النسخة المطبوعة قديمًا هي النسخة التي على هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي، والتي قلنا عنها: إنَّها لم تكن المقصودة بالطباعة، وإنَّما كان المقصود هو كتاب الخزانة، ثم كانت هذه تباعًا على الهامش، ولم يجد النَّاس الباحثون غيرها لكتاب المقاصد رضوا أم أبوا، فكانت لهم المرجع والمصدر الوحيد -طوال أكثر من مائة عام- لهذا الكتاب.
طبعت هذه النسخة في مطبعة بولاق سنة (١٣٠٠ هـ) أو بالتحديد سنة (١٢٩٩ هـ)، فكأن عمرها الآن مائة وخمسة وعشرون عامًا.
تخلو النسخة المذكورة من ضبط الأبيات أو غيرها، وتصعب قراءتها جدًّا أو الرجوع إليها، لخلوها من فهرس أو غيره، ولا يستطيع قراءتها إلَّا باحث اتسم بالصبر والأناة والحرص على العلم، وعندما صورتها دار صادر ببيروت صورتها على ما هي عليه دون زيادة أو نقصان، ودون شكل أو ضبط أو تنظيم، شأنها شأن الكتاب الأصلي فيها، وهو كتاب الخزانة، وعندما حقق الأستاذ عبد السَّلام هارون كتاب الخزانة، وأخرجه للطباعة في طبعة حديثة "أحد عشر مجلدًا
[ ١ / ٨٤ ]
غير الفهارس" هجر النَّاس وطلاب العلم كتاب الخزانة القديم المطبوع على هامشه كتاب: المقاصد النحوية، وبالتالي أيضًا هجروا كتاب المقاصد مع أهميته، والنّاس تنظر إلى أهميه الكتاب في أيديهم … إلخ، وقريبًا منهم لا يتحملون عناء البحث عنه أو البحث فيه، ومن هنا برزت أهمية تحقيق كتاب المقاصد الكبرى، وطباعته منفصلًا.
كما حقق وانفصل كتاب الخزانة، واعتمد النَّاس والطلاب عليه، مع كثرة عدد أجزائه؛ لوضوح خطه، وحسن طباعته، وضبط شواهده، وإن كان يحتاج إلى تحقيق آخر غير تحقيق الأستاذ عبد السَّلام هارون.
دعوت الأخوين الفاضلين: شقيقي وهو الدكتور عبد العزيز فاخر، وأخي وهو الدكتور أحمد السوداني، وكانت لهما أهمية كتاب المقاصد لطلاب العلم ممن تخصص في النحو، ومن تخصص في الأدب، ومن تخصص في اللغة، فأسرعا في تلبية الطّلب، وعملا في الكتاب ليلًا ونهارًا، وصيفًا وشتاءً، وعملت معهما مراجعة وتحقيقًا، ودراسة وتدقيقًا، وكانت كثرة النسخ معنا جعلت كل واحد يعمل في ناحية، حتَّى خرج كتابنا ونحن راضون عنه.
وصف النسخة المطبوعة على هامش الخزانة: طبع كتاب المقاصد النحوية على هامش الخزانة في أربعة أجزاء كبيرة، كان الجزء الأول يبدأ بشواهد الكلام، وانتهى عند آخر شواهد باب المبتدأ والخبر "ثمانية أبواب"، والجزء الثَّاني بدأ بشواهد كان وأخواتها، وانتهى بشواهد تعدي الفعل ولزومه "أحد عشر بابًا"، والجزء الثالث بدأ بشواهد التنازع في العمل، وانتهى بشواهد التعجب "ستة عشر بابًا" والجزء الرابع والأخير بدأ بشواهد نعم وبئس، وما جرى مجراها حتَّى آخر الكتاب، وهو شواهد الإدغام، فكان "ثلاثة وثلاثين بابًا"، فيها ما هو في النحو وما هو في الصرف، وختمت نسخة الخزانة، وطبعة بولاق بما ختمت به النسخ المخطوطة من سرد الكتب والمراجع التي رجع إليها العيني في كتابه، ومن خوف العيني من حساده، والطاعنين على كتابه، ثم دعا الله قائلًا: "نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الأباطيل، ويهدينا إلى سواء السبيل".
