في عيون من كلام الأوائل المنقولة بالترجمة
هذه مقابسة استفدتها من مواضع مختلفة هي أعيان كلام الأوائل بالترجمة المنقولة إلينا، وهي وإن كانت محتاجة في بعض حروفها إلى تفصيل وشرح، فإنها صالحة الفوائد كثيرة العوائد، ولعلها تتعلق ببعض ما يكون إيضاحًا لها عند الرواية، إن نظائرها قد مرت شافية بالبيان، مستوفاة بالبرهان والقليل من هذا الفن كثير، والصغير كبير: فأول ذلك: قال بعض الأوائل: الكرم والنبات المشتبه به إذا أخذ منه الجزء نبت من القضيب الكرمة والتفاحة والرمانة، فإن هذا منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت إلا في أصله، وعلة ذلك أن صورة الكرمة وما أشبهها، غالبة على صورتها، فلا تنمى ولا تنبت إلا بالأصل الذي تجتمع فيه القوى الطبيعية، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة.
وقال أيضًا: النفس والعقل صورتان يحتملهما أو أحدهما، فإذا أتممت تلك الصورة وأمكنتها أعطتها النفس تمام ما تهيأت له، فتكون أول طبقات الأنفس وهي النامية، وتكون في الحيوانية ولا تكون في الإنسانية، فتمام الشيء الذي انبعث منه على قدر احتماله فتصير له مثال حقا، وصنم مشبهًا لطيفًا من الأنفس العاقلة منها وغير العاقلة.
وقال قائل: لم كان للعقل ثلاث جهات: جهة إلى ربه، وجهة إلى معقولاته، وجهة إلى ذاته؟ فقيل له: إن جهته إلى الباري هي التي جعلته
[ ٣٣٠ ]
عقلًا أولًا، ثم نظره إليه إنما هو استمداده من الصورة التي صورت فيه بديًا، لأنه وقع فيه جميع الصور، فاستمداده ليس بزيادة صور لم تكن وكانت. ولكنه ليبقى ويقوى كما يستمد الهواء من نور الشمس، فهو يزداد من غير صورة تحدث فيه، كذلك النفس إنما تستمد من العقل الصور وهي على حالها، وكذلك الطبيعة تستمد من النفس وتقوي بها، ولكن إشراقها عليها يبقي قواها، ولولا ذلك لضعفت وانتقصت.
وقال: لنا علمان، أحدهما علم محض، كعلمنا بالأشياء الأوائل بلا روية ولا فكر، كما نعلم أن عدد كل زوج أو فرد، فإنه لا يمكن أن يكون الشيء الواحد في حالين مختلفين، كالإنسان لا يمكن أن يكون قائمًا قاعدًا معًا، وكعلمنا أن كل متحرك من ذاته دائم الحركة، وكقولنا كل دائم الحركة بجوهره دائم الحياة، ولنا علم فكري مثل علم القياس الذي يستنبط منه الشيء من شيء آخر، كقولنا: الإنسان حي والجوهر حي، فالإنسان إذًا جوهر.
وقال قائل: إذا قويت الهيولى علينا لم نقو على وجدان الذي فينا إلا بطلب وبحرص وبسبح وغوص، فإذا استولينا نحن نعقل العقل الأول وكانت الأشياء فيه وهي هو فكيف يمكن أن نتذكر الأشياء والأشياء فيها، والتذكر إنما يكون في أثناء الأوقات لأنا ننسى في وقت ونذكر في وقت آخر، وهناك الدهر لا الوقت.
وقال الفيلسوف: الذكر إنما هو حركات الفكر على الوهم الحاري حتى يرد ما في خزانته على ما كانت الفكرة تحركت به.
وقال قائل: الفكرة إنما تقع على الشيء المفقود، والعلم يقع على الشيء الموجود، والأشياء في العقل الأول حاضرة أبدًا.
