ألا كلُّ شيءٍ مَا خَلا الله بَاطِلُ …
أقول: قائله هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الجعفري العامري، صحابي، شاعر من فحول الشعراء مُفْلِق (^٣)، متقدم في الفصاحة، مجيد، فارس جواد حكيم، يكنى أبا عقيل، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وهو عند ابن سلام (^٤) في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية (^٥)، وفد على رسول الله ﷺ سنة وَفَدَ بنو جعفر، فأسلم وحسن إسلامه.
وقال ابن قتيبة (^٦): قَدِمَ على رسول الله ﷺ في وفد كلاب، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان لبيد وعلقمة بن علاثة (^٧) العامريان من المؤلفة قلوبهم، وحَسُن إسلامهما، وقال
_________________
(١) انظر البيت في شرح الألفية لابن الناظم (٤) ط. دار السرور بيروت، تصحيح محمد بن سليم اللبابيدي.
(٢) البيت من بحر الطويل للبيد بن ربيعة، في الدوران (١٣٢) ط. دار صادر بيروت، وهو موجود في غالب كتب النحو وشروح شواهدها، ومنها شرح شواهد المغني للسيوطي (١٥٠)، وانظر الشعر والشعراء لابن قتيبة: (١٧٠) تحقيق د / مفيد قميحة، ومراجعة: نعيم زرزور، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ثانية (١٩٨٥ م).
(٣) "مفلق" يقال: أفلق الرجل أي أتى بالروائع والعجيب في شعره، ينظر أساس البلاغة للزمخشرى مادة: "فلق"، ط. دار صادر، بيروت (١٩٧٩ م).
(٤) محمد بن سلام بن عبيد الله الجمحي بالولاء، له طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين، وبيوتات العرب، وغرب القرآن (ت ٢٣٢ هـ)، ينظر الأعلام (٦/ ١٤٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٧١).
(٥) ينظر طبقات فحول الشعراء (١/ ١٢٣) شرح: محمود محمد شاكر، ط. دار المدني بجدة.
(٦) عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الدينوري، من أئمة الأدب، ولد ببغداد وتوفي بها (٢٧٦ هـ) له: أدب الكاتب، والمعارف، والمعاني، والشعراء والشعراء وغيرها. الأعلام (٤/ ١٣٧).
(٧) هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر العامري، ولاه عمر بن الخطاب حوران فنزل بها حتى مماته في (٢٠ هـ) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٤/ ٢٦٧) ط. دار الكتب العلمية. الأعلام (٤/ ٢٤٧).
[ ١ / ١١١ ]
عمر بن الخطاب (^١) -[﵁]- للبيد ﵁ (^٢)،: أنشِدْني شيئًا من شعرك، فقال: ما كنتُ أقول (^٣) شعرًا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران، فزاده عمر [﵁ (^٤)] في عطائه خمسمائة، وكان ألفين، فلما كان في زمن معاوية (^٥) - رضي الله [تعالى (^٦)] عنه- قال له معاوية: هذان الفَوْدَانِ، فما بال العلاوة؟ يعني بالفودين: الألفين (^٧) وبالعلاوة: الخمسمائة، وأراد أن يحطَّه إياها، فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفَؤدَانِ، فرق له وترك عطاءَه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير، وقيل: لم يدرك لبيد خلافة معاوية - رضي الله [تعالى (^٨)] عنه - (^٩) [إنما مات بالكوفة في إمارة الوليد بن عقبة (^١٠) عليها في خلافة عثمان (^١١) - رضي الله تعالى عنه-] وهو الأصح.
وقال الإمام مالك (^١٢) بن أنس ﵀ (^١٣): بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة، وقيل: مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة، وقال أكثر أهل العلم بالأخبار: لم يقل شعرًا منذ أسلم، ويقال: لم ينظُم في الإسلام غير قوله (^١٤):
الحمدُ للهِ إذ لم يأتِني أجَلي … حتى اكتَسَيتُ مِنَ الإسلامِ سِرْبَالا
_________________
(١) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، من صحابة الرسول ﷺ وخليفته الثاني (ت ٢٣ هـ)، ينظر الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٢٧٩)، والأعلام (٥/ ٤٥).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (أ).
(٣) في (أ): لأقول.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(٥) معاوية بن أبي سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، مؤسس الدولة الأموية: في الشام وأحد دهاة الحرب (ت ٦٠ هـ). الأعلام (٧/ ٢٦١)، والإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ١١٢).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (أ).
(٧) والفودان في الأصل: جانب الرأس مما يلي الأذن والشعر النابت فوقه، وهما فودان.
(٨) و(^٩) ما بين المعقوفين زيادة من (أ).
(٩) ما بين المعقوفين في (أ): رضي الله تعالى عنه، وهو أبو وهب الوليد بن عقبة بن عقبة معيط، من فتيان قريش وشعرائهم وأجوادهم، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه (ت ٦١ هـ). الأعلام (٨/ ١٢٢)، والإصابة (٦/ ٣٢١).
(١٠) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير المؤمنين (ت ٣٥ هـ). الأعلام (٤/ ٢١٠)، والإصابة (٤/ ٢٢٣).