وقد ذيلت هذه النسخة بصفحة كبيرة كتبها صاحب مطبعة بولاق، لا بأس من إيراد ما يهمنا من هذه الصفحة، من ثناء على كتاب الخزانة، أو كتاب المقاصد، اللذين طبعهما الرجل أو تاريخ الطباعة، يقول:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، نحمدك يا من قامت الآيات والشواهد على أنك المستحق لجميع الممادح والمحامد، ونصلي ونسلم على رسولك أفصح من نطق فأبان، وأبلغ من أعرب عما في الضمير والجنان، وعلى آله الحائزين به طراز الجلال، وأصحابه المرشدين إلى محجة الكمال والجمال.
[ ١ / ٨٥ ]
وبعد، فيقول المتوسل بالنبي الخاتم، الفقير إلى الله تعالى محمد قاسم، قد تم بمطبعة بولاق التي ازدهرت محاسنها بسائر الآفاق، طبع شرح العلامة، الأديب الفهامة، الألمعي الأريب، من أينعت أزهار رياض علومه، وأسفرت أنوار كواكب فهومه، وسارت بركبه الركبان في كل واد، الشَّيخ عبد القادر بن عمر البغدادي، المسمى: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب على شواهد شرح الكافية، التي هي لمقاصد القواعد متممة، ولقلة العباد شافية، لنجم الأئمة الإستراباذي الشَّهير بالرضي، أرضاه الله تعالى بما تقر به عينه، وعنه رضي، وناهيك به من كتاب تخضع له رقاب ذوي الألباب، لما توشج به من غرر الفوائد، وتحلى به من درر الفوائد … " إلخ.
وبعد أن أثنى على كتاب الخزانة بما هو أهله، أثنى على كتاب المقاصد للعيني فقال: "وقد طرز هامشه النضير بشرح شواهد الحبر الكبير، خاتمة المحققين العلامة محمود العيني بدر الدين الموسوم بالمقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، ويا له من شرح جامع لعقود الفوائد، وصنوف البدائع؛ طالما أعرب فأعزب، وفسر المفردات فأعجب وأطرب، وبالجملة فإن شرحه للشواهد على كمال رسوخ قدمه في الأدب أصدق شاهد على براعة عبارته، وحسن بيانه وإشارته".
ثم ذكر بعد ذلك أسماء الذين ساهموا في طبع الكتابين: "الخزانة والمقاصد"، ونصيب كل واحد منهم بالقيراط، وانتهى بعد ذلك إلى ذكر تاريخ الطباعة التي كانت في عهد الخديوي توفيق ووزير معارفه: علي بك جودت، يقول: "وذلك في أيَّام صاحب السعادة، ومطلع تلك المجادة والسعادة، من هو بالثناء عليه حقيق، الخديوي الأعظم محمد توفيق؛ لا زالت تلك الأيَّام آمنة في ظلال عدله، رافلة في مطارف جوده وفضله، مشمولًا طبعه بإدارة، صاحب نظارتها، المشمر عن ساعد الجد في تدبير نضارها ونضارتها، من به المعارف إلى أوج الكمال رفت، سعادة: علي بك جودت، وقد طبع بدر ثمامه، وتاج مسك ختامه في أواسط أخرى بين الجمادتين، عام تسع وتسعين وألف ومائتين من هجرة السيد المختار -صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار، ما سطعت نعمات الأزهار، وما هبت نسمات الأسحار." انتهى.
وقد كانت نسخة طبعة بولاق "الخزانة، والمقاصد الكبرى" أربعة أجزء كبيرة؛ كما قلنا، في كل جزء ستمائة صفحة من الحجم الكبير، وكان كل جزء يختم بفهرس للموضوعات إجمالًا، واحد لكتاب الخزانة في صفحتين أو ثلاث، وآخر لكتاب المقاصد الكبرى في صفحة واحدة، وقد رمزنا إلى هذه النسخة المطبوعة على هامش الخزانة بنسخة الخزانة.
