يَا صَاحِ مَا هَاجَ العُيُون الذُّرَّفَنْ … من طَلَلٍ كَالأَتْحميِّ أَنْهَجَنْ
أقول: قائله هو الراجز العجاج، واسمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كنيف بن عميرة بن حُيَيِّ بن ربيعة بن سعد بن مالك التميمي السعدي من سعد تميم البصري، يكنى بأبي الشعثاء والعجاج لقبه، لقب بذلك لقوله: حتى يَعُجُّ عِنْدَهَا مَنْ عَجْعَجَا، والعج: رفع الصوت، يقال: رجل عجاج أي صَيَّاح، والأنثى عجاجة، يقال: أشعر الناس العجاجان، أي رؤبة وأبوه (^٣)، ورؤبة يكنى بأبي محمد وبأبي الجحاف، وهو وأبوه (^٤) راجزان مشهوران، كل منهما له ديوان رجز ليس فيه شعر سوى الأراجيز، وهما مجيدان (^٥) في رجزهما، وهما عالمان (^٦) باللغة، وهما في الطبقة التاسعة من رجاز الإسلام (^٧).
وقال أبو عمرو بن العلاء (^٨):
_________________
(١) = اللفظ نحو: قلت كلمة" (٤/ ١٩١، ١٩٢) تحقيق: محمد عبد الرحمن المفدي، ط. أولى (١٩٨١ م).
(٢) ابن الناظم (٥) ط. دار السرور، توضيح المقاصد (١/ ٢٧).
(٣) البيت من بحر الرجز للحجاج، وهو في سيبويه (٤/ ٢٠٧) هارون، والخصائص لابن جني (١/ ١٧١)، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ٣٠٣) تحقيق محمد علي الريح هاشم، ط دار الفكر (١٩٧٤ م) وروايته في شرح أبيات سيبويه: يا صاح ما هاج العيون الذرفن … من طلل أمسى تخال المُصْحَفَنْ
(٤) و(^٤) في (ب): وابنه. دراسة: لم يشر إلى دائرة بحر الرجز هنا، وقد آخره التي ذكر بحر الرمل، الشاهد رقم (٢٠).
(٥) في (أ): يجيدان.
(٦) في (أ): وهما عالمان، وفي (ب): وعالمًا باللغة وقد أثبت الصحيح.
(٧) ينظر طبقات فحول الشعراء لابن سلام (٢/ ٧٥٣) وما بعدها تحقيق: محمود شاكر، ط. دار المدني بجدة.
(٨) أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري (ت ١٥٦ هـ) بالكوفة، انظر =
[ ١ / ١٢٧ ]
ختم الشعر بذي الرمة (^١) والرجز برؤبة، وقال أبو عبد الله الرعيني (^٢) في كتابه: "المؤاخي النادر في الجمع بين اللآلي والنوادر": إن العجاج أدرك أبا هريرة ﵁ وروى عنه، وكان من أعراب البصرة، مخضرم أدرك الدولتين، ورؤبة وابنه أيضًا كان مقيمًا بالبصرة، فلما ظهر بها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي ﵁ (^٣)، وخرج على أبي جعفر المنصور (^٤) خاف رؤبة على نفسه، وخرج إلى البادية لتجنب الفتنة، فلما وصل إلى الناحية التي قصدها أدركه أجله بها، فتوفي هناك سنة خمس وأربعين ومائة، وكان قد أسن، قال محمد بن سلام: قلت ليونس (^٥) النحوي: هل رأيت أعرابيًّا أفصح من رؤبة؟ قال: لا (^٦) وعن ابن قتيبة: كان رؤبة يأكل الفأر فعوتب في ذلك، فقال رؤبة: هي أنظف من دواجنكم ودجاجكم اللائي يأكلن العذرة، وهل يأكل الفأر إلا نقي البر ولباب الطعام (^٧)؟.
ورؤبة بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الباء الموحدة وبعدها هاء ساكنة، وهي في الأصل اسم لقطعة من الخشب يشعب بها الإناء، وجمعها رئاب، وباسمها سمي الراجز المذكور (^٨)، وعن يونس: الرؤبة خميرة اللبن، وقطعة من الليل، والحاجة، وجمام ماء الفحل (^٩).
