في الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب
سئل أبو سليمان عن الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب، وعن التنجيم وما يقدر به على أحكام المستقبل، وعن النبوة التي هي في محلها الأعلى ومكانها الأشراف؟ فتصرف في الجواب أحسن تصرف، على سعة من اللفظ والمعنى. ولكن لو نقلت كثيرًا منه لنسبوه للكفر وقلة العناية. ومقدار الحاصل منه قد أثبته في هذا الموضع خوفًا من أن يذهب نسيًا. فإن وافتني فيه معاندة حاصلة، أو حصلت لي محالة محتملة، فما على إلا الجهد وبذل المطاق، وإذا عذرني المتكلم المنصف، لم أحفل بالمتعنت المسرف، والله يعين أهل الحق بلطفه.
قال: الكهانة قوة إلهية توجد في شخص بعد شخص بسهام سماوية، وأسباب فلكية، وأقسام علوية، فإذا توسطت صارت في منصف البشرية والربوبية، فحينئذ يكون ما يبدو بها مشيرًا إلى غيب أمور الدنيا وإلى غيب أمور الآخرة على حد يكون على سواء. والغلب مع ذلك لأمور الدنيا، لأن الإنسان بالطبيعة أكثر منه بغيرها، في الأعم الأغلب والشائع الأشمل، فإن تحدرت هذه القوة قليلًا كانت الإشارة إلى أمور عالية شريفة. ومحل النبوة بين أبناء هذه القوة بالترقي والتحدر، وكلما كان
[ ٢٢٦ ]
التباس النفس بالمزاج الموافق، وكان النور المقتبس من هذه القوة أسطع وأعلى، فعلى هذه تتبع قوة المنجم لآثار الكواكب تتبعًا ضعيفًا، لأن الآلة لا تساعده والصبر لا يوافيه، وذلك أنه يتلقى هذه الأمور المنتشرة من تلقاء نفسه ومن ناحية اختياره وقصده وبحثه وليست قوى الكاهن كذلك، أعني ليست تتبع بل هي كالإلقاء والوحي والسانح والطارئ فإن اجتمعت القوتان، أعني قوة التتبع بالصناعة وقوة الاقتباس بالكهانة، ظهر له كل أمر عجيب، وسمع كل قول غريب.
ثم قال: وعلى ما تبين فإن الكهانة أقوى إذا كان صاحبها لا يشوبها بشيء من الحس، وألقاها على صفائها ونقائها، لأن قوتها تنسكب من المحل الأعلى بنسبتها بالعلة الأولى تامة قوية وصحيحة واضحة.
قلت له: فهل يخطئ الكاهن كما يخطئ المنجم؟ فقال: نعم، وليس الخطأ محالًا منه، لأن قوته لا تبلغ الغاية في الخلاص أبدًا بسبب تركيبه الذي هو سبب استحالة ما يحاوره بنفسه.
قال له أبو العباس البخاري: فهل يخطئ صاحب النبوة؟ قال: لا، ولكن يسهو، كما في حديث ذي اليدين وسهوه وخطاؤه لا يقدحان في الحال التي رشح لها، ووشح بها، جعل سفيرًا إلى الخلق من أجلها! بل يحرس حراسة إن لم تنف عنه كل الظنة لم تعلقه كل قرفة.
قلت له في هذا الموضع: فهل يخطئ بقوة النبوة من غير أن يستقرها ويعرض للخلق من أحلها؟
[ ٢٢٧ ]
فقال: لا ولكن يعرض له خيال كما في حديث تأبير نخل الأنصار ثم رجع عن رأيه، وقال لهم: أنتم أعلم بأمور دنياكم. ولا مانع من ذلك. ولولا هذه القوة التي على حدودها ومائيتها في أشخاص العلماء والبررة ما كان يصح حدس، ولا تصدق نفس، ولا تتحقق ظن، ولا يتوضح وهم. بل هذا أمر في غاية الغلبة والظهور، حتى في كثير من أنفس العوام.
ثم حكى هذا الفاضل، أن رجلًا كان له خدام، وكان مكاريًا صاحب حمير، ويخدمه عليها غلمان ويثق به في عمله تجار كبار، وأنه في بعض طرقه وأسفاره سيب الحمير وطرح الأثقال وقال: ليأخذ من شاء ما شاء! وعاد إلى بيته على وله شديد لا ينطق بحرف، ولا يتعلق بأمر، ولا يستوضح خياله شيء، فساء أهله ذلك ومعارفه فعاتبوه وأطالوا عليه، فلما كان في بعض الأيام وقد احتوشوه بكل قول، ورموه عن كل قوس، توجه نحو الحائط وقال: يا قوم مالكم ومالي! وما هذا التعجب والإكثار؟ أما رأيتم من كان قاعدًا على مزبلة فنبعت من بين يديه عين صافية بماء كالزلال عذب حلو فشرب منها وتبجح بها وعاشت نفسه بمجاورتها وكانت سبب ريه الذي لا ظمأ بعده وطهره الذي لا دنس معه؟! هذا تمام الحكاية.
قال قائل عند هذا الفصل لأبي سليمان: حدثنا عن قلبه في هذا الموضع، فإنه قد جرى ما لا مزيد عليه ولا تقصير معه، ولا بد من انتهاز كل فرصة يحتملها هذا الباب؟ فقال: الكلام الذي يأتي به صاحب هذه القوة يظهر محتملًا للطعن وهدفًا للتهمة، وطريقًا إلى الغاية الشنيعة.