قال: إذا أردنا أن نحس بأنفسنا فإن نعلم العلوم الشريفة حرصنا على
[ ٣٣١ ]
تعارف أنفسنا الهيولانية فنكون كأنا نصير خالصة بتردداتنا، فإذا رأينا ذاتنا استفدنا منها علومًا شريفة، وكنا نحن الناظر والمنظور إليه، والعالم والمعلوم، وقد قيل لأرسطو: لم لا نذكر العالم العلوي، ومنه هبطنا إلى هذا العالم؟ فقال: إنما صرنا لا نذكر العالم العلوي لأنا صرنا في هذا العالم الحسي واختلطنا بالأشياء الهيولانية وفارقنا ذلك العالم لأنا لا نقدر على أن نكون هناك وفينا لطخ من الأشياء الهيولانية، فصرنا كأنا لم نصر هناك لاستيلاء الهيولى علينا، وصرنا كأنا إنما بدئنا من هذا العالم لشدة ميلنا إليه وإلى الآثار التي كانت منه، فإن هذه الأشياء الهيولانية إنما هي آثارنا، وذلك إن كانت النفس هي التي أثرت الآثار الحسية بمعرفة العقل وتسديده إياها، وكنا نحن العقل فلا محالة أن هذه الآثار إنما هي آثارنا واختلطنا بها كنا ذاتا مكنونين وكأننا آثار من آثارنا، وإنما هي آثارنا لا نحن من آثارها، وقال: إنما صرنا لا نذكر ذلك العالم لأنا قبل أن نصير في هذا العالم لم نكن أصحاب ذكر، وذلك أن الأشياء هناك حاضرة ظاهرة، وليس هناك مستقبل ولا ماض، بل كلها حاضرة بحضورها الآن عندنا، فلذلك لم نكن نحتاج إلى الذكر لأنا لم نكن من أبناء الزمان بل الزمان من أبنائنا، لأنا كنافي حيز الدهر، فحيث الدهر فليس هناك تذكر البتة، وإنما نحتاج إلى التذكر في الأشياء الزمانية التي تكون مرة وقد لا تكون مرة، فحيث التمني هناك التذكر، فأما الموضع الذي ليس للتمني فيه مساغ فليس هناك تذكر. وقال أيضًا: الأشياء التي علمناها لم نعلمها في وقت من الأوقات فنحتاج إلى أن نذكرها، بل قد علمناها بنوع الدهر لا بنوع الزمان. وقال أيضًا: إنا قبل أن نتلطخ بأوساخ الهيولى ونحن في العالم الأعلى كنا علماء ولم نكن أصحاب ذكر، ولم نكن نحتاج إلى أن نذكر ما قد علمنا، لأن الأشياء قد علمناها حاضرة تحت أيدينا لا يغيب منها شيء ولا يستتر، وقال: كل أثر لزمنا في هذا العالم الحسي فإنه لا يلزمنا في ذلك العالم العقلي مثل التمني والحس والوهم والقياس والتذكر، وما أشبه هذه
[ ٣٣٢ ]
القوى. وقال: الأشياء التي لزمتنا في هذا العالم فإن خلافها يلزمنا في ذلك العالم، وذلك أن الذي يلزمنا ها هنا التمني والحس والروية، ونحن هناك لا نتمنى ولا نحس ولا نروي، فلذلك لا نقدر على أن نذكر ذلك العالم لا تحت التذكر، وكل شيء هناك إنما يعلم ولا يذكر، لأن الأشياء هناك حاضرة بحال واحدة ولم تكن بم كانت، لأن كان ويكون من باب الزمان، والزمان أثر من آثار هذا العالم. والأشياء التي في العالم العقلي دائمة لا تتغير ولا تستحيل عن حالها، وهي أفضل وأكرم من الدوام لأن الدوام بها كائن دوامًا، ولم تكن هي دائمة الدوام، وليس الدوام غيرها بل هي الدوام، وذلك أن الصفة والموصوف هناك شيء واحد. قيل: فما حاجة النفس والعقل إلى العلة الأولى؟ قال: حاجة المعلوم إلى العلة، فإنه ليس من معلول طبيعي ولا صناعي تنقطع عنه علته إلا فسد وباد، كالحي فإنه إذا فارقته حياته باد وفسد، وكالنامي إذا فارقه النماء باد وفسد، وكذلك الصناعات والتجارات والبناء. وقال: العقل الأول يدرك الأشياء بغتة، والعقل الثاني أيضًا يدركها بغتة، إذا كان متحدًا بالعقل الأول، ولا تعوقه عنه الأشياء الهيولانية، فإذا عاقته احتاج أن يتوصل بالمقاييس ويدرك بشيء بعد شيء، وأيضًا العقل الثاني بالوهم هو الذي عليه الأقدار والمسافات الجسمية، وإنما كان الوهم كذلك لأنه يقبل آثار الجسم فيجسم الأشياء وينكر الصورة المجردة، وأما إذا مال إلى العقل الأول اتحد به، فإذا أدى إليه الوهم الإثار التي قبلها من الحس علمها علمًا عقليًا، وألقى عنها الأقدار والمسافات، وذلك أنه يعلمها علمًا صوريًا. وقال: للعقل النفساني طرفان، أحدهما طرف الوهم، والآخر طرف العقل الأول، فأما إذا مال إلى الوهم كان فكرًا وروية لا يلتبس عليه الوهم فيريد أن يتخلص، وأما إذا مال إلى العقل الأول كان عقلًا مدركًا بلا روية ولا فكر ولا زمان، فالفكر إنما هو العقل الوهمي والعقل النفساني المدرك بلا وهم ولا فكر، ولا يقدر الوهم على أن يتوهم شيئًا بلا شكل ولا قدر جرى.
[ ٣٣٣ ]
وقال الفيلسوف: العقل وحده لا يموت. أراد بذلك أن يميزه من قوى النفس النامية والحسية، لان الحس والنماء يضمحلان، ولأن النفس استفادتهما من العالم الهيولاني، وأما العقل فلم يستفد من هذا العالم، فلذلك بقي.
قال فرفوريوس، وهو المفسر: إن هذا المرء الفاضل قال في كتاب النفس: إن العقل النفساني إذا اتصل بالعقل الأول الخالص كان عاقلًا دائمًا، ولم يكن عاقلًا مرة، ومرة غير عاقل، فإذا فارق البدن كان أحرى أن تلزمه هذه الصفة ولا تفارقه، وأما لآخر من الحس والنماء والتوه والفكر فإنها كلها تبطل مع بطلان الجسم، وذلك أنها أثر النفس في الجسم، فإذا بطل الجسم وفارقته النفس بطلت هذه. وأما العقل فليس من قبل الجرم كان، ولا من قبل النفس، بل النفس كانت من أجله وصورتها.
وقال آخر: الرسم من حيز الحلو من حيز المر، فأما الحريف والمر والعفص والحامض ما بينهما يعني بين الحلو والمر. قال: ويكاد يكون عدد صور الطعوم مثل عدد صور الألوان، هذه سبعة وتلك سبعة، فالطعم حلاوة ومرارة وملوحة ومزوزة وحرافة وعفوصة وحموضة، والألوان بياض وسواد وقتمة وخضرة واسما جوين وشقرة ولون السماء، وأنكر أن تكون
[ ٣٣٤ ]
الصفرة منفردة فجعلها بين الشقرة والخضرة، وقيل: ما بال الطعم منبعث من الشكل ضد، وكذلك في الألوان وليس كذلك في الأشكال لأنه لا ضد لها؟ فقال: إن الشكل واحد منه منبعث كل شيء، وهو المدور، والأشكال كلها مأخوذة منه لكثرة زواياه. وقيل: ما بال الشيء ذي الرائحة إذا لم يكن من حيز الغذاء؟ فيقال: إن الدهن وما أشبهه لا ينقسم إلى حنس إنما الجنس واحد والشهوة كلها تكون في ذلك الجنس، فلا يجذبه به جنس آخر إليه مثل التفاح، فإنه لا يجذبه إليه حسن الطعم مع حسن الرائحة، والشهوة لطعمه مما ينقص رائحته عنج الشم، وإذا كان الطعم وحده لا يجاذب حاسة أخرى كان أقوى له. قال: فأما أهل دهرنا فإنهم يخلطون قوة الطعم والرائحة يريدون بذلك اجتماع اللذتين، فإما إذا كان ذلك كذلك لم يكن الشام الذائق يجد ما يجده الذائق وحده، ولا الشام وحده. وقال: الرائحة الطيبة تصحح الأعضاء، كما أن الغذاء ينميها.