قوله: "من طلل .. إلى آخره" ليس من تتمة قوله: يا صاح ما هاج … إلى آخره؛ كما زعمه
_________________
(١) = وفيات الأعيان (٣/ ٤٦٦) وما بعدها، ط. دار صادر، تحقيق: إحسان عباس، والمدارس النحوية د / شوقي ضيف: (٢٧).
(٢) غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي، من مضر أبو الحارث ذو الرمة، من فحول الطبقة الثانية في عصره (ت ١١٧ هـ). الأعلام (٥/ ١٢٤).
(٣) هو محمد بن شريح بن أحمد الرُّعَيني أبو عبد الله، عالم بالقراءات من أهل أشبيلية، من كتبه: الكافي في القراءات (ت ٤٧٦ هـ). الأعلام (٦/ ١٨٥) والعِبَر في خبر من غبر للذهبي، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول (٢/ ٢٣٥)، ط، دار الكتب العلمية بيروت، أولى (١٩٨٥ م)، وقد يكون هو محمد بن سعيد بن محمد بن عثمان الأندلسي أبو عبد الله، رحالة من العلماء بالحديث (ت ٧٧٨ هـ). الأعلام (٦/ ١٣٩)، ولم يذكر أحد كتاب: "المؤاخي النادر في الجمع بين اللآلي والنوادر".
(٤) (ت ١٤٥ هـ). الأعلام (١/ ٤٨).
(٥) هو عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، ثاني خلفاء العباسيين (ت ١٥٨ هـ). الأعلام (٤/ ١١٧).
(٦) يونس بن حبيب البصري، أستاذ سيبويه (ت ١٨٢ هـ)، ينظر المدارس النحوية (٢٨)، ومعجم الأدباء (٢٠/ ٦٤).
(٧) ينظر طبقات فحول الشعراء (٢/ ٧٦١ - ٧٦٧) الترجمة (٥).
(٨) في الشعر والشعراء لابن قتيبة يقول: قال أبو عبيدة: دخلت على رؤبة وهو يجيل جرذانًا على النار فقلت: أتأكلها؟ قال: نعم، إنها خير من دجاجكم إنها تأكل البر والتمر (١٤١) ط. عالم الكتب، ثالثة (١٩٨٤ م)، وينظر الخزانة للبغدادي (١/ ٩١).
(٩) ينظر اللسان، مادة: "رأب".
(١٠) ينظر خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٩٢، ٩٣) تحقيق: هارون، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثانية لسنة (١٩٧٩ م).
[ ١ / ١٢٨ ]
ابن الناظم وغيره (^١) فإنهم وهموا في ذلك وَهْمًا فاحشًا؛ بل لكل منهما قافية تغاير قافية الآخر، فإن تمام الأول قوله (^٢):
١ - … من طَلَلٍ أَمْسَى يُحَاكي المصحَفَا
[وبعده] (^٣):
٢ - رُسُومَهُ والمُذهَبَ المزَخْرفَا (^٤) … جَرَّتْ عَلَيهِ الريحُ حَتَّى قَدْ عَفَا
٣ - وَقَدْ أَرَاني بِالدِّيَارِ مُتْرَفَا … أزْمَانَ لا أحسبُ شيئًا مُنْزَفا
٤ - أَزمَانَ غَرَّاءُ تَرُوقُ الشُّنَّفَا … كَأن ذَا فَدَّامة مُنَطَّفَا
٥ - قطف من أعنَابِه ما قَطَفَا … فَعَمَّهَا حَوْلَينِ ثُمَّ استَودَفَا
٦ - خالط من سَلْمَى خَيَاشيمَ وَفَا … صَهبَاءَ خُرْطُومًا عقارًا قَرْقَفَا
٧ - فَشَنّ في الإِبريقِ منها نُزَفَا … حتى تَنَاهَى في صَهَاريجِ الصَّفَا
ومن هذه القصيدة قوله أيضًا:
١ - وَمَهْمَهٍ يمطُو مَدَاهُ الْعُسَّفَا … بذَات لَوْثِ أَوْ نُبَاج أَشْدَفَا
٢ - نَاجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ ممَّا وَجَفَا … طَيّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفا
٣ - سَمَاوَةَ الهلَالِ حَتى احْقَوْقَفَا …
وتمام الثاني هو قوله (^٥):
١ - مَا هَاجَ أَشجَانًا وَشَجْوًا قَدْ شجَا … مِنْ طَلَلٍ كَألأَتْحُمى أَنْهَجَا
وبعده:
٢ - أمْسَى لِعَافِي الرامِسَاتِ مدرجَا … واتخذتهُ النَّائجَاتُ مَنْأَجًا
٣ - مَنَازِلٌ هيّجْنَ مَنْ تَهَيَّجَا … من آل ليلى قد عفون حججا
_________________
(١) ابن الناظم (٥)، وتوضيح المقاصد (١/ ٢٧).
