في أن إنشاء الكلام الجديد أيسر على الأدباء
من ترقيع القديم
سمعت الخوارزمي الكاتب يقول لأبي اسحق الصابي بن هيثم ابن هلال: لم إذا قيل لمصنف أو كاتب أو خطيب أو شاعر، في كلمة من كلام، وقد اختل شيء منه، وبيت قد انحل نظمه، ولفظ قلق مكانه: هات بدل هذا اللفظ لفظًا. ومكان هذه الكلمة كلمة، وموضع هذا المعنى معنى؟ تهافتت قوته، وصعب عليه تكلفه، وبعل بمزاولة ذلك رأيه؟ ولو رام إنشاء قصيدة مفردة، أو تحبير رسالة مقترحة، كان عسرها عليه أقل، وكان نهوضه بها أعجل؟
[ ١٥٣ ]
فقال: وقع ما وهي يحتاج إلى تدبير قد فات أوله من جهة صاحبه الأول، ومن كان أولى به، وكان كالأب له، وذلك شبيه بعلم الغيب، وقل من ينفذ في حجب الغيب مع العوائق التي دونه، وليس كذلك إذا افترع هو كلامًا، وابتدأ فعلًا، واقتضب حالًا، يستقل حينئذ بنفسه ولا يحتاج فيه إلى شيء كان من غيره، أو يكون تعلقه بيقظته يعطيه تمام ما قد فتح عليه سده، وقدح عليه زنده، ولم يكن هكذا حاله في كلام معروض عليه لم يهجس قط في نفسه، ولا أعدله شيئًا من فكره، فقد يعجزه ما لم يتأهب له ولم يرض نفسه عليه؛ نوفي الجملة: كل مبتدئ شيئًا فقوة البدء فيه تفضي به إلى غاية ذلك الشيء، وكل متعقب أمرًا قد بدأ به غيره فإنه بتعقيبه يفضي إلى حد ما بدأ به في تعقيبه ويصير ذلك مبداله، ثم تنقطع المشاكلة بن المبتدئ وبين المتعقب.