وقال: زعم بعض الأولين أن الجسد يكون مواتًا وهو بهيئة من الهيئات ومقدار من مقادير المزاج، ثم يكون حيوانًا إذا تغيرت هيئته ومزاجه إلى بعض ضروب التغيير، وضرب مثلًا فقال: لم نر آلة قط من آلات الصناعات بعمل الآلهية سوى هيئة غيرها من الآلات، ورأينا هيأتها إذا فارقتها استحالت إلى غير ما كانت عليه، كقدوم النجارة ينحت قدومًا فإذا قلبت هيئتها إلى المنشار بطل النحت بها وحدث النشر بها، لأن ما في الحديدة المصنوعة قدومًا أو منشارًا أمر يبس أو لان، إذا زاد على مزاجها أو نقص لم تكن الحديدة بالحال التي تقطع بها، فلو أن يبسها أسرف لنقصت، وكذلك لو أسرف لينها لما مضت فيما تحمل عليه من الأبدان، فالمزاج الذي مزج بها طبيعة الحديدة كانت الحديدة ماهية، فإجتماع قدر المزاج والهيئة تكون الأعمال للعمل. وزعم أن الطبائع الأربع لما كانت بمقادير معتدلة في بدن الحيوان المهيأ بهذه الهيئة القابل للحس كان
[ ٣٣٥ ]
البدن حيًا، وإذا تغير المزاج وانقلبت الهيئة كان مواتًا. ومنهم من زعم أن البدن يكون على قدر المزاج، وبهيئة من الهيئات ليحدث في ذلك البدن عرض يكون حياة ونفسًا، وضرب مثلًا فقال: إنا لم نر شيئًا مفردًا من العالم يفعل بوحدته، فإذا زاوجه غيره نتجا فعلًا، وذلك إنا لم نر برد الحجر يهبطه ولا حره ولا لونه ولا عرفه ولا طعمة ولا صوته، فلما ازدوجت كان الهبوط لها فعلًا، قال: فلم آثر الإنفراد بفعل! ورأينا الحيوان ركب من أشياء مفردة قلنا إن الحياة ثمرة أفراد ازدوجت وهي عرض في البدن لأن العرض واقع عليها لأنه لا يكون ولا يفسد، بل الإفساد للموضوع، فلما رأينا الحياة تكون وتبطل بلا فساد البدن جعلناها عرضا حادثًا في البدن. وضربوا مثلًا وقالوا: إنما مثلها في حدوثها بين الاثنين كمثل الصوت الحادث بين الندين المتضادين، أو كاللون الحادث بين لونين، كالسواد الحادث من بين العفص والزاج، وكغير ذلك من الأشياء، الألوان والطعوم والأعراض الحادثة من بين الألوان المختلفة، ويضاف هذا القول إلى زينون وهذا ظن زائف ورأى مضعوف.
