أيام: قد عارضت خالد الكاتب في قوله! ثم أنشد:
إن يكن لا دري إلا المخلا لست تدري إن كنت تدري أم لا
أو تكن داريًا بذاك فهلا كنت تدري أطال ليلك أم لا؟
قال: وانقلب أصحابنا عنه بالضحك والتعجب؟ انظر كيف يسلب الفاضل توفيقه في وقت مع البصيرة الثاقبة بالعلم! ولم ينشدنا أبو سليمان هذه ليحيى بن عدي حتى ألححنا عليه. وكذلك إنه قال: قد دل شعره على ركاكته في هذا الفن، والستر عليه أحسن بنا.
وكان أبو سليمان يستحسن للبديهي قوله:
لا تحسدن على تظاهر نعمة شخصًا تبيت له المنون بمرصد
أوليس بعد بلوغه آماله يفضي إلى عدم كان لم يوجد؟
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري حسد النجوم على بقاء سرمدي
فقال: ما أفلح البديهي قط إلا في هذه الأبيات؟ وصدق كان غسيل الشعر، سريع القول.
فأما أبو سليمان فإنه كان يقرض البيت والبيتين، وينشدنا ذلك وينهى عن بثه عنه، ويقول: من انتحل لضعفه قوة غيره قحة وجسارة، فقد استجر إلى نفسه فضيحة وخسارة، فمن قوله:
[ ٢٩٨ ]
وإن عزوف النفوس عمن يخونني ومعطى قيادي للحبيب المؤالف
أشاطره روحي ومال وأتقي حذارًا عليه من رياح عواصف
فإن خان عهدي لم أخنه وإن أكن على ما أرى من غدره بمواقف
وأترك عقباه لعقبي فعاله ففي عقب الأيام كل التناصف
ومن قوله أيضًا:
بكيت على مفارقة الشباب وأيام البطانة التصابي
وأيام التغازل والدلال وأيام التجني والعتاب
مضت فكأنها لما تولت معقبة نفيسًا بالعقاب
لتبلي كل ملبوس جديد وتمزج كل معسول بصاب
بياض الشيب أعلام المنايا نشرن نذيرة لك بالذهاب
هو الكفن الذي يبلى وشيكًا ويأتي بعده كفن التراب
ثم قال: ألا قلال من هذا الباب أولى بنا، فلسنا من أهل هذا الفن، وسمة التقصير لائحة علينا، ودالة على نقصنا، وإن خفي ذلك بنظرنا، لأن الإنسان عاشق نفسه وليس بمؤاخذها على تقصيره. ثم قال لي: أنشدنا ما سمعنا منك لبعض الآلهيين فأنشدته:
لما تجاوز حسي وفات مسي ولمسي
ولم أزل أتقرا دليل أبناء جنسي
فلم يكن ذاك يجدي ولا يعود بالسي
رجعت نحوى بشرط يغيب عني حسي
فلاح تحت ضلوعي ما قد من قرن شمسي
فقلت هذا طريقي من غير شك ولبس
وغصت حتى تجلى وأشرقت منه نفسي
فقال أبو سليمان: ما أحسن الأدب والحكمة إذا كان هذا من ثمرها؟
[ ٢٩٩ ]
وسمعت أبا سليمان يقول للجرجاني الكاتب، وكان يحدث نفسه بالوزارة: أيها الرجل، إن الدنيا نار ذات دخان، فلو سلوت عن صلائها لدخانها، لكان أجدى وأسلم؟ فقال: أفلا أصبر على دخانها لا تنفع بضيائها، واستمتع بصلائها؟ فقال: ما أحسن هذه العارضة! لو كنت في الاستمتاع بضيائها على ثقة ومن الانتفاع بصلائها على يقين؟ وكنت إذا أدركت ذلك دام عليك وصفًا لك! فأما والعادة جارية بخلاف قولك وبضد اقتراحك وتوهمك، فلا. فقال الجرجاني: الله الموفق وهو حسبي.
فقال أبو سليمان: حكم الكتاب وأصحاب الخطابة مخايل، تصدق قليلًا وتكذب كثيرًا، ليس لها رسوخ في القلب، ولا ثبات في العقد. فلما قتل الجرجاني قال أبو سليمان: مسكين ذلك الرجل، صبر على دخانها إلى أن اختنق، وتعرض لصلائها حتى احترق. ثم قال: اللهم لا تكلنا إلا إليك، ولا ترغبنا إلا فيما لديك، ولا تعرضنا إلا لطلب ما عندك، إنا لعجزة عن قدرة نطلبها بنا، وضعفة عن قوة ندعيها فينا، أرنا الحق حقًا ثم هيئنا لإتباعه، وأرنا الباطل باطلًا ثم وفقنا للإعراض عنه، يا من يملك العيان والخبر ويرينا بهما العجائب والعبر.
قد قوي رأيي أدام الله توفيقك أن لا تكون هذه المقابسة في هذا الموضع كأنها ناكبة عن أخواتها المواضي ولكنها على حال قد أخذت بنصيبها من الحسن، ولعها تفيد بعض الفائدة.
قيل لأبي سليمان: لماذا إذا جد السؤال جد المنع به.
فقال: لأن الحال يلتبس بشيء كالإغراء والإكداء والأرجاء، فيقع للمسؤل أنه قد ظلم، وأن السائل قد اعتدى، فإذا استقر هذا في نفسه
[ ٣٠٠ ]
وتردد على باله لم يجد في عقابه شيئًا أقرب ولا أخصر من منعه ليكون ما أتاه من جنيته من جنس ما أتاه السائل من جنايته.
وهذا حفظك الله وإن لم يكن من سراة الفلسفة، ومن بحبوبة الحكمة، ومن غامض الفوائد، كان يجري مع إخوانه في مجالس هؤلاء الأعلام لسبب من الحفظ ولم يعرض لفائدة فكرهت أن لا يكون لها رسم في عرض ما روينا، وهذا الاعتذار مني قد تكرر، ولولا سوء ظني بالزمان وأهله لما رأيت أن إعادته تنفع وتكريره يفيد، والسلام.