فائدة نسخة الخزانة: لقد اعتقدنا واعتقادنا صحيح -إن شاء الله تعالى- أن النسخة
[ ١ / ٨٦ ]
المطبوعة على هامش الخزانة أصح من النسخ المخطوطة؛ وذلك لأنَّه قد توفر على طباعتها علماء أجلاء في القديم، كانوا يحبون العلم، ويعكفون عليه، وهكذا كل مطبوع في القدم من كتاب سيبويه "طبعة بولاق"، ومن كتاب الخزانة، وغير ذلك، وأعتقد أن هؤلاء العلماء وقفوا على نسخ لكتاب المقاصد مخطوطة غير التي وقفنا عليها، ورجعنا إليها، لقد كنا نرى سقطًا في بعض مقطوعات الشعر في نسختي "أ - ب" المخطوطتين، كان يدلنا عليها المقارنة والقراءة في نسخة بولاق المطبوعة، وعلى كل حال فنحن أخذنا العلم وصححنا الكلام، ووثقناه وأكدناه من النسخ الثلاث؛ المخطوطتين والمطبوعة، وكان هذا الذي يهمنا.
- مثال من السقط والتكملة: ومن نماذج السقط من النسخ المخطوطة والتكملة من نسخة الخزانة هذا الشاهد، وهو قوله (^١):
فَأَصبَحنَ لا يَسأَلْنَهُ عَنْ بِمَا بِهِ … أَصَعَّدَ فيِ عُلُوِّ الهَوَى أَمْ تَصَوَّبَا
جاء في نسختي "أ، ب" قول العيني: "أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل، ثم بدأ بشرح مفردات البيت".
والذي جاء هنا قاله الإمام عبد القادر، وهو يشرح البيت في كتابه الخزانة يقول: "هذا البيت لم أقف على اسم قائله، ولا تتمة. والله أعلم" (^٢).
لكن نسخة المقاصد المطبوعة على هامش الخزانة أسعفتنا بوجود القائل، وقد ذكرت أربعة أبيات من قصيدة الشاهد.
يقول العيني بعد أن ذكر البيت السابق: "أقول: قائله هو الأسود بن يعفر من قصيدة من الطَّويل، وأولها هو قوله:
صَحَا سكرٌ مِنْهُ طَويلٌ بِزَيْنَبَا … تعَاقِبهُ لما اسْتَبَانَ وجَرَّبَا
وَأَحكَمَهُ شَيبُ القَذَالِ عن الصبَا … فَكَيفَ تُصَاببهُ وَقَدْ صَارَ أَشْيَبا
وكَانَ لَهُ فيمَا أَفَادَ حلائلٌ … عَجَّلْنَ إذا لاقَينَهُ قَلْنَ مَرحَبا
فَأَصْبَحْنَ … إلى آخره
وبعده:
طَوَامِحُ بِالأَبْصَارِ عَنْهُ كَأنَّمَا … يرينَ عليهِ حلّ أَدْهَم أَجْرَبا
قوله: "أصعد" أي ارتقى، قوله: "أم تصوب" أي أم نزل.
_________________
(١) الشاهد رقم (٨٤٠) من شواهد هذا الكتاب.
(٢) خزانة الأدب (٥/ ٥٢٧) "هارون".
[ ١ / ٨٧ ]
وهكذا ذكرت النسخة بعد أول بيت في القصيدة بيتين آخرين، ثم بيت الشاهد، ثم بيتًا خامسًا.
ومع ذلك كله، وتقديرنا لنسخة المقاصد المطبوعة على هامش الخزانة؛ إلَّا أن فيها -غير إهمال الشكل- بعض الأخطاء الهينة، حتَّى لا يبقى الكمال إلا لله وحده، فمثلًا هذا شاهد، وهو قوله (^١):
حَمَامَةُ بَطْن الوَادِيَين ترنَّمِي … سَقَاكِ مِنَ الغُرِّ الفَوَادِي مَطيرُهَا
وهو شاهد في باب التوكيد؛ لإقامة المثنى مقام المفرد في قوله: "بطن الواديين"، وأصله: بطن الوادي، وعلى ذلك مكانه باب التوكيد؛ لكنَّه جاء في نسخة الخزانة في آخر باب النعت، وبعد الانتهاء من شرحه جاء العنوان: شواهد التوكيد، والصحيح أن باب التوكيد يبدأ بالبيت المذكور.