(٢) انظر القصيدة كلها في ديوان العجاج (٣٦٨) بتحقيق سعد حناوي، دار صادر، كما ينظر شرح أبيات سيبويه (٢/ ٣٠٣) وروايته: "تخال" بدلًا من "تحاكي".
(٣) ما بين المعقوفين نقص في (أ).
(٤) شرح أبيات سيبويه يروي "المزخرفن" بالنون.
(٥) ينظر المغني: شواهد رقم (٦٠٧) وروايته: ما هاج أشواقًا وشجوًا قد شجا … من طلل كالأتحمي أنهجا وشرح شواهد المغني للسيوطي (٧٩٣، ٧٩٤)، ويقصد بالثاني: الشطر الثاني الذي لفقه النحويون؛ حيث أتوا بالشطر الأول من قصيدة فائية وبالثاني من قصيدة جيمية.
[ ١ / ١٢٩ ]
٤ - والشَّخطُ قطَّاعٌ رَجَاءَ مَنْ رَجَا … أَزْمَانَ أَبْدَت واضحًا مفلَّجا
٥ - أغرَّ برَّاقًا وطرْفًا أبرجا … وَمُقلَةً وحاجبًا مُزَجَّجا
٦ - وفاحمًا ومَرْسِنًّا مسرَّجا … وكفلًا وَعْثًّا إذا ترجرجَا
٧ - ومهمهٍ هالكٍ من تعرَّجا … هَائِلة أَهْوَالُهُ مَنْ أدْلَجا
ومن هذه القصيدة أيضًا:
١ - كأنَّ تحتي ذات شَغبٍ سمحجا … قَوْدَاءَ لا تحمل إلا مُخْدَجًا
٢ - جَأْبًا ثرَى تَلِويلَةَ مُسَحَّجَا …
ومنها قوله:
٣ - فعَرَفُوا أن لا يُلاقُوا مخرجا … أو يَبتَغُوا إلَى السَّمَاء دَرَجَا
٤ - حَتَّى يَعُجَّ ثخَنًا مَن عجْعَجَا … فُيُودِي المُودِيُّ وَينْجُو مَنْ نَجَا
وبه سمي العجاج كما ذكرناه، فالأول: رجز فائي، والثاني: رجز جِيمي، وأصله في الدائرة: مستفعلن ست مرات، وقد دخله الطي (^١) وهو إسقاط الرابع الساكن وهو الفاء (^٢) فيصير: مستعلن، فيرد إلى مفتعلن وتقمعه ظاهر، فقوله: (من طلل) مطوي، وزنه مفتعلن والباقي سالم.
١ - قوله: "هاج" من الهيجان، يقال: هاج الشيء يهيج هيجًا وهياجًا وهيجانًا، واهتاج يهيج أي: ثار وتحرك، يقال: هاج به الدم والمرة، يقال: هاج وهاجه، يتعدى ولا يتعدى (^٣) وها هنا هاج متعد، و"الذُّرَّف" بضم الذال المعجمة وفتح الراء المشددة جمع ذارفة، من ذَرَفَ الدمعُ إذا سال فهو ذارف ومذروف وذريف ودموع ذوارف، وقد ذَرِف دمعه ذروفًا، وذرفت عينه الدموع ذروفًا، وحكى في الصحاح ذَرَفَانَا (^٤)، وقال الفراء (^٥) ذَرّفَتْ عينهُ تذرافًا وتذرفيًا وتَذْرِفة (^٦)، وقوله: "من طَلَل" بفتحتين وهو: ما شخص من آثار الدار وما سَوَّدُوا فيها، وجمعه: أطلال وطلول.
_________________
(١) ينظر علم العروض والقافية، د / عبد العزيز عتيق (٧١) ط. دار النهضة العربية: بيروت (١٩٨٧ م).
