هي ترجمة له من كتاب المنهل الصافي لابن تغري بردي، وكان معاصرًا للعيني، وهي أقدم ترجمة له، يقول (^١):
"هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العلامة، فريد عصره، ووحيد دهره، عمدة المؤرخين، مقصد الطالبين، قاضي القضاة بدر الدين أبو محمد وأبو الثناء، ابن القاضي شهاب الدين، ابن القاضي شرف الدين، العنيتابي الأصل والمنشأ، المصري الدار والوفاة، الحنفي، قاضي قضاة الديار المصرية، وعالمها، ومؤرخها.
سألته عن مولده فكتب لي بخطه ﵀: "مولدي في السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، في درب كيكن"، انتهى.
قلتُ: ونشأ بعنيتاب بين حلب وأنطاكية بالشام، وحفظ القرآن الكريم، تفقه على والده وعلى غيره، وكان أبوه قاضي عنيتاب، وتوفي بها في شهر رجب سنة (٧٨٤ هـ)، ورحل ولده
_________________
(١) انظر ترجمة العيني في المصادر والمراجع الآتية: - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي (١٥/ ١١٠). - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (٢/ ٢٧٥). - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي (١٠٨٩ هـ)، (٧/ ٢٨٧). - الضوء اللامع لأهالي القرن التاسع لشمس الدين السخاوي (٩/ ١٣١ - ١٣٥). - البدر الطالع بمحاسن القرن السابع للشوكاني (١٢٥٠ هـ)، (٢/ ٢٩٤). - معجم المؤلفين لرضا كحالة (١٢/ ١٥٠). - الأعلام للزركلي (٧/ ١٦٣). - مقدمة كتاب السيف المهند في سيرة الملك المؤيد (١ - ١٥). - مقدمة كتاب عمدة القاري في شرح صحيح البخاري (١/ ١ - ١٠).
[ ١ / ١٧ ]
صاحب الترجمة إلى حلب، وتفقه بها، وأخذ عن العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي الحنفي وغيره، ثم قدم لزيارة بيت المقدس، فلقي به العلامة علاء الدين أحمد بن محمد السيرامي الحنفي، شيخ المدرسة الظاهرية برقوق، وكان العلاء أيضًا توجه لزيارة بيت المقدس، فاستقدمه معه إلى القاهرة في سنة ثمانٍ وثمانين وسبعمائة، ونزّله في جملة الصوفية بالمدرسة الظاهرية، ثم قرره خادمًا بها في أول شهر رمضان منها، فباشر المذكور الخدامة حتى توفي العلامة علاء الدين السيرامي في سنة (٧٩٠ هـ).
وقد انتفع به صاحب الترجمة وأخذ عنه علومًا كثيرة في مدة ملازمته له، ولما مات العلاء السيرامي أخرجه الأمير جاركس الخليلي أمير آخور من الخدامة وأمر بنفيه لما اتُّهم به؛ حسدًا من الفقهاء، حتى شفع فيه شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، فأُعفي من النفي، وأقام بالقاهرة ملازمًا للاشتغال، وتردد على الأكابر من الأمراء مثل الأمير حكم بن عوض، والأمير قلمطاي الداودار قبله، وتغري بردي القردمي، وغيرهم، حتى توفي الملك الظاهر برقوق في سنة (٨٠١ هـ) فولي بعد ذلك حسبة القاهرة.
قلتُ: وولايته الحسبة بالقاهرة يطول الشرح في ذكر ذلك؛ لأنه وليها غير مرة، آخرها في سنة (٨٤٦ هـ) عوضًا عن يار علي الطويل الخرساني. انتهى.
ثم ولي المذكور في الدولة الناصرية عدة تداريس ووظائف دينية، واشتهر اسمه وأفتى ودرَّس، وأكبَّ على الاشتغال والتصنيف إلى أن ولي في الدولة المؤيدية شيخ نظر الأحباس، وصار من أعيان فقهاء الحنفية، وأرَّخ وكتب، وجمع وصنف، وبرع في علوم كثيرة؛ كالفقه، واللغة، والنحو، والتصريف، والتاريخ، وشارك في الحديث، وسمع الكثير في مبدأ أمره، وقرأ بنفسه، وسمع التفسير، والحديث والعربية.
