في أن البياض ينشر البصر والسواد يجمعه
قال أبو سليمان: قال بعض الطبيعين: البياض ينشر البصر، لأنه من جنس النار. ولا سواد مجمع للبصر، لأنه من جنس الماء.
قال: وقال آخر: الفصل بين الجوهر والعرض أن الجوهر لا يقبل الزيداة ولا النقصان، والعرض يقبلهما.
وقال: كل خير حسن، وليس كل حسن خير.
وقال: كلما فعلته النفس بالأدب، فعلته الطبيعة بالعادة، وفعله العقل بالتقبل، وفعله الباري بالجود.
وقال: الغضب يتحرك من داخل إلى خارج، والحزن يتحرك من خارج إلى داخل.
وقال بعض الأوائل: معرفة الدواب أولادها بالرائحة، ومعرفة الطير أفراخها بالألوان، ومعرفة الناس بالصورة.
وقال: متى كانت الحركة بشوق طبيعي لم تسكن البتة، ومتى كانت باختيار جاز أن تتحرك مرة وتسكن أخرى.
وقال سقراط: إن لم تكن لي استطاعة فإني محرك غير محرك.
ثم قال أبو سليمان: هو محرك إذا كان محركا، لأنه محرك. فقيل له: قد نظن بالباري إذا كان محركا أن يكون محركا لأنه يحرك؟ فقال: لا يجب
[ ٢٦٥ ]
هذا لأمرين: أحدهما أن في القسمة قد تبين أن ها هنا محركا، لأن في مقابلته محرك غير محرك، والثاني أن معقولنا من قولنا الباري محرك الأشياء لأنها تنحوه وتصمد إليه وتتشوقه وتفعل به وتنفعل له، لأنه تقدس وعلا يوسم ما يوسم به أصناف ما تحرك أو محرك.
وقال بعض الأوائل: العلم والعمل حدا الفلسفة، وكل واحد منهما بين ضين: فالعلم بين الصدق والكذب، والعمل بين الخير والشر. ثم قال: هذه الرذائل كلها إعدام هذا لفظه فمن ألفها واستعملها وانقاد لها وغلب عليها فقد أعدم نفسه وعدمها وعدم معها واضمحل فيها، والعدم حال سيئة مكروهة فاحشة، لا يأتي عليها نعت وإن كان بليغًا، ولا يحيط بها قول وإن كان شافيًا. فأما الفضائل فعلى خلاف هذه كلها؟ هي موجودة ولها الوجود المستفاد من الوجود الأول. فمن اقتناها واستعملها وراض نفسه بها إليها، وأجرى عادته عليها، وألان عريكته لها، انقطاعًا عما عداها وانقطع إليها، وكمل مناقصه بالازدياد منها، بقي موجودًا بوجودها؛ وجودًا لائقًا به على قدر اشتماله عليها، وتصريفه لها، وإمعانه فيها، فما ظنك بحال توضح لك الفصل بين الموجود والمعدوم، وترشحك لنيل ملك عظيم، وتحليك للظفر بشأن جسيم، توقفك على صراط الله المستقيم؟ ثم قال: وليس في التحلي بالحكمة تعب كثير، قد والله شاهدنا قومًا تحملوا آلامًا كثيرة وركبوا أهوالًا عظيمة لسبب إغراض باطلة، وأعراض زائلة، لسبب هوى سول لهم، وقرين أغواهم، واعتقاد رديء غلب عليهم، وشيء حقير تعجلوه بشهواتهم! وطلب السعادة بإصلاح السريرة وانتحال الصواب أهون من ذلك أجمع. فلا يصدنك عن سلوك هذه المحجة البيضاء أمر مبهم، ولا حال مستعجمة، فإن فيما تدركه وتشرف عليه وتنال الروح به خلفًا كثيرًا وفائدة عظيمة. فلا تكل نفسك إلى اختيار السوء، وإلى قرناء السوء، فإنك إن فعلت ذلك خسرت خسرانًا مبينًا وضللت ضلالًا
[ ٢٦٦ ]
بعيدًا، وتحرقت أسفًا، وتقطعت ندمًا، وإن نعشت نفسك، وأخذت يدك بيدك، واستمررت في أمرك، واستترت بدائك، ورفضت كل كل عنك، وعرفت المراد منك؛ فزت فوزًا عظيمًا، ونلت ملكًا ونعيمًا، وبقيت بقاء لا انقطاع، وسعدت سعادة بلا شقاء، وصفوت وعلوت، وعرفت وأنفت، وقدرت وظهرت، ومجدت وشرفت، ولظتك عين الجود غامرة، واكتنفتك الخيرات ظاهرة وباطنة. واحدًا لا ينقسم، وناظرًا لا يغمض، وموجودًا لا يعدم، وبينًا لا يخفى، وشاهدًا لا يغيب، وحاضرًا لا يفقد، وعلانية لا تنكتم، ومتصلًا لا ينقطع، وحبيبًا لا يقلى، ومعشوقًا لا يخفى، وموصولًا لا يبعد، وصاحبًا لا يمل، ومجموعًا لا يفترق، وآمنا لا يخاف، وساكنًا لا يقلق، وناطقًا لا يعيى، وصحيحًا لا يسقم. أمر يجل عن نعت الناعتين، وحال تعلو قول الواصفين، وشأن تدق على خبر المخبرين. فاجمع أكرمك الله بالقبول أطرافك، وشمر إلى الغاية ذيلك، وكن رقيبًا على نفسك، فلا مشفق عليك سواك، ولا ناظر في أمرك غيرك، وعلى الدعاء والتلطف، وعليك الاجتهاد والسعي. فما بعد نصح الداعي وقبول السامع إلا نيل الأماني وبلوغ الآمال.