(١١) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، وتوفي بالمدينة (١٧٩ هـ). الأعلام (٥/ ٢٥٧)، الإمام مالك: حياته وآثاره لمحمد بن يعيش، دار الصفوة القاهرة.
(١٢) في (أ): رضي الله تعالى عنه.
(١٣) من البسيط، والسربال هو الثوب والقميص، المعجم الوسيط: "سربل" والبيت في الشعر والشعراء (١٦٨) لابن قتيبة، تحقيق: مقيد قميحة ومراجعة نعيم زرزور، ط. دار الكتب العلمية بيروت ثانية (١٩٨٥ م) والديوان (٢٣٦) ط. دار صادر (ملحق)، وشرح شواهد المغني (١٥٥).
[ ١ / ١١٢ ]
وقيل: قوله (^١):
ما عَاتَبَ المرءَ الكريمَ كَنفسِهِ … والمرءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصالِحُ
وقال ابن عبد البر (^٢): في هذه (^٣) القصيدة ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وهو قوله (^٤):
وَكُلُّ امرئٍ يومًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ … إِذَا انكشفتْ عِندَ الإِلَهِ المحاصلُ
وقال الحافظ أبو الفتح اليعمري (^٥): البيت الذي نسب إليه، وهو قوله:
الحمد لله
لفروة بن نفاثة بن عمرو بن نوابة، عُمِّر وطال عُمرُه (^٦)، ووفد على النبي ﷺ وأسلم وقال (^٧):
بَانَ الشبابُ فلم أحْفَل بِهِ بالا … وأقبلَ الشَّيبُ والإسلامُ إقْبَالا
وقد أُدوِّي نَدِيِمي من مُشَعْشِعَةٍ … وَقَدْ أُقلِّبُ أوْرَاكًا وَأَكَفَالا
الحمدُ لله إذْ لَمْ يَأْتيني أَجَلِي … حَتَّى اكْتَسَيْتُ منَ الإِسْلَامِ سِرْبَالا
ثم اعلم أن تمام البيت المذكور (^٨) هو قوله:
… وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالةَ زَائِلُ
وهو من قصيدة لامية أولها هو قوله (^٩):
_________________
(١) البيت من بحر الكامل، وهو في الشعر والشعراء (١٦٨)، والديوان (٢٢٤)، ط. دار صادر (ملحق)، وشرح شواهد المغني للسيوطي (١٥٥).
(٢) عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن عبد البر التنوخي، مؤرخ تونسي (ت ٧٣٧ هـ). الأعلام (٤/ ١٢٦).
(٣) في (أ): وفي هذه.
(٤) البيت من بحر الطويل، في ديوانه (١٣٢) دار صادر، وانظره في الشعر والشعراء (١٧١).
(٥) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري، مؤرخ عالم بالأدب (ت ٧٣٤ هـ). الأعلام (٧/ ٣٤).
(٦) ذكره ابن حجر بأنه فروة بن نفاثة السلولي في الإصابة (٥/ ٢٠٩)، وذكر في (٥/ ٢٣٥)، تحت مسمى: قردة بن نفاثة السلولي بن عمرو بن ثوابة بن عبد الله.
(٧) من البسيط، والأبيات في الإصابة في تمييز الصحابة (٥/ ٢٣٥)، والقصة كاملة، والبيت الأخير يروى: فالحمد لله إن لم يأتني أجلي … المفردات: بان: بعد، نَديمي: أي مصاحبي على الشراب المساهر، المشعشعة: هو الشراب الممزوج بقليل من الماء، الأوراك: جمع وَرْك وهو ما فوق الفخذ من الإنسان، الأكفال: جمع الكَفَل وهو العجز للإنسان والدابة. المعجم الوسيط "ورك- كفل".
(٨) يقصد به الشاهد.
(٩) الديوان (١٣١) دار صادر، وشرح شواهد المغني للسيوطي (١٥٠)، والأبيات غير مرتبة كما في الديوان، وفيها إبدال كلمات بأخرى، لكنها لا تؤثر في المعنى.
