في حقيقة النفس وبين بعض حقائق الأشياء
قال أبو زكريا الصيمري عند أبي سليمان في مذاكرة طويلة: إن كانت النفس واعتبار حالها بمنزلة الدرة في الحقة، والجوهرة في عمق البحر، وما أشبه ذلك فليست النفس في حكم البدن، ولا حالها اللائقة بها حال الكائن الفاسد، لأن الدرة ليست في الحقة التي فيها والغشاء الذي هو عليها في شيء، وإن كنت كالبصل وقشوره فهي بائدة لا بقاء لها ولا خير فيها، وفي المنكر أن تكون مع خواصها الشريفة وعجائبها الغريبة في حكم البائد الذي دثر والدارس العافي.
وقد أتت المقابسات الأول على فقر بليغة في تحقيق شأن النفس وإثبات أمرها وما خصت به دون البدن والمزاج وتوابعها ولواحقها، ولا وجه للولوع بالإكثار، فإن ذلك ربما جر إلى التقصير وحمل على الاعتذار. وهذا علم كلما قلت الحروف فيه كان المعنى بها أتم وأخلص، وكلما كثر اللفظ كان ما يراد به ويعني فيه أنقص، وليس كذلك باقي العلم. والسبب في ضيق هذا العلم أنه بحث عن حقائق الموجودات، وقصد أعيان المعقولات والخصائص، عرية من العلل والشبهات، بعيدة من الشكوك والمعارضات غنية عن التأويلات والاحتمالات، لأنها تصون أغراضها عن زخارف القول، وترتفع عن مواقع الاستعارة والغلط وألتجوز والأتساع، ولهذا ما انساق نظرهم إلى حصر الموجودات في دائرة العشرة حتى لحظوا الجوهر والكم والكيف والمضاف والأين، وكذلك متى، والواحد له، ويفعل وينفعل، وفصلوا خواصها، وحققوا حدودها، وأوضحوا علاماتها، واستوفوا جميع
[ ٣٢١ ]
أحكامها المفصلة بين المعاني اللفظية، والحقائق الآلهية، والخواص الطبيعية، والمناسبات الكلية والجزئية. وفي ضمن هذه الكلمات الشريفة الحاوية لكل ما علا وسفل معنى هو الجنس الأعلى، ومعنى هو النوع الأقصى، ومعان بينهما إذا أضيفت إلى ما علا منها كانت أنواعًا، وإذا أضيفت إلى ما سفل عنها كانت أجناسًا. ولما فات سائر العلماء هذا البحث تاهوا واضطربوا وحاروا واحتربوا، وصار ذلك ثقوبًا للعداوة وسببًا للاختلاف. وبهذا النظر أيضًا عرفوا القوى الأول من النفس، ألا تراهم إذا سموا شيئًا بالباقي كيف يعنون به الجسم المتنفس، أي الذي له جملة القوى النفسانية: القوة المولدة وبها تكون المثل، والقوة المربية وبها يكون البقاء، ولا قوة الغادية وبها تكون الزيادة؟ وبهذا النظر استملوا من العقل ما لاشيء الذاتي، وما ذلك الذي ليس بذاتي، وما الأعيان والذوات والمواد، وما المعاني المنطقية التي إنما تضيف الإضافة؛ وكيف حصل معنى به عم الحيوان الذي هو جنس للثور والفرس والإنسان، وكيف حصل الناطق الذي هو فصل بين الإنسان والفرس حتى تميزت الأشياء بالجنس والنوع والخاصة والعرض ما هو بالموضوع، وما هو بالطبع، وما له مبدأ وما له من المبدأ، وما علته فيه، وما علته في سواه، وما علة له علة لما هو أو ل في العقل، وما هو علة في النفس، وما هو أول بالطبيعة، وما هو أول بالزمان، وما هو أول بالدهر، وما هو أول بلا سبب، أعني بالإطلاق، وما هو بسيط، وما هو ممزوج، وما هو حق، وما هو باطل. وهذه تلاع لا يرقاها إلا الأقوياء الأصفياء، وبحور لا يركبها إلا السعداء الفضلاء. وأنا أعتذر من انشقاق الكلام في هذا الموضع وتصرف الحديث به، مع تباعدي عن كثير مما هو أولى بي وأنفع لي، ولكن الكلام صوب لا يملك إذا هطل،
[ ٣٢٢ ]
