في أن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه
ولا أخطاؤه في كل وجوهه
سمعت أبا سليمان يقول: قال أفلاطن: إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه، ولا أخطأوه في كل وجوهه، بل أصاب منه كل إنسان جهة. قال: ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل وأخذ كل واحد منهم جارحة منه فجسها بيده ومثلها في نفسه، فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة مدورة شبيهة بأصل الشجرة وجذع النخلة، وأخبر الذي مس
[ ٢٥٩ ]
الظهر أن خلقته شبيهة بالهضبة العالية والرابية المرتفعة، وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط دقيق يطويه ونشره. فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدرك، وكل ما يكذب صاحبه ويدعي عليه الخطأ والغلط والجهل فيما يصفه من خلق الفيل. فانظر إلى الصدق كيف جمعهم، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم؟
وكان يقول، أعني أبا سليمان: هذا مثل يشتمل على نكت حسنة مفهومة لا خفاء بها عند من سمعها بتحصيل، ويؤيدها ببيان. قال: ولهذا لا تجد عاقلًا في مذهب يقول شيئًا إلا وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره السابق إلى قلبه، والملائم لطبعه، والموافق لهواه، ولكن البارع المتسع المحصل له المزيد في السبق والغلج بالتدبير.