في أن الفاعل الأول هو علة المحسوسات والمعقولات
سمعت النوشجاني يقول: قد وضح بالعبرة الصحيحة، والتصفح الشافي، والنظر البليغ، أن الفاعل الأول هو علة كل ما يرى ويوجد ويعقل ويحس لا قصد له في أفعاله، ولا غرض، ولا مراد، ولا اختيار، ولا روية، ولا توجه، ولاعزيمة، ولا معالجة، ولا مباشرة، ولا مزاولة، ولا محاولة فقال له بعض الحاضرين: لو أيدت هذا القول ببرهان ساطع، أو بدليل مقنع، كنت قد شيدت ما أسست، وقويت ما بنيت؟ فقال: إن هذه كلها دخلت أفعالنا لعجزنا وفسولتنا، وانحطاطنا وضعفنا وتهافتنا وتحولنا، وتبدلنا وسيلاننا، وجبرت مكاسر نابها، وتمت نواقصنا بمواصلتها، وانسدت مفاقرنا باستعمالها، فأما الباري الحق الذي هو واهب كل كامل كماله، وجابر كل ناقص نقصه، فهو علي عن الأغراض والعلل والمسالك.
قال له السائل: فكيف اتفقنا على أنه منعوت بالحكمة، وأفعاله على ما زعمت؟ وكيف يبان عن هذا ويتحقق حتى يخلص من خوائن اللحظ والقلوب، وسرائر اللفظ من الألسنة؟
[ ١٨٣ ]
فقال: لعمري إن في إيضاحه لصعوبة وعسرًا، وإن كان العقل قد قضى بما قدمته، وعلى صعوبة ذلك فإني اولف على التقريب قولًا عسى أن يكون للسامع فيه رضى ومقنع، إن لم يكن فيه مرآى ومسمع.
ثم ابتدأ فقال: قد وجدنا في أفعالنا ما يبدر في بعض الزمان من غير قصد مفروض، ولا مراد متوجه، ويشتمل مع ذلك على النظم والإتقان والصواب، والإحكام، والمواءمة والسلامة، حتى نتعجب من أنفسنا غاية التعجب ونتهادى الحديث به، وليس منا أحد إلا وهو يجد هذا لنفسه من فعله، أعني البادر والخارج عن قصد متقدم، وعزم مستحكم، ورأى مثبت، ومقدمة مرتبة، وحتى يظن كثير منا أن ذلك انقلب بلا مؤامرة وانبجس بلا فكرة، وانبعث بلا روية، وتم بلا قصد، وحدث بلا تقدمة وعرض بلاعلة، وكأنه كالشيء الباين بنفسه، القائم بذاته، وعند اتفاق الأمر على التئامه وانتظامه، يكثر شكرنا لله ﷿ وحمدنا إياه، فترى أنه كان صنعًا منه لنا، ولطفًا منه بنا، ويدًا سبقت بالحسنى إلينا، ونعمة من الله تعالى توالت علينا، وقد تتصل ببعض أفعالنا وأعمالنا أيضًا بالقصد والغريزة والرأي والهمة والروية، وسائر مقدمات العقل وأوائله، ودواعيه وتوابعه، ومع ذلك تزل عن شرح النظام، وتعدل عن طريق التمام، وتحيد عن سنن الغاية، ونزول عن بلوغ الحد والنهاية؛ فالأول البادر منها منهاج لنا أن نعلم أن الفاعل الأول أحكم فعله ذلك الإحكام بل أجل منه أيضًا كثيرًا وإنما ضربنا هذا المثل تمثيلًا، وأن الذي كان منا في الفينة بعد الفينة، والفرط بعد الفرط، هو الذي يكون منه على الديمومة والسرمدية على هيئة أشرف مما يعتاد ويستأنف، والثاني البادر منه أيضًا طريق لنا إلى أن نعلم نقصنا في كمالنا، وعجزنا في قدرتنا، لأن القدرة تخص، والرؤية تتقدم، والغرض ينتصب، والفعل يمكن، والتحليل يقع، ومع ذلك لا يتم الفعل ولا يصح المقصود. وفي البادر الأول يتم ذلك كله، وليس هناك داع قوي ولا ضعيف، ولا شيء
[ ١٨٤ ]
من مواجباته واه ولا حصيف؛ وبين هذين من البادرين محجة الأفعال بالاستطاعة والقدرة والقوة والتمكين والدواعي، لا يد فيها دافع، ولا يمتنع من الاعتراف بذلك ممتنع. فقد شهد العقل في مراتب هذه الأفعال بين ما بدر في الطرفين، ولين ما استمر بينهما، بأن الفاعل الأول يفعل ما يفعل بغير قصد ولا روية ولا اختيار ولا غرض، بشهادة ما بدر من الإنسان في وقت دون وقت، ولو تمت أفعال الإنسان أبدًا بلا قصد ولا رؤية ولا غرض ولا إرادة وصار هذا البادر منه مألوفًا، كانت هذه القوى فيه فضلًا أو غبثًا؛ ولو كانت أيضًا تتم أبدًا بها ومعها وعندها ومن أجلها، كان مضافًا إليها ومحمولًا عليها، غير موقظ في عرضها على أسراراها، ولا مدعو إلى البحث عنها، ولا منبه على اعتبارها واستتارها، فأعار الله هذا الإنسان هذه القوى إعارة وألبسه هذه الجلابيب إلباسًا، وصرفه فيها تصريفًا، فإن يمر بها شيء فلأن المعوق حاش هذا الإنسان إلى الإذعان والطاعة.
قلت له، وقد بلغ بهذا الموضع بعد انبهار وجهد: ولم بدر من الإنسان ما بدر في الأول؟ قال: لأن فيه جنية آلهية، وجزءًا ربانيًا، يتسق به ما يتسق، ومن أجله يتفق ما يتفق.
قلت: فلم بدر منه البادر الثاني؟ قال: لأن هيولاه عالية، وطينته سافلة، وصورته التي هو بها ما هو ممتزجة، ولا بد للهيولى من الانفعال الذي هو من شأنها، كما لا بد للصورة من الفعل الذي هو من شأنها، وكل متقدم منها فله أثر منها ظاهر إلى أن يغلب سلطان الصورة فيبطل حكم الانفعال، أو يغلب سلطان الهيولى فيبطل حكم الكمال. والترجح بين هذين هو الذي يسلك إلى الغاية التي يسعد بها وإلى النهاية التي يشقى بها. ونحن نسأل الله عصمة تقي ونعمة تزيد وتنمى
[ ١٨٥ ]
قد زال أبقاك الله عن سمعي وبصري وصدري كثير مما كان صلة لهذه الجملة والبقية كما تراها، ويصالحها العقل بالتحية والرحب، فيتلقاها إبالبشاشة والبشر، وليس يوصل إلى أعماق الفلسفة وعويص الحكمة الآلهية لا بالإشارة والإيماء، والرمز والإيماض.