في الطبيعة وكيف هي عند أهل النحو واللغة
سألني أبو سليمان يومًا عن الطبيعة وقال: كيف هي عند أهل النحو واللغة؟ أهي فعلية بمعنى فاعلة، أو بمعنى مفعولة؟
[ ١٧٤ ]
قلت له: أكره أن أرتجل الجواب عنها، لعلي أدفع فيه إلى الاعتذار منه، وأنا أسأل شيخنا أبا سعيد السيرافي غدًا إن شاء الله، وهو اليوم عالم العالم، وشيخ الدنيا، ومقنع أهل الأرض.
فقال: إنه كذلك، اجعله منك على بال، وتلطف في تحصيل ما عنده أجمع في هذه المسئلة.
فسألت أبا سعيد عنها فقال: هذا من قبيل الأسماء المحضة، لا من قبيل الأسماء المشوبة، فلا يقال لذلك إنه فعيل بمعنى فاعل، كقدير بمعنى قادر، ولا يقال إنه فعيل بمعنى مفعول، كذبيح بمعنى مذبوح ولكن يقال هو فعل في أصله كجبير وأثير، ومع هذا فمعنى الفعل به أقرب من معنى الفعل منه، ولفعيل أسرار ووجوه، وقد كان بعض الناس زل فيه عند بعض الأمراء، وإذا لم يكن بد من اعتباره على طريقة هذا السائل، فلأن يكون بمعنى مفعول أولى، وذلك أنا نقول: طباعه كذا وكذا، وطبيعته، أي ما طبع عليه، وبمعنى فعل، والمفعول فيه أبين، وأخواته يدللن على ذلك، أعني الضريبة، والسليقة، والسجية، والغريزة، والنحيزة.
قال: وهذا كلام كاف في الحرف.
فاستزدته فاندفع فأتى بأشياء لك نشرها ههنا كالحواجب، وإن لم تكن محتاجًا إليها من كل وجه، ولكن الكلام له صورة لا تملك، وغاية لا تدرك، وإذا أعادها زدته بفائدة لعلها تشاكل نفس ما نحن فيه، وتسهل له، وتحدث عنه، فقد برئنا من العنف واللوم والإفراط في التوبيخ، إن شاء الله تعالى.
قال: واعلم أن للأفعال مراتب مختلفة، ومواضع متباينة، فالظاهر منها مرتبة ضرب، وما ماثله فإنه نافر، أي مبعد، ولست أعني بما مائله ما كان ملاشيًا، بل ما زاد عليه أيضًا، ولكن بعد أن يكون له أثر منفصل من فاعله، ثم ما عدا هذا أيضًا مراتب أعلى ما يلزم كقولك خلا، وعدا، وكرم وظرف، وعلم، وسلم، وثبت، ورتب،
[ ١٧٥ ]
ثم قال: ما زاد أيضًا مثاله، هذا حكمه، كقولك: تدحرج، واحر نجم: والإنسان له في كل شيء من هذه الأشياء شكل يباين شكله الآخر ضربًا منه المباينة، يشعر به مرة ويسهى عنه أخرى، ومجموع الأفعال فعل يحدث بك من غيرك، مثل ما يحدث لغيرك منه، مثاله: ضرب، وضرب يحدث بك منك، مثاله: حسن وسمع، وضرب يحدث فيك، مثاله: خجل ووجل، ونسي، وفي نوع ما يحدث بك ما يجوز أن يؤمر به وأن ينهى عنه، مثاله: إشجع ولا تحببن، وأعلم لا تجهل، وها هنا ضرب تحدث أنت فيه أو تحدث به، مثاله: كن وجد واعدم، وإذا حققت النظر كنت للمطاوعة أغلب على جميع هذه الضروب إلا ما تميز عنها، ولم يلتبس بها.
إلى ها هنا حصل ما اتصل بما كنا فيه، وكرهت اختزاله عنه، وأعود فأتمم صدرًا بدات به في هذه المقابسة بعجزه، نعم فبادرت بالجواب إلى أبي سليمان وقصصته قراءة عليه.
فقال: هذا حسن مقبول، ويدل على أن ما سمعته من هذا الشيخ، غيض من فيض، وشرارة من حريق.
ثم قال: وإنما يصح قوله هذا إذا لخص المعنى الذي خصت الطبيعة به من قبولها من النفس، وانقيادها لتصريفها وانفعالها بتفعيلها، فإن الطبيعة كالهدف لما عنى النفس، وكالشيء الشاحي فاه المنتظر لما يلقى إليه ويرسم له، لا يتعدى حكمه، ولا يعصي أمره، ولا يخالف نهجه، وهذا شأن النفس مع العقل، ولكن أعلى من هذا، لأن الفيض الأول والجود الأول لا واسطة له ولا شوب ولا عارض عليه، ولا كره فيه ولا اختلاف، ولا تزاحم ولا اختلاط، ولا تدافع ولا اعتراض، بل على نوع الخلوص وما يزيد على ما يقع في النفوس، ثم التنزيل والتدريج والتوشيح يفيض ذلك كله في الطبيعة بصباباتها وسفافاتها، وبقوافيها ومعاينها وتظهر عند
[ ١٧٦ ]
ذلك الأشكال المختلفة في الأشخاص، وتبدو قواه بوسائط المسانح والإحساس، فأما إذا وفى حقها فيما يقبل منها ما دونها، وينقاد لها ويأتمر لأمرها، ويجري على رسمها، ويظهر تشكلها في الأجزاء المتشابهة المختلفة العناصر، المختلطة والمتميزة، والمواد المستعدة والأبية، والأشتات المتلائمة والمتباينة، فإنها في حد الفاعلة التي تطبع وتنقش، وتصلح وتجمع، وتؤلف وتنقض، وتحظر وتبيح، وتندر وتستخرج. وهذه الرتبة حصلت لها من تقبلها للنفس لأنها أعطتها صورتها وكانت فاعلة بها، ولأنها قبلت منها فكانت منفعلة لها، فلها المرتبتان والحدان، بنظر ونظر، ووجه ووجه.
قال: وإذا وقف على هاتين الحالتين، الأولى بموجب اللسان العربي، والثانية بقضية الاعتبار النظري، لم يبق في الطبيعة من هذا النسق ما يفتقر إلى إيضاحه والإبانة عنه، لأن التصفح قد أتى على كل ما كان في القوة من هذين الوجهين. فأما حدها الذي هو لها بالتحقيق وهو ما قال أرسطو طاليس إنه مبدأ الحركة والسكون. وإيضاح هذا بين في الكتب الموضوعة فيه وفي أشكاله، وإنما قويت العناية في شرح هذا القول على قدر ما بدا من المسئلة والجواب.
تابعت حاطك الله من هذه المقابسات الثلاث لأنها متواخية في بابها، أعني أنها في حديث النحو واللغة والمنطق والنظر، وبهذا تبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمى بك إلى جانب النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحويًا، والنحوي منطقيًا، خاصة والنحو واللغة عربية، والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها. والخلل على قدر ذلك قد دخل فيها بنقل بعد نقل، وشرح بعد شرح.
[ ١٧٧ ]