[ ١ / ١١٣ ]
١ - ألا تسأَلانِ الْمَرءَ مَاذَا يُحَاول … أَنَحْبٌ فَيقضَى أَمْ ضَلالٌ وَبَاطلُ
٢ - أَرى الناسَ لا يَدرونَ ما قَدرُ أَمرهم … بَلى كُلُّ ذي لُبٍّ إلى اللهِ واصِلُ
٣ - ألا كل شيءٍ مَا خَلا الله بَاطل … وَكُل نَعيمٍ لا مَحَالةَ زَائلُ
٤ - وَكُل أُنَاسٍ سَوفَ تَدْخُلُ (^١) بَينَهُم … دُوَيهيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ
٥ - وَكُل امْرئ يَوْمًا سَيَعلَمُ سَعيَه … إذا حُصِّلَت عِندَ الإلَهِ المَحَاصِلُ
٦ - إذا المرءُ أَسرَى ليلةً خال أنه … قضَى عمَلًا والمرءُ ما دام عاملُ
٧ - فَقولا لَهُ إِن كانَ يَقسِمُ أَمرَهُ … ألمَّا يَعظكَ الدَهرُ أُمُّكَ هابلُ
٨ - فَإن أَنتَ لَم ينفعْكَ عِلمُك فَانتَسِب … لعلَّكَ تهديكَ القُرونُ الأَوائِلُ
٩ - فَتَعلَمَ أَن لا أَنتَ مُدرِكُ ما مَضى … وَلا أَنتَ مما تَحذَرُ النَفسُ وائلُ
١٠ - فَإن لَم تجِد من دُونِ عَدنانَ والِدِّا … وَدونَ مَعَدٍّ فَلتَرُعْكَ العَواذِلُ
وهي من الطويل، وهو أول بحور الدائرة الأولى من الدوائر الخمس المسماة بدوائر المختلف، وسميت به لاختلاف كمية أجزائها (^٢)، وهي مشتملة على خمسة أبحر، ثلاثة مستعملة وهي: الطويل والمديد والبسيط، وبحران مهملان وهما: المستطيل مقلوب الطويل، والممتد مقلوب المديد (^٣)، وأصله في الدائرة: فعولن مفاعيلن أربع مرات (^٤)، وقد دخله القبض في ضربه، وأما عروضه فتكون مقبوضة دائمًا (^٥).
والقبض هو (^٦): حذف الخامس الساكن (^٧)، فتحذف (^٨) الياء من "مفاعيلن" فيصير مفاعلن، فتقول (^٩): (ألا كل) فعولن سالم، (ل شيء ما) مفاعيلن سالم، (خلا اللا) فعولن سالم، (هـ باطل) مفاعلن، مقبوض.
_________________
(١) في (أ): "يدخل".
(٢) ينظر الوافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي (١٢)، تحقيق: فخر الدين قباوة. دار الفكر سوريا، ط. رابعة (١٩٨٦ م).
(٣) السابق نفسه (١٠، ١١).
(٤) في (أ، ب): ثمان مرات، والصحيح أنها: أربع مرات.
(٥) ينظر المفصل في العروض والقافية وفنون الشعر: عدنان حقي، ط. مؤسسة الإيمان بيروت، أولى (١٩٨٧ م) (٢٥ - ٢٩).
(٦) في (أ): والقبض حذف الخامس الساكن (بإسقاط هو).
(٧) ينظر المفصل في العروض والقافية وفنون الشعر (١٥).
(٨) في (ب): فيحذف.
(٩) في (ب): وتقول.
[ ١ / ١١٤ ]
والبيت الشاهد مقفى، وهو أول القصيدة على ما ذكره الخالديان (^١) في الأشباه والنظائر، وكذا ابن السيد (^٢).
وعند جماعة منهم ابن هشام اللخمي (^٣) والعسكري (^٤)، أول البيت ما ذكرناه من قوله:
ألا تسألانِ المرءَ مَاذَا يُحَاولُ …
وهو أيضًا مصرعٌ مقفى، والفرق بين التقفية والتصريع أن التصريع عندهم تبعية العروض للضرب قافية ووزنًا وإعلالًا (^٥).
والتقفية: أن يكون العروض على زنة الضرب وقافيته، سواء تغيرت العروض عما يجب لها أم لا (^٦)، فكل تصريع تقفية ولا ينعكس (^٧)، وسمي البيت إذا كان فيه تصريع مصرعًا تشبيهًا له بمصراعي الباب، فكأن البيت الذي هو المصرع (^٨)، وهو ما له قافيتان شبيه بالبيت الذي له بابان، وقيل: إنه مشتق من الصرعين، وهما نصفا النهار، فانتصاف النهار صَرْعٌ، وسقوط الشمس صَرْعٌ، والأول أقرب.
وقافيته من المتدارك، وهو ما بعد ساكنه الأول حركتان، وسمي بذلك لتدارك السكون الثاني فيه الأول، أي: تداركه فلم يترك الحركات تتزايد، أو لأن الحركة الثانية أدركت الأولى
_________________
(١) هما سعيد بن هاشم بن وعلة بن عرام، اشتهر هو وأخوه محمد بالخالديين (ت ٣٧١ هـ). الأعلام (٣/ ١٠٣)، واسم أخيه محمد بن هاشم بن وعلة أبو بكر الخالدي (ت ٣٨٠ هـ). الأعلام (٧/ ١٢٩).
(٢) عبد الله بن محمد بن السيد أبو محمد البطليوسي، له: شرح أدب الكاتب وغيره (ت ٥٢١ هـ). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (٢/ ٥٥، ٥٦)، ط. دار الفكر، ثانية (١٩٧٩ م).
(٣) محمد بن أحمد بن هشام بن إبراهيم بن خلف اللخمي النحوي، له: كتاب الفصول والمجمل في شرح أبيات الجمل وغيرهما. توفي بعد (٥٥٧ هـ). بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٤٨، ٤٩).
(٤) الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين (ت ٣٩٥ هـ). بغية الوعاة (١/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٥) المفصل في العروض والقافية وفنون الشعر (١٨).
(٦) ينظر الكافي في العروض والقوافي للتبريزي، تحقيق الحساني حسن عبد الله (٢٠)، ط المدني (١٩٦٩ م).