(٢) في (أ): إسقاط الساكن الثاني من السبب الثاني.
(٣) لسان العرب مادة: "هيج".
(٤) الصحاح مادة "ذَرَفَ".
(٥) يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي أبو زكرياء الفراء، أخذ عن الكسائي، وكان أبرع الكوفيين، له معاني القرآن وغيره (ت ٢٠٧ هـ)، انظر إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغوين لعبد الباقي اليماني، تحقيق: عبد المجيد دياب (٣٧٩)، ط أولى (١٩٨٦ م). الأعلام (٩/ ١٧٨) وبغية الوعاة (٢/ ٣٣٣).
(٦) ينظر اللسان، مادة: "ذرف".
[ ١ / ١٣٠ ]
قوله: "يحاكي المصحفا" أي يشابه، والمعنى: أي شيء هيج العيون الذارفة بالدموع من طلل؛ أي: من رؤية طلل؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] أي: من أجل غم، يعني: من طلل دار قد أمسى يحاكي سطور المصحف في الخفاء، والاندراس، "والمصحف" مثلث الميم (^١) حكاه في شرح الكافية (^٢) وهو ما يكتب فيه من جلد أو قرطاس، ويقال: صحيفة وصحف وصحائف.
٢ - "والمزخرف": المزين، "عفا": انمحى أثره.
٣ - قوله: "مترفًا" أي: منعمًا منزهًا، من الإتراف، قوله: "منزفًا" أي: مقطوعًا، قوله: "غراء"؛ أي: بيضاء، قوله: "تروق"، أي تعجب، قوله: "الشَّنَّفَا" جمع شانف وهو الناظر يمينا وشمالًا، قال الجوهري: شنفت إلى الشيء بالفتح: نظرت في اعتراض (^٣).
٤ - قوله: "ذَا فَدَّامةٍ" بالفاء؛ أي ذا خرقة، "والمنُطَّف" بالطاء المهملة، معناه: المُقَرَّط، يقال: تنطفت المرأة إذا تقرطت، والنَطَفَةُ بالحركات: القرط.
٥ - قوله: "قطف" أي: نزع بيديه، قوله: "استودفا"؛ أي: استوكفا.
٦ - قوله: "صهباء"؛ الصهباء: الخمر سميت بذلك للونها، و: "الخُرَطُومَ" بضم الخاء المعجمة هو الخمر قاله الجوهري، وأنشد البيت المذكور (^٤)، و"العُقار" من أسماء الخمر؛ لأنها تعاقر القلوب، و"القرقف" أيضًا من أسماء الخمر؛ لأنها تقرقف صاحبها؛ أي: ترعده.
٧ - قوله: "فشنَّ" من شن الماء على الشراب إذا صَبَّهُ، قوله: "نُزُفا" بضم النون جمع نزفة، وهو القليل من الماء والشراب، ويقال: النزفة؛ الجرعة.
١ - قوله: "ومهمه"، أي: مفازة، قوله: "يمطو"، أي: يمد؛ و"المدى": الأمد الذي إليه ينتهي، و"العُشف" جمع عاسف وهو القاطع بغير طريق، وربما قطع عليه الطريق، قوله: "لوث"؛ أي: قَوَّة. قال الجوهري: اللوث بالفتح القوة (^٥)، و: "النُّبَاج" بضم النون وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره جيم مثل: النباح بالحاء المهملة، وهو الردام أيضًا، و: "الأشدف" الذي فيه ميل على يده اليسرى.
٢ - قوله: "الأين: الإعياء، قوله: "زلفًا": جمع زلفة وهي الدنو.
_________________
(١) أي مفتوحها ومكسورها ومضمومها.
(٢) غير موجودة لدى ابن مالك.
(٣) الصحاح، مادة: "شنف".
(٤) الصحاح، مادة: "خرطم".
(٥) الصحاح، مادة: "لوث".
[ ١ / ١٣١ ]
٣ - قوله: "سماوة الهلال" سماوة كل شيء: شخصه، أراد كشخص الهلال في دقته وانحنائه، و: "الاحقيقاف" الاعوجاج.
