في شرف الزمان والمكان وتفاوت الناس في الفضيلة
قلت لأبي بكر القومسي وكان كبيرًا في الأوائل: بأي معنى يكون هذا الزمان أشرف من هذا الزمان، وهذا المكان أفضل من هذا المكان، وهذا الإنسان أشرف من هذا الإنسان؟ فقال: هذا يشعر بإفاضة الزمان إلى سعادة شائعة، وعز غامر، وبركة فائضة، وخصب عام وشريعة مقبولة، وخيرات مفعولة، ومكارم مأثورة من جهة شكل الفلك بما تقتضيه بعض أدواره؛ وكذلك المكان إذا قابله أثر من هذه الأجرام الشريفة، والأعمال المنيفة. وأما الزمان الذي هو رسم الفلك بحركته الخاصة فليس فيه جزء أشرف من جزء، وكذلك المكان لأنه
[ ١٤٣ ]
رديف الزمان. ولا سبيل في مثل هذه المسائل إلى معرفة الحقائق إلا بالأمانة التي هي شاملة للعالم، غالبة عليه من محيطه إلى مركزه. وأما الإنسان فلا شرف له أيضًا على إنسان آخر، من جهة حده الذي هو الحياة والنطق والموت، لأن الحد في كل أحد واحد، فإذًا لا شرف من هذا الوجه، فإن اعتبر بعد هذا، فعل هذا وفعل ذاك، من جهة الاختيار والإيثار والاكتساب والإجتلاب، فذاك يقف على الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى، بحسب ما يوجد منظومًا في نفسه، نافعًا لغيره، واقعًا موقعه الأخص منه.