وجمان لا يحصر إذا انتثر، ووسمي يتبعه الولي، وخيره ما كان عفوًا، وشره ما كان تكلفًا، ولست أعني بهذا بلاغة البلغاء ولا خطابة الخطباء، ذلك شأن عن غير هذا المحكم، لأنه ملحوظ بالهذر، وربما يستغني عنه في الأكثر، وإنما أعني ما يطبق الفصل ويحقها، ويحثها بالمعنى ويأتي على المراد، ويشفي غليل النفس، ويهدي لليقين. فذاك كالعرض لا ثبات له ولا سكون معه، وقد يعرض أيضًا في تحقيق المعاني وتحصيل الأغراض بعض التجوز والسعة، ولا يكون ذلك معتمدًا بالقصد الأول، ولكنه يكون كالشيء الذي لا يعري عن مجاورة الأمر الذي لا يخلو من ضده. وكيف يصدر عن الإنسان المركب الممزوج شأن لا عيب فيه؟ أو كيف يصح له فعل لا عتب عليه به؟ وإنما يصدر من المركب مركب مثله، ومن الممزوج ممزوج شبيهه، ولكن بين المركب والمركب بسيط، وبين الممزوج والممزوج صاف، وبين المعقول والمعقول صلات، وبين المظنون والمظنون فنون تشير إلى اليقين. فما أحرى من فتح الله بصره وأيقظ نفسه، أن يعترف بنعمته عليه، وينشر ما قد وهب له. وقد رويت في هذا المكان عهدًا وجدته لبعض أصحابنا كتبه بيده، وكان تذكرة نفسه، ومتخير لسانه، ومشهد طرفه، وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه الله فلان ابن
[ ٣٢٣ ]
فلان وهو يومئذ آمن في سربه، معافى في جسمه، عنده قوت يومه لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، فلا يوالي مخلوقًا ولا يستجلب منفعة من الناس، ولا يستدفع مضرتهم عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره ما استطاع، فيعف، ويشجع، ويحكم وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته. وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة، ولا غضب في غير موضعه. وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة ليصلح أولًا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها التي هي العدالة. وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها. وهي خمسة عشر بابًا هي:
[ ٣٢٤ ]
إيثار الخير على الشر في الأفعال، والحق على الباطل في الاعتقادات والصدق على الكذب في الأقوال وذكر السعادة وأن تحصيلها يكون باختيار دائمًا وكثرة الجهاد الدائم لأجل الحرب الدائمة بين المرء ونفسه والتمسك بالشريعة ولزوم وظائفها وحفظ المواعيد حتى أنجزها وأول ذلك ما بيني وبين الله ﷿ وقلة الثقة بالناس بترك الاسترسال ومحبة الجميل لأنه جميل لا لغير ذلك والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل وحفظ الحال التي تحصل بشيء شيء حتى تصير ملكة ولا تفسد بالاسترسال والإقدام على كل ما كان صوابًا والإشفاق على الزمان الذي هو العمر ليستعمل في المهم دون غيره وترك الخوف من الموت والفقر بعمل ما ينبغي، وترك الدنية وارك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد لئلا يشتغل بمقابلتهم، والانفعال لهم وحسن احتمال الغنى والفقر والكرامة والهوان بجهة وجهة وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور والرضى عند الغضب ليقل الطغي والبغي وقوة الأمل، وحسن الرجاء، والثقة بالله تعالى وصرف جميع البال إليه فإذا يسر الله تعالى أصلح نفسه بما جاهد عليه تفرغ بعد ذلك إلى إصلاح غيره. وعلامة ذلك أنه لا يبخل على أحد بنصيحة، ولا يمنع أحدًا رتبة يستحقها، ولا يستبد دون الإخيار بما يتسع له، فإذا أكمل الله له ذلك ورفع عنه العوائق والموانع، وبلغه ما في نفسه من هذه الفضائل ليصير بها من أوليائه الفائزين، وأنصاره الغالبين، وعباده الآمنين، الذين
[ ٣٢٥ ]
لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فقد استجاب له بحمده إلى كل ما دعاه به ووثق بعد ذلك من جانبه إلى كل ما وكله إلى جوده من إعطائه ما لا يحسن أن يرغب فيه، وإعاذته مما لا يحسن أن يستعيذ منه. وهو حسبه وعليه توكله ولا قوة إلا به.
وهذا آخر العهد، وهو غني عن تقريظي ودلالتي على حسنه لظهور الحق عليه، فمن جعل هذه نبيلة صدره، وعقيدة سره، ووسيلة بينه وبين ربه، فهو الفيلسوف الحق المبرز المحقق.