١ - قوله: "أشجانا" جمع شجن بفتحتين وهو الحزن، وأما الشجن الذي معناه الحاجة فيجمع على شجون، قال الشاعر (^١):
والنفس شتى شجونها …
والعروضيون يروونه: ما هاج أحزانًا وشجوا قد شجا (^٢) والشجو الحزن أيضًا، يقال: شجاني الشيء أحزنني، والشجا: ما نشب في الحلق من غصة هم، و: "مفازة شجواء": صعبة المسالك.
فإن قلت: ما فائدة عطف الشجو الذي هو الحزن على (أحزانًا) على رواية العروضيين؟.
قلت: لما تغاير اللفظان عطف أحدهما على الآخر، وإن كان معناهما واحدًا.
قوله: "كالأتحمي" بفتح الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الحاء المهملة: نوع من البرود بها خطوط دقيقة، وليس الياء فيها للنسبة، فإنما هي مثل الياء في قولهم: قصب يردي وكلب زفتي، ويقال: هو نسبة إلى أتحم موضع باليمن تعمل (^٣) فيه البرود وتنسب إليه، والأول هو الصحيح، وشبه به الأطلال من أجل المخطوط التي فيه؛ كما شبه بالمصحف، قوله: "أنهجا"، فعل ماض، يقال: أنهج الثوب إذا بلي وخَلِق، قال الجوهري: أنهج الثوب إذا أخذ في البلى، قال (^٤) عبد بني الْحَسْحَاس (^٥):
فما زَال بُرْدِي طيبًا من ثيابها … إلى الحَوْلِ حَتَّى أنْهَجَ البُرْدُ بَالِيَا
٢ - قوله: "مدرجًا"؛ أي: طريقًا؟ قوله: "واتخذته النائجات منأجًا"، من نأجت الريح
_________________
(١) مطلع أرجوزة للعجاج في ديوانه (٧) وهو شاهد على جمع شجن على شجون
(٢) ينظر الوافي في العروض والقوافي للتبريزي: (١٠٥).
(٣) في (أ): يعمل.
(٤) هو سحيم عبد بني الحسحاس شاعر رقيق كان عبدًا نوبيًّا، أعجمي الأصل، اشتراه بنو الحسحاس، رآه النبي ﷺ وكان يعجبه شعره (ت ٤٠ هـ). الأعلام (٣/ ٧٩) وفوات الوفيات (٢/ ٤٢) وما بعدها تحقيق د. إحسان عباس، ط. دار صادر بيروت.
(٥) من الطويل، انظر ديوان سحيم (٢٠) ط. دار الكتب. وروايتهُ في الصحاح: فما زال بردي طيبًا من ثيابها … إلى الحول حتى أنهج الثوب بالي ينظر الصحاح، مادة: "نهج"، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام (١/ ١٨٨) تحقيق: محمود شاكر، وهو شاهد على أن "نهج" بمعنى بلى وخلق.
[ ١ / ١٣٢ ]
تنأج نئيجًا تحركت فهي نؤوج ولها نئيج؛ أي: مَرٌّ سريع مع صوت، ومادته: نون وهمزة وجيم.
٤ - قوله: "واضحًا مفلجًا"، الواضح: الثغر الأبيض، والمفلج: المتفرق، و: "الأبلج" شديد بياض البياض، شديد سواد السواد، وقال الأصمعي (^١): الواسع والمزجج بالإثمد المطول به (^٢).
٦ - و"الفاحم" بالفاء والحاء المهملة: الشعر الأسود، و: "المرسن" الأنف، و"المسرج" المحسن المليح، و"الوعث الوثير" هو المكان السهل. تغيب فيه الأقدام، وامرأة وثيرة: كثيرة اللحم وكذلك امرأة وعثة: كثيرة اللحم، و"ترجرج" إذا اضطرب وتمخض.
٧ - و"الهالك": من قولهم: هلكه الله (^٣)، قاله أبو عبيدة (^٤)، و"أدلج": سار ليلًا.
١ - و"الشغب" بالشين والغين الساكنة المعجمتين والباء الموحدة، وهو شدة النفس وشرهها، و"السمحج": المنطوية البطن، وقال الأصمعي: الطويلة (^٥)، و"القوداء": الطويلة العنق، و"المخدج": الناقص الخَلْق، وفي حديث علي - رضي الله تعالى عنه- في ذي الثدية مخدَج اليد؛ أي: ناقصها.