وقد سبق في صدر هذا الكتاب ما يستبان معه تأوه النفس من البدن واستقلالها بجوهرها وغناها بحقيقتها وأنها محتاجة إلى البدن إلا إذا أخذت البدن واستعملته وصرفته عن لوازمه وأعراضه اللائقة به، وأما النفس ذات النطق والعلم والحكمة والبيان والفكر والإستنباط والعقل والنظر فهي أعلى وأشرف من أن يكون لها الوصف بمعونة البدن وارفاده، والأسباب الحادثة بالبدن العارضة له معروفة محصاة، وليست تلك من حقيقة النفس
[ ٣٣٦ ]
بسبب، وإن كان مجموعًا. هذا كله يوجد في الإنسان وبالإنسان، ونعوذ بالله من الخبط في القول والعمل.
وقال آخر: إن البدن يستحيل من حال إلى حال فيكون مرة مواتًا ومرة حيوانًا، وضرب مثلًا فقال: لما رأينا الأجسام تستحيل عن طبائعها وتستحدث أفعالًا لم تكن لها كالماء يستحيل بخارًا صاعدًا بعد أن بدأ هابطًا، وكالماء يغذو ثمر الأزهار ويستحيل دهنًا ثم يعود الدهن نارًا عند قلب إناه واغتذائها به، فلم لم يكن في طبعه من استحالته ألا يستحدث فعلًا وانسلخ من فعل غيره قضينا على أبدان الحيوان بالاستحالة والتكفؤ بين الموت والحياة، والحركة والسكون فقلت: الحي هو الميت مستحيلًا، ولاميت هو الحي مستحيلًا، وضرب مثلًا فقال: مثال ذلك عصير العنب يكون عذبًا حلوًا غير مسكر، ثم يستحيل خمرًا مرًا مسكرًا، ثم يعود خلًا حامضًا مخدرًا، والعنبة واحدة لم تبرح إلا أنها استحالت فتغيرت أفاعيلها لتغير حالاتها، وكذلك البلحة تكون بسرة، ثم رطب، ثم تمرة فهذه جملة أقاويلهم في أن النفس ليست بعين.
وأما من زعم أن النفس عين فإنهم اختلفوا في كيفيتها وموضعها وزمانها وحركتها وسكونها وجمع أفعالها، فزعم منهم زاعم أنها عين سوى البدن ذات موضع يعلم بمفارقتها البدن. وزعم آخر أنها في جميع أجزاء البدن النامية. زعم آخر أنها ليست تكون إلا في مواضع الحس. واحتج آخر أنها لا تعلم إلا بمفارقة الجسد. وقال: لم نر النفس تعلم إلا صوتًا او عرفًا أو طمعًا أو لونًا أو لمسًا، وهذه الأشياء الخمسة لا تقع إلا في هذه الأجزاء الخمسة البقية من البدن، وهي: العين والأنف والأذن واللسان وسائر البدن للحس، فلما رأينا النفس محتاجة إلى هذه الحواس الخمس قضينا عليها بالجهل إذا كانت مفردة
[ ٣٣٧ ]
وحدها، وقضينا لها بالعلم إذا قارنت البدن. وضربوا مثلًا فقالوا: إنما مثل النفس في حاجتها إلى ذكرنا كمثل النور الذي لا يرى إلا على بدن لا يرى ذلك البدن إلا به. وكالنافخ في المزمار لا يسمع لنفخته صوت إلا بالمزمار، ولا يسمع للمزمار صوت إلا بالنفخ. وأما الذين قالوا إنها في جميع البدن فإنهم قالوا: لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمى علمنا أن النفس حيث الأجزاء النامية، لذهاب النمو عند مفارقتها. وأما الذين قالوا أنها في جميع البدن فإنهم قالوا: لما رأينا النفس إذا فارقت البدن لا ينمي علمنا أن النفس حيث الأجزاء النامية، لذهاب النمو عند مفارقتها. وضربوا مثلًا فقالوا: مثل ذلك مثل النار التي لا تكون إلا حيث تجد