(٧) في (أ): ولا عكس، ومثال المصرع المقفى قول شوقي: قم في فم الدنيا وحي الأزهرا … وانثر على سمع الزمان الجوهرا ومثال المقفى فقط: ولد الهدى فالكائنات ضياء … وفم الزمان تبسم وثناء
(٨) في (ب): مصرع.
[ ١ / ١١٥ ]
ولم يفصل بينهما ساكن (^١)، ومثاله (^٢):
قفَا نَبكِ مِنْ ذكرَى حَبيب وَمَنْزل
والقافية تأتي على خمسة أنواع هذا أحدها.
١ - قوله: "يحاول" من حاولت الشيء أي (^٣): أردته، والنحب بفتح النون وسكون الحاء المهملة وهو: المدة والوقت، يقال: قضى فلان نحبه إذا مات.
٢ - قوله: "ألا": كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، قوله: "شيء" الشيء اسم للموجود، فلا يقال للمعدوم شيئًا، وفيه خلاف تقرر في الأصول، قوله: "خلا" كلمة يستثنى بها وتنصب ما بعدها وتَجر، تقول: جاءني القوم خلا زيدًا، فتنصب بها إذا جعلتها فعلًا من خلا يخلو خلوًّا ويضمر فيها الفاعل؛ كأنك قلت: خلا مَنْ جاءني مِن زيد (^٤).
وإذا قلت: خلا زيدٍ بالجر فهي عند بعضهم حرف جر بمنزلة: حاشا (^٥)، وعند بعضهم مصدر مضاف (^٦).
وأما: ما خلا بكلمة (ما) فلا يكون بعدها إلا النصب، تقول: جاءني القوم ما خلا زيدًا؛ لأن
_________________
(١) الكافي في العروض والقوافي للتبريزي (١٤٨).
(٢) من الطويل لامرئ القيس، مطلع معلقِته المشهورة، ينظر الديوان (٢٩) (دار صادر)، وينظر أيضًا: شرح المعلقات السبع للزوزني (٥) ط. دار الكعب العلمية، وشرح القصائد العشر للتبريزي (٢٠) تحقيق: قباوة، ط. دار الآفاق الجديدة، بيروت (١٩٧٩ م)، وتمامه: … بسقط اللوى بين الدخول فحومل وثنى "قفا"؛ لأنه خطاب الرفيقين، أو أنه أراد قفن بنون التوكيد الخفيفة، وأبدل الألف من النون، وهو شاهد على أن القافية من المتدارِك.
(٣) في (أ): "إذا".
(٤) "خلا" تكون فعلًا متعديًا ناصبًا للمستثنى، وفاعلها ضمير مستتر عائد على مصدر الفعل المتقدم عليها، أو اسم فاعله، أو البعض المفهوم من الاسم العام، والجملة مستأنفة أو حالية. ينظر المغني (١٣٣، ١٢٢).
(٥) قال ابن هشام: "خلا على وجهين: أحدهما أن تكون حرفًا جارًّا للمستثنى، والثاني: أن تكون فعلًا متعديًا ناصبًا له" المغني (١٣٣)، ومنه ما ورد من قول الشاعر المجهول من الطويل: خلا الله لا أرجو سواك وإنما … أعد عيالي شعبة من عيالكا ونسب إلى سيبويه عدم سماع الجر بها والصحيح خلافه، فقد قال سيبويه: وبعض العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبيد الله فيجعل خلا بمنزلة حاشا" الكتاب (٢/ ٣٤٩، ٣٥٠)، وينظر شرح ابن عقيل (٢/ ٢٣٤)، أما إذا اقترنت بها ما فيتعين النصب بها كبيت الشاهد.
(٦) هو قول ابن مالك: "فالأجود أن يجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه فيقدر: قاموا عدا زيدًا: جاوز قيامهم زيدًا، ويستمر على هذا السنن أبدًا إذا دعت إليه الحاجة". شرح التسهيل (٢/ ٣١١).
[ ١ / ١١٦ ]
خلا لا يكون بعدها "ما" إلا صلة، وهي معها مصدر؛ كأنك قلت: جاءني القوم خُلُوَّ زيدٍ (^١)، أي خلوهم من زيد، يعني خالين من زيد (^٢)، وعن قريب يأتي مزيد الكلام فيه -إن شاء الله تعالى- (^٣).
وقوله: "ما خلا الله باطل" من هذا القبيل، لا يجوز فيه إلا النصب، وذلك لأن "ما" فيه مصدرية فدخولها يعين الفعلية (^٤)، ولفظة "الله" اسم للذات المعبود بالحق المستجمع لجميع الصفات، وقد شاع كلام الناس فيه (^٥)، هل هو مشتق أم اسم موضوع؛ فلا يحتاج إلى ذكره (^٦).