٢ - قوله: "جأيّا" بفتح الجيم وسكون الهمزة وفي آخره ياء موحدة، وهو الغليظ من حمر الوحش، قال أبو زيد (^٦): يهمز ولا يهمزة (^٧)، قوله: "مسحجًا" بتقديم الحاء المهملة على الجيم وهو المعضد، يقال: حمار مسحج؛ أي: مُعَضَّض مُكَدحٌ، وهو بمعنى التسحيج؛ كقوله تعالى: ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧]، وتوهم بعضهم أنه اسم مفعول [مصحف بنيته فقال: تليله، والليت بكسر اللام: صفحة العنق، والتليل بفتح التاء المثناة من فوق هو العنق] (^٨).
٤ - وقوله: "حتى يعج" من العج وهو رفع الصوت، و"الثخن" بفتح الثاء المثلثة والخاء
_________________
(١) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع، راوية العرب، له: المترادف، وشرح ديوان ذي الرمة وغيرهما (ت ٢١٦ هـ). الأعلام (٤/ ١٦٢).
(٢) ينظر اللسان، مادة: "بلج".
(٣) اللسان، مادة: "هلك".
(٤) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي البصري، من أئمة الأدب واللغة، له مجاز القرآن لإعراب القرآن والأمثال وغيرها (ت ٢٠٩ هـ). الأعلام (٧/ ٢٧٢) وإشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين (٣٥٠) وشذرات الذهب (٢/ ٢٤، ٢٥).
(٥) ينظر تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي، مادة: "سمحج"، تحقيق د / حين نصار، ط. دار إحياء التراث العربي بيروت.
(٦) هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، من أئمة الأدب واللغة، صنف النوادر في اللغة ولغات القرآن وغيرهما (ت ٢١٥ هـ). الأعلام (٣/ ٩٢)، وإشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين (١٢٨).
(٧) أساس البلاغة، مادة: "جأب".
(٨) ما بين المعقوفين في (أ) مذكورة قبل الآية: الكريمة.
[ ١ / ١٣٣ ]
المعجمة وفي آخره نون (^١)، ويروى: حتى يعج عندها من عجعجا، قال اللحياني (^٢): رجل عجعاج؛ أي صيَّاح (^٣).
الإعراب:
قوله: "يا صاح" كلمة يا: حرف النداء، وصاح: منادى مرخم على لغة الانتظار (^٤) ولم يرخم على لغة الاستقلال (^٥) وترخيمه نادر كقولهم: أطرق كرا (^٦)؛ لأنه ليس بعلم ولا مؤنث، وقول من قال أصله: صاحبي رُخِّمَ بحذف المضاف إليه، ثم بحذف آخر المضاف (^٧) مردود.
قوله: "ما هاج" ما: مبتدأ، وهاج: فعل، والضمير الذي هو فيه فاعله يرجع إلى "ما" والعيون مفعوله، "الذرَّفَنْ": نصب على أنها صفة للعيون، والجملة خبر المبتدأ، قوله: "من طلل" جار ومجرور متعلق بقوله: هاج، قوله: "أمسى" جملة في محل الجر على أنها صفة لطل، وأمسى من الأفعال الناقصة، ومعناهُ ها هنا صار (^٨).
قوله: "المصحفن" مفعول يحاكي، والجملة في محل النصب على أنها خبر أمسى، قوله: "ما هاج أشجانًا" الكلام فيه كالكلام في قوله: ما هاج العيون.
قوله: "قد شجا" جملة فعلية وقعت صفة لقوله: شجوًا، ومفعول شجا محذوف تقديره.
_________________
(١) لم يفسر معناه العيني: يقال ثخن ككرم ثخونة غلظ وصلب فهو ثخين، ففي الصحاح مادة: "ثخن" يقول الجوهري: "ثخن ثَخُنَ الشيء ثَخانَةً، أي غلُظَ وصلب، فهو ثَخينٌ".
(٢) علي بن المبارك أبو الحسن اللحياني، من بني لحيان بن هذيل، له: النوادر المشهورة، لم يذكر وفاته. بغية الوعاة (٢/ ١٨٥).
(٣) قال الجوهري: "العجُّ": رفع الصوت، الصحاح، مادة: "عجج".