فمن التفسير: تفسير الزمخشري، وتفسير النسفي، وتفسير السمرقندي.
ومن الحديث: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وسنن البيهقي، والدارقطني، ومسند عبد ابن حميد، والمعاجم الثلاثة للطبراني، وغير ذلك.
ومن العربية: المفصل للزمخشري، والألفية لابن مالك في النحو وغيرهما.
وتصدى للإقراء سنين، واستمر على ذلك إلى أن طلبه الملك الأشرف برسباي، وأخلع عليه باستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية في سنة (٨٢٩ هـ)، بعد عزل قاضي القضاة: زين الدين عبد الرحمن التفهني، فباشر المذكور وظيفة القضاء بحرمة وافرة، وعظمة زائدة، لقربه من الملك، ولخصوصيته به، ولكونه ولِيَ القضاء من غير سعي.
[ ١ / ١٨ ]
وكان ينادم الملك الأشرف، ويبيت عنده في بعض الأحيان، وكان يعجب الأشرف قراءته في التاريخ؛ لكونه كان يقرأه باللغة العربية، ثم يفسر ما قرأه باللغة التركية، وكان فصيحًا في اللغتين.
وكان الملك الأشرف يسأله عن دينه، وعما يحتاج إليه من العبادات وغيرها، وكان العيني يجيبه بالعبارة التي تقرب من فهمه، ويحسن له الأفعال الحسنة، حتى سمعت الأشرف في بعض الأحيان يقول: لولا العنتابي ما كنا مسلمين. انتهى.
واستمر في القضاء إلى أن صُرف وأعيد التفهني في سنة (٨٣٣ هـ)، فلزم المذكور داره أيامًا يسيرة، وطلبه السلطان، وصار يقرأ له على عادته، ثم ولي حسبة القاهرة، ثم أعيد إلى القضاء في سنة (٨٣٥ هـ) عوضًا عن التفهني يحكم طول مرض موته.
باشر القضاء والحسبة والأحباس معًا مدة طويلة؛ إلى أن صرف عن الحسبة بالأمير صلاح الدين بن حسن بن نصر الله، واستمر في القضاء، ونظر في الأحباس إلى أن توفي الملك الأشرف برسباي سنة (٨٤١ هـ)، وتسلطن ولده الملك العزيز يوسف، وصار الأنايك جقمق العلائي مدبر مملكته، عزله جقمق المذكور عن القضاء بشيخ الإسلام سعد الدين بن محمد الديري سنة (٨٤٢ هـ)، فلزم المذكور داره مكبًّا على الاشتغال والتصنيف.
ثم ركدت ريحه وضعف عن الحركة لكبر سنه، واستمر مقيمًا بداره إلى أن خرجت عنه الأحباس لعلاء الدين علي بن محمد بن الزين، أحد نواب الحكم الشافعي، وندماء الملك الظاهر جقمق في سنة (٨٥٣ هـ) فعظم عليه ذلك لقلة موجوده، وصار يبيع من أملاكه وكتبه إلى أن توفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وصُلِّي عليه من الغد بالجامع الأزهر، ودُفن بمدرسته بجوار داره ﵀، وكانت جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه.
وكان بارعًا في عدة علوم، مفندًا، عالمًا بالفقه، والأصول، والنحو، والتصريف، واللغة، مشاركًا مشاركة حسنة، أعجوبة في التاريخ، حلو المحاضرة، محفوظًا عند الملوك -إلا الملك الظاهر جقمق- كثير الاطلاع، واسع الباع في المعقول والمنقول، قَلَّ أن يذكر علم إلا ويشارك فيه مشاركة جيدة.
ومصنفاته كثيرة الفوائد، وأخَذتُ عنه، واستفدت منه، وليَ منه إجازة بجميع مروياته وتصانيفه.
وكان شيخًا أسمر اللون، قصيرًا، مسترسل اللحية، فصيحًا باللغة التركية، لكلامه في التاريخ وغيره طلاوةٌ، وكان جيد الخط سريع الكتابة، قيل: إنه كتب كتاب القدوري في الفقه في ليلة واحدة في مبادئ أمره، وكان مسوداته مبيضات، وله نظم ونثر ليسا بقدر علمه.
[ ١ / ١٩ ]