قوله: "باطل": من بطل الشيء يبطل بطلانًا وبطولًا وبُطْلًا، ومعناه: ذهب ضياعًا وخسرانًا، وزاد ابن القطاع (^٧) بطولة، وأبطل إذا جاء بالباطل، والأباطيل: جمع باطل على خلاف القياس، كأنه جمع إبطيل (^٨)، والباطل ضد الحق، وفي عرف المتكلمين الباطل: الخارج عن الانتفاع، والفاسد: يقرب منه، والصحيح ضده ومقابله، وفي عرف الشرع: الباطل من الأعيان: ما فات معناه المقصود، المخلوق له من كل وجه بحيث لم يبق (^٩) إلا صورته، ولهذا يذكر في مقابلة الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت، وفي الشرع يراد به ما (^١٠) هو المفهوم منه لغة، وهو: ما كان ثابت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، إما لانعدام محلية التصرف؛ كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف؛ كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل.
فإن قلتَ: ما معناه ها هنا؟.
_________________
(١) في (ب): خلوًّا زيدًا.
(٢) قال ابن مالك: "واتفق النحويون، إلا أبا عمرو الجرمي على وجوب نصب المستثنى بما عدا وما خلا كقول لبيد "البيت"؛ لأن ما مصدرية ولا يليها حرف جر، وإنما توصل بجملة فعلية، وقد توصل بجملة من مبتدأ وخبر " شرح التسهيل (٢/ ٣١٠).
(٣) ينظر إعراب الشاهد الآتي بعد صفحات.
(٤) ارتشاف الضرب، تحقيق: النماس (٢/ ٣١٨)، ومغني اللبيب، تحقيق: محمد محيي الدين (١/ ١٣٤).
(٥) نظرات بلاغية في أذكار الصلاة الفرضية، د / رفعت السوداني.
(٦) اختار الزمخشري كونه اسمًا مشتقًّا، ينظر الكشاف (١/ ٦) ط. دار الريان، الثالثة (١٩٨٧ م)، وروح المعاني للآلوسي (١/ ٥٤)، وما بعدها، دار إحياء التراث العربي بيروت، وانظر بيانًا مفصلًا عن لفظ الجلالة في شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٧٧) وما بعدها.
(٧) هو علي بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن القطاع، صنَّف: أبنية الأفعال وأبنية الأسماء وغيرهما (ت ٥١٥ هـ)، بغية الوعاة (٢/ ١٥٣، ١٥٤).
(٨) اللسان مادة: "بطل" وإنما كان على خلاف القياس؛ لأن جمع فاعل يكون على فواعل فجمع الباطل القياس هو: بواطل.
(٩) في (ب): تَبْق.
(١٠) في (ب): كما.
[ ١ / ١١٧ ]
قلتُ: المعنى ها هنا: كل شيء سوى الله تعالى زائل فائت مضمحل ليس له دوام.
قوله: "وكل نعيم" النعيم: ما أنعم الله به عليك، وكذلك النعمة والنعمى والنعماء، فالمد في الفتح، والقصر [في الضم] (^١)، قوله: "لا محالة" أي: لا حيلة، ويجوز أن تكون من الحول وهو القوة والحركة، وهي مفعلة منهما، وأكثر ما تستعمل لا محالة بمعنى الحقيقة واليقين، أو بمعنى: لا بد، والميم زائدة، ومنه ما جاء في حديث (^٢) قُسّ بن ساعدة (^٣):
أَيقَنتُ أَنِّي لا مَحالَةَ … حَيثُ صارَ القَومُ صائِرُ
قال الجوهري (^٤) قولهم: "لا محالة" أي: لا بد، يقال: الموت آت لا محالة (^٥).
فإن قلت: الجنة نعيم، وهي لا تزول أبدًا، فكيف قال: وكل نعيم لا محالة زائل؟ وهذا كلام غير صحيح، ولهذا لمّا أنشده لبيد رد عليه عثمان بن مظعون (^٦) -رضي الله تعالى عنه- وقال له: كذبتَ، نعيم الجنة لا ووول، على ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي (^٧).
وقال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عمن حدثه قال: لما رأى عثمان بن مظعون -رضي الله تعالى عنه- ما يلقى رسول الله ﷺ وأصحابه من الأذى، وهو يغدُو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة (^٨)، قال عثمان: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل بيتي يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، فمشى إلى الوليد بن المغيرة وهو في المسجد، وقال (^٩): يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد
_________________
(١) ما بين المعقوفين سقط في (ب).
(٢) قُسّ بن ساعدة بن عمرو بن عدي من بني إياد، شاعر وخطيب مفوَّه، أول من قال: أما بعد، أدرك النبي ﷺ قبل النبوة، توفي سنة (٢٣) قبل الهجرة. الأعلام (٥/ ١٩٦)، وموسوعة شعراء العصر الجاهلي (٢٦٥).
(٣) مقطوعة من بيت، من مجزوء الكامل لقس بن ساعدة في التذكير بالموت وأولها: في الذاهِبينَ الأَوَّليـ … ـــنَ من القُرونِ لَنا بَصائِر
(٤) إسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر الفارابي، صنَّف: الصحاح ومقدمة في النحو وكتابًا في العروض وغيرهم (ت ٣٩٣ هـ) بغية الوعاة (١/ ٤٤٦) وما بعدها.
(٥) الصحاح مادة: "حول"، وموسوعة شعراء العصر الجاهلي (٢٦٥).
(٦) هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجحمي، صحابي توفي في الثانية للهجرة، الأعلام (٤/ ٢١٤).