غذاءها، فإذا فارقها غذاؤها بطلت. فالنار كالبدن، والغذاء كالنفس. وأما الذين قالوا لا تكون إلا في الأعضاء المحسة فقالوا: لما رأينا النفس لا تفارق البدن إلا علمت ولم نرها علمت إلا في بعض البدن، علمنا أنها ليست في جميع البدن. وضربوا مثلًا فقالوا: إنما مثل أعضاء الحس للنفس مثل المغناطيس الجرار للحديد، فهو أفق بين الحديد والحجر، وكمثل البخار الذي لا يحتاج آلة الحس لذلك. ومنهم من زعم أنها غير ذات موضع تغتذي من البدن بما يشاكلها، وأنها تعلم بالحدقة والصماخ والخياشيم، وما أشبه ذلك، مما لا يقال له ظاهر ولا باطن. وزعموا أنها تفعل بالمعدة والرئة والطحال والدماغ والدم والمرتين والبلغم من الفواعل التي لا حس لها. وزعموا أنها تعمل وتفعل بالكبد والقلب المصطفى من دم الكبد المستخلص من تصفيح الغذاء. وزعموا أن هذه الروح تنبعث من القلب في عرق أجوف ذي طرفين حتى تصل إلى الدماغ منتشرا في عصب الحس والحركة. واحتجوا بقول أسندوه إلى بعض سلفهم وأظنه أفلاطون حيث يقول: إن في البدن ثلاثة ينابيع، ولكل ينبوع جداول تفيض ما حملت إلى أقطار البدن، فأحد الينابيع الثلاثة الكبد وهو ينبوع الغذاء، وجداوله عروق الدم الساقية لجميع الأعضاء
[ ٣٣٨ ]
والأجرام، والآخر القلب وهو ينبوع روح الحياة، وجداوله عروق الأوراد الضوارب الناشرة لروح الحياة في جميع الأعضاء، والآخر الدماغ وهو ينبوع الحس، وجداوله العصب المحس الشامل لجميع الأعضاء المحسة. وقالوا أيضًا: لما رأينا الطبيعة تحكم أفعالها وتفصلها لعلة، ورأينا العلة غاية الفعال، ورأينا غاية أفعالها استيلالها روح الحياة، لأن الحياة أفضل أفعال الطبيعة التي إياها عمدت وإليها صمدت، وأول فعلة فعلتها من هضمها الغذاء في المعدة. واحتجوا على ذلك بأن قالوا: لما رأينا أفضل الأفعال وأكثرها وأقواها للحرارة ورأينا ذلك في جملة العالم في الجنس المستحيل منه الجنس النامي والجنس الحي فلما قضينا للحرارة بشرف الفعال، ورأينا الفعال أشرف أفعال الطبيعة شهدنا أن روح الحياة جزءًا من الحرارة. وضربوا مثلًا فقالوا: إنما مثل النفس في البدن كالشمس في العالم المسخنة بنفسها الفائضة بخيرها على جميع العالم. وزعم آخر أنها ذات موضع وتغتذي بما يشاكلها من غذاء البدن، وأنها عين سوى البدن تكون في البدن، وأنها علامة بنفسها متحركة، ووصفوها بصفتها فقالوا: النفس نور مفرد لا حر فيه ولا برد ولا طعم ولا عرف ولا صوت، وضربوا مثلًا فقالوا: لما لم نر الأبصار تدرك إلا الألوان والآثار بالنور علمنا أن الأبصار عاجزة عن العلم بالألوان إلا بإفادة النور إياها ذلك العلم، ولما لم يكن للشيء أن يفيد ما ليس من جوهره علمنا أن العلم من جوهر النور، فلما رأينا العلم من جوهر النور علمنا أنه معلول واحد، والمعلول الواحد لا يكون من علتين متضادتين، كالحر لا يكون من النار
والثلج، فلما صح هذا عندنا علمنا أن النفس ليست بمخالفة للنور، فقضينا على النفس والنور بالموافقة وأنهما من جنس واحد.