(٤) يقصد بلغة الانتظار عند النحويين: بقاء الاسم على حاله بحد الحذف منه لأجل الترخيم؛ كقوله: يا فاطم ببقاء الميم مفتوحة، ينظر ابن يعيش (٢/ ٢٠)، وابن الناظم (٢٣٣)، وتطبيقات نحوية وبلاغية، د / عبد العال سالم مكرم (٢/ ١٢٢) وما بعدها، ط. مؤسسة الرسالة بيروت، ثانية (١٩٩٢ م).
(٥) هو جعل الاسم المرخم بعد الحذف منه اسمًا كاملًا مبنيًّا على الضم دون النظر إلى ما حذف منه، ينظر ابن الناظم (٢٣٣) وتطبيقات نحوية وبلاغية (٢/ ١٢٢).
(٦) يقول ابن مالك: "ولا يستباح في غير ضرورة ترخيم منادى عارٍ من علمية ومن هاء تأنيث، وشذ قولهم في صاحب: يا صاح، وفي كروان: يا كرا، وزعم المبرد أن ذكر الكروان يقال له: كرا، ومن أجل قوله قلت: وأطرق كرا على الأشهر؛ لأن الأشهر في أطرق كرا، أطرق يا كروان فرخم وحقه ألا يرخم؛ لأنه اسم جنس عار من هاء التأنيث وقدر ما بقى مستقلًا فأبدلت الواو ألفًا، وحذف حرف النداء، وحقه ألا يحذف؛ لأنه اسم جنس مفرد". شرح التسهيل (٣/ ٣٤٢).
(٧) قال الصبان: "زعم ابن خروف أن الأصل: صاحبي وأنه أجري مجرى المركب المزجى، فرخم بحذف الكلمة الثانية ثم أدركه ترخيم آخر بعد ذلك الترخيم فحذف الباء من صاحب، وهو تعسف لا داعي له" (٣/ ١٨٥).
(٨) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ١٣٤ ]
وشجوًا قد شجاه، أي: أي شيء هيج الشجو الذي قد شجاه.
قوله: "من طلل" متعلق (^١) بقوله ما هاج، قوله: "كالأتحمي" صفة موصوفها محذوف، أي كالبرد الأتْحمي، وهو صفة لطلل ومحلها الجر، قوله: "أنهجا" جملة فعلية ماضية في محل النصب على الحال بتقدور "قد" أي كالبُرد الأتحمي حال كونه قد أنهجا. أي بلي وأخلق (^٢).
الاستشهاد:
في قوله: "الذرفن" فإنه جمع بين الألف واللام وتنوين الترنم، وفي قوله: "أنهجن" فإنه أدخل تنوين الترنم في الفعل، وتنوين الترنم: هو المبدل من حرف الإطلاق عوضًا عن مدات الترنم، وهي الألف والواو والياء (^٣)، أما الألف ففي ما مر من قوله: "الذرفن" و"أنهجن".
وأما الواو ففي قول الآخر (^٤):
… سُقيت الغيثَ أيَّتهَا الخِيامُنْ
وأما الياء ففي قول الآخر (^٥):
… كانَتْ مُباركَةً من الأيامن
_________________
(١) في (أ): يتعلق.
(٢) في (أ، ب): أي بلي و"خلولق" وأثبت الصحيح.
(٣) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١١) وقال ابن يعيش: "وهذا التنوين يستعمل في الشعر والقوافي للتطريب معاقبًا بما فيه من الغنة لحروف المد واللين". شرح المفصل لابن يعيش (٩/ ٣٣).
(٤) من الوافر لجرير، عجز بيت وصدره: متى كان الخيام بذي طلوح … ينظر ديوان جرير (٥١٢) بشرح محمد الصاوي، دار صعيب بيروت، وسيبويه (٤/ ٢٠٦) وروايته في الكتاب "الخيامو"، وابن يعيش (٩/ ٣٣)، والارتشاف (٣/ ٢٧٢)، والمنصف (١/ ٢٢٤)، وشرح شواهد المغني (٢٢٦).
(٥) من الكامل، عجز بيت نسبه سيبويه لجرير، وصدره: أيهات منزلنا بنعف سويقة … وليس في الديوان، انظر الكتاب (٤/ ٢٠٦)، والخصائص (٣/ ٢٤٣)، واللسان، مادة: "سوق"، وروايته في الكتاب: "الأيامى".
[ ١ / ١٣٥ ]