(٧) محمد بن إسحاق بن يسار بن جبار، ألف كتاب الخلفاء وكتاب السيرة وكتاب المبتدأ وكتاب المغازي توفي سنة (١٥٠ هـ)، ينظر كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (٦)، (٧).
(٨) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، جاهلي عادى الإسلام وقاوم الدعوة توفي في السنة الأولى للهجرة، الأعلام (٨/ ١٢٢).
(٩) في (أ): "فقال".
[ ١ / ١١٨ ]
كنت في جوارك، وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول الله ﷺ فَلِيَ به وبأصحابه أسوة، فقال: فلعلك يا ابن أخي أوذيت أو انتهكت قال: لا، ولكن أرضى بجوار الله تعالى، ولا أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فاردد إليَّ جواري علانية؛ كما أجرتك علانية، فقال: انطلق، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد عليَّ جواري، فقال عثمان: صدق وقد وجدته وفيًّا كريم الجوار، وقد أحببت أن لا أستجير بغير الله تعالى، وقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان بن مظعون ولبيد بن ربيعة هذا في مجلس قريش، فجلس معهم عثمان وهو ينشدهم:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل …
فقال عثمان: صدقت، قال لبيد:
… وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، فالتفت القوم إليه، فقالوا للبيد: أعد علينا فأعاد لبيد، فأعاد عثمان بتكذيبه مرة وبتصديقه مرة، وإنما يعني عثمان؛ إذ قال كذبت يعني: نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: والله يا نفر قريش ما كانت مجالسكم هكذا، فقام سَفِيهٌ منهم على عثمان بن معظون فلطم عينيه فاخضرت، فقال [له] (^١) مَنْ حوله: والله يا عثمان لقد كنت في ذمة منيعة، وكانت عينك غنية عما لقيت، فقال: جوار الله آمن وأعز، وعيني الصحيحة فقيرة التي ما لقيت أختها، ولي برسول الله ﷺ ومن (^٢) آمن معه أسوة، فقال الوليد: هل لك في جواري؟، فقال عثمان: لَا أَرَبَ لي في جوار أحد إلا في جوار الله تعالى، ثم هاجر عثمان -رضي الله تعالى عنه- إلى المدينة.
قلت: الجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن لبيدًا إنما قال ذلك قبل أن يسلم، فيمكن أن يكون اعتقاده [في] (^٣) ذلك الوقت أن الجنة لا وجود لها، أو كان يعتقد وجودها، ولكن لا يعتقد دوامها كما ذهبت (^٤) إليه طائفة من أهل الأهواء والضلال.
والثاني: أنه يمكن أن يكون أراد به ما سوى الجنة من نعيم الدنيا؛ لأنه كان في صدد ذم الدنيا، وبيان سرعة زوالها، وأما تكذيب عثمان بن مظعون ﵁ إيَّاه؛ فلكونه حمل الكلام عن العموم.
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(٢) في (أ): "وبمن آمن".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة في (ب).
(٤) في (ب): كما ذهب.
[ ١ / ١١٩ ]
١٠ - قوله: "فَلْتَرُعْكَ العواذل" من رَوَّعَهُ يُرَوِّعُه إذا كفه (^١)، والعواذل ها هنا حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليه مجاز (^٢).
الإعراب:
قوله: "ألا كل شيء"، ألا: حرف استفتاح، غير مركبة؛ ولذلك قال سيبويه (^٣): إذا سميت بها أعربت ولم تحك، وهي (^٤) بمنزلة: قفا (^٥)، وادعى الزمخشري (^٦) فيها التركيب (^٧)، ولم يقم على دعواه الدليل، فتصدر (^٨) بها الجملة الاسمية؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، والفعلية؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨].
ولفظ (كل) المشهور فيه أن لا يخلو استعماله عن الإضافة لفظًا، فإن خلا لفظًا يكون مضافًا معنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] (^٩)، وأجاز الأخفش (^١٠) تجريده
_________________
(١) في القاموس مادة: "روع" راع فلانًا أفزعه يتعدى، ويلزم كروع بالتشديد، والروع الفزع، وهو المقصود، فقول العيني في معناه: "كفه" غير صحيح. وفي الصحاح مادة: "روع" الرَوْعُ بالفتح: الفَزَعُ. والرَوْعَةُ: الفَزْعَةُ، ومنه قولهم: "أفزعَ رَوْعُهُ، أي ذهب فَزعُه، ورُعْتُ فُلانًا ورَوَّعْتُهُ فارْتاعَ، أي أَفزعته ففزع. وتَرَوَّعَ، أي تَفَزَّع".
(٢) هو مجاز عقلي؛ حيث أسند الفعل إلى العواذل، والعواذل ها هنا حوادث الدهر؛ فهي التي تروعه أي تفزعه، فهو إسناد إلى غير ما هو له، لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. ينظر علم البيان، عبد العزيز عتيق (١٤٥) وما بعدها.
