في أن فضيحة حسيب لا أدب له أفظع وأشنع
من فضيحة أديب لا حسب له
سمعت أبا سليمان يقول: فضيحة حسيب لا أدب له، أفظع وأشنع من فضيحة أديب لا حسب له.
فقال: ابن الوراق النحوي: ولم ذاك؟ فقال: لأن هذا عدم ما يقوم نفسه ويكمل ذاته، وذاك فقد ما يقوم أصله ويستر قديمه، والنفس أرفع من الأصل، لأن الأصل راجع إلى الولادة، والنفس دالة على النقص والزيادة، نعم، وعلى الشقاء والسعادة،
[ ١٦٨ ]
وقد يحس الإنسان بنفسه الجيدة سقوط أبويه فيتلافى ذلك في تكسب الخير وإيثار الجميل، وشدو الأدب، وقصد العلم، كل ذلك سلف له، كما يحس الإنسان بشرف أبويه فيتكل على ما سبق لأوليته، ولا يشغل زمانه العزيز في تحلية نفسه بحلى آبائه وأجداده أخواله وأعمامه، ليكون ذلك زينة له في حياته، وذكرًا لعقبه من بعده، فلا جرم أنه أحرى من صاحبه كثيرًا ثم قال: سمعت بباب الطاق في هذه الأيام، وإنسان من أنكاد السوقة يقول لأخر من ضربائه: شرفك ميت وشرفي حي، وشرفك أخرس وشرفي ناطق، وشرفك أعمى وشرفي بصير؛ قيل له: ماذا أراد بهذا؟ قال: أراد: إني بنفسي على هذه الفضائل الشريفة والحال المتمناة، وأنت بنفسك على أضدادها، لا تحيي ولا تنطق ولا تبصر، لم تنفعك أرومتك البضاء، ولم تضرني جرثومتي السوداء، ومتى نابك أمر فتحدث بشرف غيرك، فكنت بمنزلة الخصي المدل بهن غيره، وهذا ما لا يجدي عليه عند البضاع.