قلنا: ورأينا الآذان لا تدرك الأصوات إلا بالهواء الموصول للأصوات إلى الأصمخة، ولم نر الهواء أوصل ذلك إلا برقته وصفائه المشتبهين بالنور وصفائه، قالوا: وكذلك رأينا الخياشيم لا تدرك الأعراف إلا بالهواء، ورأينا
[ ٣٣٩ ]
اللسان المدرك للطعوم لا يدركها إلا بالرطوبة واللين المشبهين لرطوبة الهواء ولينه، قالوا: ثم رأينا المحسة تدرك الحر والبرد في الهواء والماء ورقيق الأبدان، وأن غليظ الأبدان مستغلق على ما فيه محسوس لا يظهر منه إلا الأرق من الأبدان يمازحه فيظهر منه كرامته فتوصله إلى الحس قالوا: فلما رأينا الأشياء الموصلة متفقة على صفة واحدة من الرقة واللين التي في صفة النور قضينا للنور بجميع وجوه إيصال المحسوس إلى الحواس، وجعلناه سنخ العلم ومفيده ومستفيده فقلنا النفس النور. وضربوا مثلًا فقالوا: مثلها مثل السراج المنير عن نفسه المنير عن غيره المفيد للعلم لغيره. وكذلك النفس حيث كانت علمت وأفادت العلم.
قد حوت أبقاك الله هذه المقابسة ضروبًا من الكلام في النفس مختلفة ومؤتلفة، وأنت إذا عنيت بما سبق في الكتاب وبما يتلوه أيضًا في الثاني غنيت عن الإكثار الذي ربما صد عن تحقيق المراد، والكلام كله بين زيادة ربما جلبت الفساد وفتحت بابًا إلى الشك، وبين نقصان ربما جلب الأشكال وصار طريقًا إلى اللبس. وهذا إذا كان المتكلم عليه من باب الجلي ومن فن الواضح، فكيف إذا كان في الغامض الخفي اللطيف المحتجب؟ وهذا اقتصاد مني وتحفظ واستدعاء للمراقبة والتيقظ، فقل من استرسل وخطب مطنبًا وأعجب بما يأتي به مستحسنًا إلا دخل على صوابه ما يثلمه ويكسره، وغلب على خطله ما يتأدى به ويشهره. وخير الكلام في الواضح الجلي أن يكون لطيفًا يستجمع إلى السامع ما يربط مراده، وفي الغامض الخفي أن يكون مكشوفًا ليلحق السامع منه ما نحاه ببحثه وطلابه. فأما إذا تهافتت المعاني تارة بسوء التأليف، وتارة بالإكثار، وتارة بالتعريض، دخلها الخلل ولم يبلغ المحصل لها على ما قد ثبت رأيه وساق نظره وسعيه إليه، على أني أعذر كل خطيب مصقع، وكل بليغ وكل باحث متوغل، وكل طالب مترفق، إذا تكلم في النفس وبحث عن شأنها أن يعيا ويحصر ويقصر، فإن المطلوب في هذا الأمر صعب، والغاية بعيدة، والشوط بطيء، والعجز شامل، والناصر
[ ٣٤٠ ]
مفقود، والتعاضد مرتفع، والقوة محدودة، والقدم زلالة، والمنتهى حيرة. وإذا كان النظر في النفس على ماأصف مع روادف لا أفي بتسطيرها في هذا المكان، فكيف الكلام في العقل وهو البحر العميق، والمعنى الذي هو في ذلك أنيق! فكيف الكلام في العلة الأولى وهو الذي كان إليه القصد، وعليه وقف العمد، ومن أجله يحمل عبء هذا الأمر! واشتعل بارق هذه الحال وصبر على آثار الكون والفساد، وترقى في سلاليم الغرر والخطر، وتجرع كل كأس هي أمر من الصاب والصبر، وفقد شرف الإتصال بالباري، ودق البحث، ولطف النظر؟ وبقدر رتبة العقل التذ الكلام عليه وطرب على الخبر عنه، وبقدر محاسن النفس عرض العشق وبذل الصوت وجرد السعي، ويتلي عن كل إلف، وكيف لا يكون الكلام في هذه المعاني صعبًا والبحث شديدًا والقوة عاجزة، وأنت لو أردت آثار الطبيعة في عرصة الكون والفساد من هذه الرتبة المكلة للأبصار بعد استنفاد قواها، والمسددة للآذان بقدر استيفاء ما فيها، لم تستطع ذلك ولم تقدر عليه، نعم ولو كان كل من هو في مسكك ظهيرًا لك ونظيرًا معك؟ وكان أبو سليمان إذا رأى بعض أصحابه يتشدد في هذه الوجوه قال له: يا هذا أرفق فالإستقصاء فرقة إكتف من هذا المطلوب بما يجاد به عليك ويساق بزمامه إليك، ولا تعنف فالعنف محرمة. وعليك بالرفق فإنه سحر النفس، والشاعر يقول:
والدر يقطعه جفاء المحالب
وقد والله صدق وقال الحق، إن طلب ما لا ينقاد لك لتبر به مثل ما لا تنقاد له بحسرك عنه شقاء ومذلة وتضييع زمان وإمارة بسعي واحتمال خسف واختراع أسف.
النفس حاطك الله قوة شريفة آلهية بهية، واصلت أبناء الطبيعة على قدر قوابلهم
[ ٣٤١ ]
بجود العقل الذي له الرتبة الأولى بقدر ما له من الفيض من العلة الأولى. ومراتب أبناء الطبيعة مختلفة اختلافًا لا نهاية له، وكل قد نال شيئًا فلا ما ناله به عرفه وطلبه ولا ما حرمه حرمه لإبائه إياه وكرهه، ولكن هكذا كان وعلى هذا بان، فليكن الرضى واقعًا بحسب الموجود ذلك المجود به عليك.
واعلم أن الصورة التي هي محيطة من الأول إلى الآخر شائعة بين الطرفين لا بينونة هناك ولا فضل، ولا حيلولة ولا نقص، فكيف يكون على هذا النهج شيء عن شيء، أو شيء سوى شيء، أو شيء في شيء؟ وإنما ثبتت هذه الأسماء بالنظر الثاني لما لحظت مواصلة لآثارها ومواصلة لقوابل آثارها، وعلى الحالين كان الإختلاف والإئتلاف، والتباين والتواصل، والتفرق والتجمع، والجيئة والذهاب، والورد والصدر، والعظم واللطف، والكبير والصغير، وجميع ما يتجوز إلى هذا الجانب ويبرز بهذا المثال في بلاد القوابل، لا في بلاد الفواعل، فسدد نحو هذين النجدين طرفك وسرب إليها رفقك ولطفك، فإنك تجد المواد التي من شأنها أن تفعل على مراتب الإنفعال، وتجد الصور التي من شأنها أن تفعل على مراتب الفعل، وتعلم أن الاعتبار تارة ينفرد بالصورة، وتارة بالمواد، وأن ما تركب منهما وبينهما واستبد بهما واستند إليهما هو في عرض ذلك الاعتبار وفي حومة ذلك النظر، وأن الشك إن قدح، والغلط إن سنح، فإنما هو من إضافة شيء إلى غير شكله، أو تحليته بغير ما هو لائق به وقد طال الغناء والحداء في هذه المواضع، فإن كان لك سمع فاطرب وترنح وخذ وجد واعدل واعقل واسلم وأقدم وانعم وارق وابق، وإن كان بك صمم فاعطف على دائك وسل عن دوائك فليس يحسن بالأخشم أن يفتري على من يشم، والسلام.
[ ٣٤٢ ]