(٣) هو عمرو بن عثمان بن قنبر من موالي بني الحارث بن كعب، اشتهر بلقبه سيبويه، وهو لقب أعجمي، ومعناه رائحة التفاح، يسمى كتابه المشهور قرآن النحو؛ لأنه أول كتاب في هذا العلم، وسيبويه يعد عمدة النحويين (ت ١٨٠ هـ). ينظر مراتب النحويين (٦٥)، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي (٦٦)، ومجالس العلماء للزجاجي (٨/ ١٥٤)، وطبقات القراء لابن الجزري (١/ ٦٠٢)، وشذرات الذهب (١/ ٢٥٢).
(٤) في (أ): "فهي".
(٥) قال سيبويه: "ألا التي في الاستفهام حكاية، وأما قولك: ألا إنه ظريف، وأما إنه ظريف فبمنزلة قفًا ورحًى ونحو ذلك" الكتاب (٣/ ٢٣٢)، ط هارون.
(٦) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، من أئمة الدين والتفسير واللغة، صنَّف الكشاف وأساس البلاغة والمفصل وغيرها (ت ٥٣٨ هـ). الأعلام (٧/ ١٧٨).
(٧) قال الزمخشري: "ألا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي؛ لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠] ولكونها في هذا المنصب من التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم". الكشاف (١/ ٦٢)، وظاهرة التركيب في النحو العربي (٨٩)، د. أحمد السوداني، ط أولى (٢٠٠٥ م).
(٨) في (أ): فيتصدر.
(٩) ينظر بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية (١/ ٢٨٣) وما بعدها، بتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، أولى (١٩٦٩ م).
(١٠) هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة، من أكبر أئمة النحو البصريين بعد سيبويه، صنف: معاني القرآن، وشرح أبيات المعاني، والاشتقاق، ومعاني الشعر وغيرها (ت ٢١٥ هـ). الأعلام (٣/ ١٠١، ١٠٢)، والمدارس النحوية (٩٤) =
[ ١ / ١٢٠ ]
عن الإضافة وانتصابه حالًا (^١)، ووافقه أبو علي (^٢) في الحلبيات (^٣)، ويعضده قراءة نافع (^٤): (إنا كلًّا فيها) (^٥) [غافر: ٤٨]، و"كل شيء" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "باطل". وقد علم أن كلمة "كل" إذا أضيفت إلى نكرة تقتضي عموم الأفراد، وإذا أضيفت إلى المعرفة تقتضي عموم الأجزاء، تقول: كل زُمَّانٍ مأكول، ولا تقول: كل الرمان مأكول، ولفظة "الله" منصوبة بقوله "خلا".
فإن قلت: ما موضوع الجملة كلها من الإعراب؟.
قلت: يجوز أن يكون حالًا (^٦)، وبه جزم السيرافي (^٧)، فيكون التقدير: ألا كل شيء حال كونه خاليًا عن الله باطل؛ كما تقول في قولك: جاءني القوم ما خلا زيدًا، يعني جاءني القوم حال كونهم خالين عن زيد، ويجوز أن يكون نصبًا على الظرفية (^٨)؛ فيكون التقدير: ألا كل شيء وقت خلوهم عن الله باطل كما تقول في قولك: جاءني القوم ما خلا زيدًا. جاءني القوم وقت خلوهم عن زيد.
_________________
(١) = وما بعدها، والزبيدي (٧٤)، وشذرات الذهب (٢/ ٣٦)، ومعجم الأدباء (١١/ ٢٢٤).
(٢) قال أبو حيان: "وشذ تنكيره وانتصابه حالًا في ما حكى الأخفش". الارتشاف (٢/ ٥١٥، ٥١٦).
(٣) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان الفارسي، صنَّف الإيضاح والتكملة والحلبيات وغيرها (ت ٣٧٧ هـ)، ينظر تاريخ بغداد (٧/ ٢٧٥، ٢٧٦) للخطيب البغدادي، القاهرة (١٩٣١ م)، ووفيات الأعيان (٢/ ٨٠ - ٨٢)، ومعجم الأدباء (٧/ ٢٣٢ - ٢٦١). والأعلام (٢/ ١٩٣، ١٩٤).
(٤) لم أعثر عليه في الكتاب المذكور كما أشار العيني.
(٥) نافع المدني أبو عبد الله من أئمة التابعين بالمدينة، مجهول النسب (ت ١٦٩ هـ). الأعلام (٨/ ٥).
(٦) قال مكي: "وأجاز الكسائي والفراء نصب كل، على النعت للمضمر المنصوب بإن، ولا يجوز ذلك عند البصريين؛ لأن المضمر لا ينعت، ولأن كلًّا نكرة في اللفظ، والمضمر معرفة. ووجه قولهما أنه تأكيد للمضمر، والكوفيون يسمون التأكيد نعتًا، وكل وإن كان لفظة نكرة فهو معرفة عند سيبويه على تقدير الإضافة والحذف، ولا يجوز البدل؛ لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره. ينظر مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب (٦٣٧) تحقيق حاتم الضامن، ط. مؤسسة الرسالة. رابعة (١٩٨٨ م) ومعاني القرآن للفراء (٣/ ١٠) والكتاب (٢/ ١١٣) وما بعدها، هارون، والقرطبي (١٥/ ٣٢١)، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت (١٩٨٥ م).
