في كلمات في الحكمة منقولة عن المشايخ
هذه مقابسة رسمنا فيها كلمات نافعة كانت متفرقة في ديوان الحفظ ولم ننسبها إلى شيخ واحد لأنها كانت تجري في مجالس مختلفة، وهذا موضع يقتضى حصولها فيه لتكون مجاورة لأخواتها، وداخلة في جملة ما لاق بها. وفي النفس بعد هذا جمع النوادر للفلاسفة مع التصفح والإيضاح، إن أخر الله ما لابد منه، وأعان على إظهار ما تتحدث النفس به يكون شرفًا لجامعه، وفائدة للظافر به، وغنيمة للطالب له. وبيده تسهيل ما عسر، وهو ولي الحمد في الأول والآخر. ولكل طائر صائد، وما كل تربية تصلح للعقبان، وما كل طبيعة محتاجة إلى برهان.
وقال: الحق بين منهاجه، ومنير سراجه، ومعقول بيانه، ومعلوم برهانه، منه استضاء به أفلح، ومن سلك سبيله نجح.
قال قائل: أنواع الاختلاف ستة: الإضافة، والتضاد، والقنية، والعدم والإيجاب، والسلب. والمضاف مثل الضعف، والمنصف والتضاد مثل الصالح والطالح، والقنية والعدم مثل البصر والعمى، والموجب والسالب مثل فلان جالس، فلان ليس بجالس.
قال قائل: لكل صانع صناعة، ولكل طابع طبيعة، ولكل مدبر
[ ٣٢٧ ]
تدبير، وما كل صانع حكيم، وما كل طابع كريم، وما كل مدبر مصيب ولكل إنسان لسان، ولكل لسان سنان، وليس لكل لسان سنان، ولا لكل بيان برهان، وما كل ذي قلب بلبيب، وكل إنسان ذو نطق، وما كل ذي نطق بلبيب، وكل إنسان ذو نفس، وما كل ذي نفس بأريب، وكل إنسان ذو حس، وما كل ذي حس بلطيف، وكل إنسان ذو عقل، وما كل ذي عقل بعاقل.
وقال آخر: ما ترى هذا الرباط المعقود، والسرج المشدود، والأفق الممدود، والمركز الممهود، والحد المحدود؟ وقال آخر: التعليم الهندسي صناعة من الصناعات العقلية والأنسية ويقع بحثا على المقادير والأبعاد والأشكال والزوايا، وما يقع تحت كل مقدار وبعد من الزوايا الخطية والسطحية الجسمية. وقال: الهندسة صناعة معروفة المقادير وطبائعها وحدودها وخواصها وما يقع تحتها من أجزائها وأشخاصها، والمقادير هي الأشياء ذوات الأبعاد، وهي ثلاثة: طول، وعرض، وعمق. والمقدار الخطي بعد واحد، وهو الطول، والمقدار السطحي بعدان، وهما الطول والعرض. والمقدار الجسمي ثلاثة أبعاد، وهي: الطول والعرض والعمق، فالجسم المقدار التام.
وقال قائل: إذا غاص الإنسان في البحر واستخرج درة فيها غناه فقد حاز سعادته وملك إرادته، لأنه ليس من شرط الغنى أن يستخرج جميع ما في قعر البحر من الدر والجوهر، فإن طالب هذا مغرور، وعقله مختل، ولكن إذا حصل له الغنى بدرة واحدة، وخاصة إذا كانت ثمينة، فقد كفى وغني. وهذا معناه على ما سبق إلى الفهم، أي لا يلهج بالاستكثار بالعلم وبالتوغل في فنونه، وكذلك في السير المختلفة الأحوال المتباينة، فإن الرشد إذا أصيب، والغبطة إذا أنلت، والخير إذا وجد، فقد سعد المرء ونجا من
[ ٣٢٨ ]
العطب، وإن فاته وراء ذلك جميع ما هو داخل في باب الخير وموجود في ناحية الزيادة. ولعمري إن الاجتهاد حسن، وطلب الأقصى شجاعة. ولكن الغاية المتوخاة موهومة ولا سبيل إلى بلوغها، والذي يجب بذل الاستطاعة وقلة الرضى بالفتور ومصارفة الزمان بكل حال. وما أحسن ما يعمر بهذا المعنى بعض الموفقين حين قال: إنا نحرص على بلوغ الغاية لبعد السفر لأنه لا راحة دونها، ونشح على ساعات العمر لقصر المدة لأنه لا عمل بعدها. وهذا كلام عال، وينبغي أن يكون الحرص نقيًا من الكد والاجتهاد، بريًا من التعب المؤدي إلى العطب.
وقال آخر: إنما أنت لب في قشرة، فاحفظ لبك بصيانة قشرك، ولا تصن قشرك بإضاعة لبك، واعلم أنك ذو لب واحد وذو قشور كثيرة، وتنقيتك من قشورك صعب، وقيامك بلبك أصعب. والأمر الأمم الذي يجب أن يتمم هو أن تنقيتك قشرًا بعد قشر حتى إذا وصلت إلى القشر الحافظ للب أشفقت عليه وسسته ليبقى لبك مصونا في قشرك، فإن من إيلتك لهذا القشر باب إلى التواء وجالب للفساد، وستنقشر عن ذلك في الثاني على حسب ما يهيئه من هو أولى بك وأقدر عليك وأنفذ حكمًا فيك، وهو الذي نظمك وأنت بدد، وجمعك وأنت مفرق، ونظر لك وأنت مغيب، وأوجدك وأنت عدم، وأقدرك وأنت عاجز، وأهمك وأنت ساه، وأنبهك وأنت راقد، ولاطفك وأنت جاف، وألفك وأنت متناف، وقادك إلى حظك وأنت كاره، وأتاح لك الخير وأنت يائس. وأعلى يا هذا حظك وأنت كاره وعلى هذا نظائر لا تحصى، ولطائف لا تستقصى، فهل يبقى لك بعد هذا حجة أو متعلق؟!
[ ٣٢٩ ]