فقال: هذا بالواجب إن صاحب هذه القوة يرسل الكلام إرسالًا بحدة قوته مرة، وبتوسطها أخرى، ولها في نفسها شأن بالإضافة إلى مزاج صاحبها، بل بالإضافة إلى كل حال عارضة، وإلى كل سبب واقع. والسنة عاملة عملها، والبشرية جارية على خاصتها، فحينئذ يخرج
[ ٢٢٨ ]
ذلك الكلام بين مراتب ثلاث: في الغاية التي لا غاية وراءها، وفي الوسط الذي يعتدل فيه، وفي الطرف الأدنى، وفيما بين ذلك كله بالأرجح والأنقص والأقل والأكثر. والتأويل يركب منشورها، والظن يسري في أطرافها، والقلة تجد سبيلًا إلى التشنيع عليه. فلذلك وأشباهه يكون ذلك. على أن هذا إذا تؤمل بالنصفة مقيسًا إلى الطبائع المختلفة، والعادات المتباينة، والأعراض المتشعبة، كان في نصاب الحكمة ثابتًا، وعلى مدارجها جاريًا، وإلى أصولها وفروعها نازعًا. ولولا ضيق أعطعان الناظرين في هذه الغوامض عن التبت والإنصاف لكان يتجلى هذا كل التجلي، ويزول عنه الخلاف كل الزوال.
قلت لأبي سليمان: أليس لو صفت الحال ها هنا من عارض خطأ وسانح تأويل ومضروب مثل، كانت أبلغ في المعنى وأنفى للتهمة من القذى؟ قال: بلى، ولكن ليس كل ما شهد به العقل بصفائه وطهارته وبعده من الدنس والدرن في أفقه وعالمه، يجوز أن يوجد ذلك على كماله في عالم الحس المشوب الكدر الذي لا ثبات له ولا مستقر. وكيف يجوز أن يوجد كل ما هو بالقوة في كل شيء بالفعل في حال واحدة؟ كأنك تريد أن تعري البشرية! وهذا ما لا يكون ولا يجوز أن يكون. بل تتفاوت مراتب أصحاب هذه القوة بحسب أنصابهم منها حين انقسمت عليهم فتحلوا بها على مقادير مزاجهم وطباعهم ونهوضهم واحتمالهم، وذلك التفاوت هو الذي يعلي حال هذا عن هذا، ويحط شأن هذا عن هذا، إلى أخر أفق الإنسانية المحتملة لغاية هذه القوة العالية الشريفة. ثم إن الأخلاق والألفاظ تابعة لها على ما يبدو به من ضعف العقل والقوة والبيان واللغز والتوسط.
ثم قال: والبلاء الأعظم في أمر الأنبياء أن من الناس من يظن بهم أنهم كذبة أصحاب حيل، ومنهم من يظن أنه لا يجوز أن يقع منهم شيء من القول والفعل يتعلق بما يوجب التهمة ويجلب الشك، وكان وراء هذين
[ ٢٢٩ ]
الرأيين من هذين الصنفين القول الحق الذي لا يكون بعده تلبيس ولا تأويل، وذلك أنه ينبغي أن يعلم أن الشخص المخصوص بهذه القوة على الدرجة بها، رفيع المكان معها، ما دام يخبر بها وعنها ولا يمزجها بغيرها، فإنه حينئذ ينبئ عن أعيان الأمور وقلوب الأحوال وعواقب الأيام. فأما إذا عاد إلينا مفارقًا للاقتباس، داخلًا في عادة ذوي الإحساس، فهو كواحد من ضربائه ولداته، إن أصاب فبفطنته، وإن أخطأ فبفطرته. لأنه في مسلك غيره من البشر، ومسلوب من الطين الأول، ذو طبائع أربع متعادية، وعناصر متشابكة، لا فرق بينه وبين غيره البتة ما دام الحال على ما وصفنا وحددنا، وإنما إذا انبعثت القوة بسلطانها، وانبجست النفس ببرهانها، فإن هذا الشخص يأتي بكل ما يهدي العقول، ويصلح الأحوال، ويقنع النفوس، وينظم المصالح، ويقوم الأخلاق، ويهذب الطبائع، ويكون نورًا للعالمين ورحمة للخلق أجمعين.
ثم خرج من سياجه هذا للفرق بين الشريعة والفلسفة. وحضر الجماعة المساء ولم يستوف ذلك على حقه. ولعلي أعود على هذه المقابسة فآتي بما يكون محيطًا بأكثر قوله في موضع آخر عن غير قصد يغلب حدًا، بالكلام الذي يعقد أوله بآخره، وساء تأليفه من جميع حواشيه، وبان التقصير في نشره وروايته. على أنك أدام الله حياتك لو علمت على أي حال نقل هذا القدر، وفي أي وقت قلب، ومع أي شغل، لا ستكثرت قليله، وحمدت الموافق له. وما أكثر ما أخذت نفسي بتحويل ذلك كله إلى نمط آخر بطراز آنق من هذا الطراز، واحتراز أشد من هذا الاحتراز، إذا أذن الله بزوال ما هم النفس والبال، وانحسار ما دهم الصغار والكبار، بمنه الشائع وفضله المشهور.
[ ٢٣٠ ]