(٧) قال أبو حيان: "والفعل نصب لا خلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين موضوع موضع الحال. قاله السيرافي الارتشاف (٢/ ٣١٨)، وينظر ابن يعيش (٢/ ٧٨).
(٨) هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، شرح كتاب سيبويه وشرح شواهده، وصنف المدخل إلى الكتاب وغيرها (ت ٣٦٨ هـ). ينظر المدارس النحوية: (١٤٥) وما بعدها، وشذرات الذهب (٣/ ٦٥).
(٩) قال أبو حيان: "وذهب ابن خروف إلى أن انتصابه على الاستثناء انتصاب غير، وقيل: مصدرية ظرفية؛ أي: وقت خلوهم ودخوله معنى الاستثناء". الارتشاف (٢/ ٣١٨)، وينظر المغني (١/ ١٣٣، ١٣٤).
[ ١ / ١٢١ ]
التقدير: ألا كل شيء وقت خلوهم عن الله باطل، وقد قلنا: إن "خلا" إذا دخلت عليها كلمة "ما" لا تجر عند الجمهور (^١)، ونقل الجرمي (^٢) عن بعض العرب جر المستثنى بعد: "ما خلا"، وبعد "ما عدا"، على أن "ما" زائدة، وعدا وخلا حرفا جر وهذا شاذ (^٣)؛ لأن "ما" تزاد بعد الحرف متأخرة عنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، وها هنا هي متقدمة عن الحرف فلا يحكم عليها بالزيادة.
وإذا كانتا مجردتين من كلمة "ما" يجوز الجر بهما على أنهما حرفا جر، والنصب على أنهما فعلان فاعلهما مضمر وجوبًا، والمستثنى مفعولهما، تقول: قام القوم خلا زيدًا وخلا زيدٍ، وعدا زيدًا وعَدا زيدٍ (^٤).
الاستشهاد فيه:
أنه أورده شاهدًا لإطلاق الكلمة على الكلام، وهو مجاز مهمل عند النحويين، مستعمل عند المتكلمين، وهو من باب تسمية الشيء باسم جزئه على سبيل التوسع، فإنه ﵊ قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
أَلا كُلُّ شَيء مما خَلا اللهَ باطِلُ … "
فأطلق الكلمة على الكلام توسعًا، وقد روينا عن أبي هريرة (^٥) -رضي الله تعالى عنه- من طريق البخاري (^٦) ومسلم (^٧) عن النبي ﷺ أنه قال: أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد:
_________________
(١) قال ابن يعيش: "أما ما خلا وما عدا فلا يقع بعدهما إلا منصوب، لأن ما فيهما مصدرية فلا تكون صلتها إلا فعلًا وفاعلها مضمر مقدر بالبعض .. وما وما بعدها في موضوع مصدر منصوب". ابن يعيش (٢/ ٧٨).
(٢) صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمي، لزم الأخفش وأخذ عنه، له: المختصر في النحو، وكتاب الأبنية، وصنَّف العروض وغيره (ت ٢٢٥ هـ)، طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٣٣٢)، وشذرات الذهب (٢/ ٥٧).
(٣) قال ابن هشام: "وزعم الجرمي والربعي والكسائي والفارسي وابن جني أنه قد يجوز الجر على تقدير ما زائدة، فإن قالوا ذلك بالقياس ففاسد؛ لأن ما لا تزاد قبل الجر والمجرور بل بعده نحو: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾، و: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ وإن قالوا بالسماع فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه". المغني (١/ ١٣٤) وشرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣١٠).
(٤) ينظر المغني (١/ ١٣٣).
(٥) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أكثر الصحابة حفظًا للحديث والرواية (ت ٥٩ هـ). الأعلام (٣/ ٣٠٨).
(٦) هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، صاحب الجامع الصحيح وغيره (ت ٢٥٦ هـ). الأعلام (٦/ ٣٤).
(٧) هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صاحب صحيح مسلم وغيره (ت ٢٦١). الأعلام: (٧/ ٢٢١).
[ ١ / ١٢٢ ]
ألا كُلُّ شيءٍ مما خَلا اللهَ باطلُ … (^١).
وكاد ابن أبي الصلت (^٢) أن يسلم"، وفي رواية لهما قال: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد" إلخ، وهذه الرواية رويناها أيضًا من طريق الترمذي (^٣) -رحمه الله تعالى- وقد رويت هذه اللفظة بألفاظ مختلفة منها: إن أصدق كلمة (^٤)، ومنها: إن أصدق بيت قاله الشاعر (^٥)، ومنها: أصدق بيت قاله الشاعر، ومنها: أصدق بيت قالته الشعراء، وكلها في الصحيح، ومنها: أشعر كلمة قالتها العرب، قاله ابن مالك في شرحه للتسهيل (^٦)، وكلها في وصف المعاني مبالغة بما يوصف به الأعيان؛ كقولهم: شعر شاعر، وخوف خائف، وموت مائت، ثم يصاغ من أفعل باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفه (^٧)، وفيه شاهد آخر: وهو تقديم المستثنى، ولكن الشارح لَمْ يورده لذلك، وإنما أورده لما ذكرنا [فافهم] (^٨).